المغرب دائماً في خدمة الصهاينة.. كيف ولماذا؟

التنسيق في المجال العسكري هو الأخطر في التحالف المغربي-الإسرائيلي لأنه يساعد الكيان العبري في تحقيق المزيد من التفوق على أعدائه أقليمياً ودولياً لما للمغرب من مكانة استراتيجية خاصة بعد اعتراف واشنطن بتبعية الصحراء الغربية.

  • العلاقة السرية بين الرباط و
    العلاقة السرية بين الرباط و "تل أبيب" تتجاوز حدود السفارة منذ زمن طويل.

بعد سلسلة من الزيارات التي قام بها العديد من المسؤولين العسكريين والاستخباريين في الكيان العبري للمغرب خلال الأشهر الماضية، وقًع وزيرا خارجية الكيان العبري والمغرب الأسبوع الماضي في برلين على اتفاق  مفاجئ قرّرا بموجبه رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الطرفين إلى سفارة، بعد أن كان مكتب أتصال تم افتتاحه بناءً على اتفاقية التطبيع في الـ 10 من ديسمبر/ كانون الأول  2020.

ومع أن العلاقة السرية بين الرباط و "تل أبيب" تتجاوز حدود السفارة منذ زمن طويل، إلا أن الحديث عن دور الموساد الإسرائيلي والكيانات الصهيونية في أحداث سبتة الشهر الماضي زادت من أهمية افتتاح السفارة والاتفاق على تطوير العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في جميع المجالات.

ويكفي التذكير فقط بالهجوم العنيف الذي شنّه مندوب "إسرائيل" في الأمم المتحدة داني دانون ضد مدريد، حيث قال في تغريدته على منصة إكس وحصدت أكثر من عشرة ملايين تفاعل "على إسبانيا  التي لا تفوّت أي فرصة لإلقاء المحاضرات ضد "إسرائيل"، أن تفسّر للجميع سبب احتفاظها بـجيوب استعمارية في أفريقيا وقبل أن تواصل توجيه الانتقادات لنا".

وخلال تلك الأحداث، تم رصد المئات من الحسابات الصهيونية لشخصيات إسرائيلية معروفة، ومنها حنانيا نفتالي مسؤول الإعلام الرقمي السابق لنتنياهو والباحث والإعلامي إيلي كوهين، إضافة إلى حسابات علاقاتها  معروفة  مع الموساد، والتي شنّت هجوماً عنيفاً على إسبانيا ورئيس وزرائها سانشيز بسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني، واعتراضه على العدوان الإسرائيلي على إيران  ولبنان.

وعلّق وزير النقل الإسباني  أوسكار بوينتي آنذاك على تغريدة دانون بالقول : "يبدو أن كل شيء أصبح أكثر وضوحا"، في إشارة منه إلى اتهام "إسرائيل" بالوقوف وراء الأزمة.

وقالت السياسية الإسبانية كارولينا ألونسو "إن ما يحدث في سبتة هو محاولة من "إسرائيل" المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في غزة، لإضعاف الحكومة الإسبانية المعروفة بمواقفها الرافضة للإبادة".

وأما الصحافي الإسباني خوسيه فيزنر فقد ذكّر بما لمّح إليه نجل نتنياهو عام 2019 عندما قال "إن "إسرائيلط تموّل الحركات الانفصالية في سبتة ومليلية للانتقام من سانشيز و إسبانيا عموماً". كما اتهم الرئيس الكولومبي السابق غوستافو  بيترو نتنياهو "بشنّ حملات زعزعة استقرار ضد الحكومات التي تنتقد سياساته في الشرق الأوسط والعالم برمّته كما هي الحال في أميركا اللاتينية".

وهو ما يعكس الانزعاج الصيني من أحاديث الدور الإسرائيلي في أحداث سبتة التي تمثل قطعة مهمة على رقعة الشطرنج المعقدة في غرب الأبيض المتوسط، حيث تتلاقى طرق بحرية حيوية وإمدادات طاقة استراتيجية تمرّ عبر مضيق جبل طارق، مع الإشارة إلى العلاقات الوطيدة بين مدريد وبيجين، حيث قام سانشيز بأربع زيارات رسمية لبيجين، وهو ما لم يفعله أي زعيم أوروبي. ومن دون أن تتجاهل بيجين الدور المغربي في التنسيق والتعاون مع الكيان العبري ضد المصالح الصينية في أفريقيا، وفي مقدمتها الجزائر ومالي والنيجر القريبة من المغرب، وحيث للاستخبارات الإسرائيلية نشاط واسع جداّ. 

ومع التذكير بأهمية الجالية المغربية اليهودية في "إسرائيل" وهي ثاني جالية من حيث العدد بعد الجالية الروسية، حيث ضمت وتضم جميع الحكومات الإسرائيلية أشخاصاً ذوي أصول يهودية مغربية، ومنهم أربعة وزراء في حكومة نتنياهو الحالية؛ لا بد لنا أن نعود إلى التاريخ قليلاً لنطّلع على الأسباب الحقيقية للتحالف الاستراتيجي بين حكام المغرب والكيان العبري.

فبعد أن سقطت دولة الأندلس العربية الإسلامية في إسبانيا في يناير/ كانون الثاني 1492 وجرى قتل عشرات الآلاف من المسلمين في عهد الملك فرديناند وزوجته إيزابيل، واللذين طلبا من اليهود اعتناق الدين المسيحي أو مغادرة إسبانيا، أرسل  السلطان العثماني بيازيد الثاني أسطوله البحري لنقل الآلاف من اليهود إلى أراضي الدولة العثمانية وأسكنهم في إستانبول وإزمير واسكندرون وسالونيكي (في اليونان )، التي أصبحت لاحقاً معقلاً لليهود والحركات الماسونية التي لعبت دوراً أساسياً في إسقاط الدولة العثمانية.

وقامت قطع الأسطول العثماني بنقل الآلاف من اليهود والمسلمين من إسبانيا إلى المغرب، وقليلٍ منهم إلى تونس والجزائر وليبيا. ومع أن البعض من المؤرخين يفسّر ذلك بالموقف الإنساني للسلطان بيازيد، إلا أن الوثائق التاريخية تتحدث عن صفقة بينه وبين الملك الإسباني فرديناند والفرنسيين لويس السادس وشارل الثامن والبابا إيونست الثامن وفرسان جزيرة رودوس، الذين لجأ إليهم الأمير جام بعد خلاف بينه وبين شقيقه بيازيد الذي أراد التخلص منه.

وبعد ذلك تنقّل الأمير جام بين جزيرة رودوس وفرنسا وإيطاليا، واستخدمه الصليبيون كورقة ابتزاز ضد السلطان بيازيد الذي كان يدفع لهم سنوياً 60-40 ألف ليرة ذهبية مقابل ألّا يسمح له بالعودة إلى إسطنبول حيث كان محبوباً أكثر من بيازيد.

ومنذ ذلك التاريخ لعب اليهود دوراً مهماً في التاريخ العثماني برمّته بعد أن تزوج البعض من السلاطين ومنهم سليمان القانوني من النساء اليهوديات، كما لعب اليهود دوراً مهماً في تاريخ المغرب الذي أولته الصهيونية العالمية اهتماماً بالغاً، أولاً لموقعه الجغرافي الاستراتيجي القريب من إسبانيا التي طردت اليهود، وثانياً لأنها البوابة الغربية للعالم العربي والإسلامي.

ويتحدث التاريخ عن دور مهم لليهود في جميع مراحل التاريخ المغربي، خاصة بعد أن استولى أجداد الملك الحالي  محمد السادس على السلطة عام 1660 ويسمّي نفسه دستورياً بأمير المؤمنين!

وأسهم هذا الدور في تغلغل اليهود داخل مؤسسات الدولة المغربية، وبشكل خاص في عهد الملك الحسن الثاني، ومن بعده نجله محمد السادس الذي يسير على خطى والده في التواطؤ مع الكيان العبري في السر والعلن. وخير مثال على ذلك هو احتفاظه باليهودي الصهيوني أندريه أزولاي مستشاراً شخصياً له بعد أن كان مستشاراً لوالده لسنوات طويلة، نقل خلالها كل أسرار المغرب بل وحتى أسرار القمم العربية إلى "تل أبيب".

ويعرف الجميع أن أزولاي كان وما زال  همزة الوصل بين "تل أبيب" والرباط وكل  المؤسسات  الصهيونية في المغرب وأميركا  وأوربا، كما لعب دوراً مهماً في نقل يهود المغرب والبعض من يهود تونس وليبيا  إلى فلسطين المحتلة.

ولعب أزولاي ومعه صديقه اليهودي باتريك درايي، وبالتنسيق مع الجالية اليهودية المنظّمة تحت اسم "ودادية يهود المغرب"  دوراً مهماً في دعم ماكرون، ليصبح بشكل مفاجئ  رئيساً لفرنسا في انتخابات أيار/ مايو 2017.

ردّ ماكرون الجميل بتعيين ابنته آودري التي كانت مستشارة ثم وزيرة للثقافة في عهد الرئيس  الفرنسي  الأسبق آولاند، مديرة لليونسكو عام 2017.

وفي سبتمبر/ أيلول 2023 منح الرئيس هرتسوغ أندريه آزولاي ميدالية الشرف الرئاسية، وهي أعلى وسام رئاسي إسرائيلي لأزولاي "لمساهماته الفريدة في خدمة الشعب اليهودي"، وسبق أن حصل كل من كسينجر وبايدن وأوباما وكلينتون على هذه الميدالية.

ومع التذكير بالقانون الذي أصدره رئيس الوزراء اليميني الأسبق ماريانو راخوي في يونيو/ حزيران 2015 وسمح بموجبه لأحفاد اليهود الذين هاجروا من إسبانيا عام 1492-1491 الحصول على الجنسية الإسبانية، لا بد لنا أن نتذكر بالمقابل موقف حكومات اليسار، ومنها الحكومة الحالية برئاسة سانشيز التي وقفت وتقف إلى جانب قضايا الحق في فلسطين ولبنان وإيران  وقبلها سوريا أيضاً، كما تصدّت وما زالت لسياسات العدوان الصهيوني -الأميركي في المنطقة.

وأزعج ذلك واشنطن و "تل أبيب" وبالطبع حليفاتها، ومنها الرباط، التي كانت وما زالت في خندق التواطؤ والتآمر السري منه والعلني مع الكيان العبري. ويفسّر ذلك عدم دعوة الملك محمد السادس لجنة القدس التابعة لمجلس التعاون الإسلامي التي يترأسها  إلى أي أجتماع طارئ لمناقشة الاستفزازات والاعتداءات الصهيونية في القدس والمسجد الأقصى مباشرة.

فعلى الرغم من تشكيل هذه اللجنة قبل 51 عاماً، فلم تجتمع إلا مرتين، لا فقط بسبب الخلافات بين الدول الأعضاء، بل أيضاً بسبب موقف العاهل المغربي الذي لا يتصرف إلا بإذن من مستشاره الأول أزولاي، الذي لا يتحكم في أمور العلاقة مع الكيان العبري، بل في كل الأمور الداخلية والخارجية، بما فيها الخصخصة وتمليك مؤسسات القطاع العام المغربي للمقربين منه، وبالتالي من أصدقائه في "تل أبيب" وباريس.

ويبقى التنسيق والتعاون في المجال العسكري والاستخباري هو الأهم والأخطر في التحالف المغربي-الإسرائيلي، لأنه يساعد الكيان العبري في تحقيق المزيد من التفوق على أعدائه إقليمياً ودولياً، لما للمغرب من مكانة استراتيجية، خاصةً بعد اعتراف واشنطن بتبعية الصحراء الغربية للمغرب.

وتتناقض حسابات حكامه مع مشاعر وعواطف بل وطموحات الشعب المغربي المؤيّد بأغلبيته الساحقة لقضايا الأمة،  وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي ضحّى من أجلها شرفاء الأمة في لبنان وسوريا واليمن وإيران وباقي الدول العربية والإسلامية.

في الوقت الذي كان فيه حكّام هذه الدول يتآمرون فيه، ليس فقط ضد هذه القضايا، بل وحتى قضايا شعوبهم، وكما هي الحال في المغرب، الذي لولا الدعم الصهيو -أميركي لكان شبابه الذي عُرف باسم 'جيل زد 212'  قد أطاح في ثورته نهاية سبتمبر/أيلول العام الماضي بهؤلاء الحكام، ومهما طال استبدادهم الذي لم ولا يرحم أحداً سوى اليهود من عشاق الصهيونية ومن هم في فلكها.