المشهد الليبي وتدوير النفوذ ما بعد إزاحة عقيلة صالح
غادر الرجل الذي أدار اللعبة السياسية لأكثر من عقد من الزمن، لتستقر القوة الفعلية والقرار السياسي والعسكري في الشرق الليبي بشكل مطلق في يد عائلة حفتر.
-
الإطاحة بعقيلة صالح تضع المشهد الليبي أمام معادلة سياسية جديدة.
ضرب زلزال برلماني المشهد الليبي في 6 تشرين الأول/ اكتوبر 2026، وترك الباب مفتوحاً أمام تحولاً دراماتيكياً أعادت صياغة موازين القوى في معسكر الشرق وعموم المشهد الليبي، فبعد 12 عاماً من الجلوس على سدّة رئاسة مجلس النواب، طُويت صفحة المستشار عقيلة صالح عقب حراك برلماني خاطف وتعديلات لائحية حاسمة أفضت إلى انتخاب النائب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيساً جديداً للمؤسسة التشريعية. والسؤال لماذا تمت الإطاحة بعقيلة صالح؟، وما سبب تغير العلاقة بين الساسة والعسكر في الشرق الليبي؟ وما تأثير ذلك على مكونات المشهد الليبي وتحالفاته؟
إزاحة عقيلة صالح والإطاحة بأحد أبرز اللاعبين السياسيين في المشهد الليبي لم يكن مجرد إجراء روتيني في رئاسة البرلمان، لكنه زلزال سياسي أفضى لتصدع مُعلن في تحالف تقليدي وتاريخي قام لسنوات بين سلطة مدنية يمثلها عقيلة وقوة عسكرية يمثلها المشير خليفة حفتر، وبالتالي فإن إزاحة عقلية صالح في هذه المرحلة وبهذه الطريقة يعني أن المشهد الليبي مُقبل على عملية إعادة هندسة وتوزيع القوى والأدوار ما بين السياسي والعسكري، وأن اسدال الستار عن مرحلة عقيلة صالح يعني تهيئة المسرح لصعود لاعب جديد هو صدام حفتر.
حُسمت المعادلة السياسية في شرق ليبيا منذ آب/ اغسطس 2014 وفق تحالف الضرورة وثنائية رضائية بأن يُمسك خليفة حفتر بمكونات القوة العسكرية، ويرأس عقيلة صالح مجلس النواب، وبينما يوفر حفتر الدعم العسكري واللوجستي اللازم يوفر عقيلة الغطاء القانوني والشرعي محلياً ودولياً لتلك القوة العسكرية، استمرت هذه المعادلة على مدار نحو 10 سنوات ومرّت بمحطات مفصلية عززت موقع كلا الطرفين الحليفين حفتر وعقيلة.
تزاحم المصالح وصراع النفوذ وتداخل صناع القرار وصعود ابناء حفتر ودخولهم لعمق المشهد في معسكر الشرق أحدث تصدع ملحوظ في الفترة الأخيرة ظهر ذلك في محاولات عقيلة صالح وتحركاته نحو تحييد وتحجيم تدخل صدام حفتر في قرارات مجلس النواب؛ وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما حاول عقيلة صالح المماطلة في دسترة اتفاق لجنة الحوار المصغر "4+4" الذي تم توقيعه برعاية أممية في آب/ أغسطس 2026، وهو الاتفاق الذي يرى فيه صدام حفتر بوابته نحو موقع متقدم في السلطة التنفيذية المقبلة وتثبيت نفسه وريثاً سياسياً لوالده.
وعندما عطل عقيلة صالح محاولات النواب المعارضين له لعقد جلسات لتعديل اللائحة الداخلية، تحركت الكتلة البرلمانية باتجاه القيادة العامة وعندها وجد خليفة حفتر في هذا التململ النيابي فرصة سانحة للتخلص من آخر مركز قوة سياسية في الشرق واسدال الستار عن مرحلة عقيلة صالح. وفي 1 تشرين الأول/ اكتوبر 2026 اجتمع خليفة حفتر بعشرات النواب المعارضين لعقيلة صالح في بنغازي، مانحاً إياهم الضوء الأخضر والغطاء الأمني للتحرك.
وذلك أنه لم تمض سوى أيام قليلة، حتى أعلن النائب الثاني مصباح دومة تجميد عمل هيئة الرئاسة القديمة بعد تصويت 98 نائباً على اعتماد دورة برلمانية مدتها 12 شهراً فقط، الأمر الذي أفضى لإنهاء مرحلة عقيلة صالح؛ وعلى الرغم من إصدار عقيلة صالح بيانات ترفض الإجراءات وتصفها بغير القانونية، إلا أن سلطة الأمر الواقع العسكرية حسمت المشهد، ورحب خليفة حفتر بالرئاسة الجديدة معتبراً إياها خطوة نحو الاستقرار.
الاطاحة بعقيلة صالح وازاحته من المشهد وان بدت كإعلان عن انتهاء تحالفات قديمة إلا أنه لا يمكن عزل ما يحدث في المشهد الليبي عن التحركات الاقليمية والدولية التي تهدف لإعادة هندسة المشهد الليبي وقواه ومكوناته وتحالفاته. وفي جزئية الاطاحة بعقيلة صالح تبرز الإمارات كلاعب مركزي، إذ سبقت الإطاحة بصالح بأيام قليلة زيارة رسمية بارزة لصدام حفتر إلى أبوظبي في 25 أيلول/ سبتمبر 2026، واستقبله نائب رئيس الدولة منصور بن زايد آل نهيان، وعقدت لقاءات رفيعة المستوى شملت ملفات دفاعية وعسكرية وسياسية. وقد عززت هذه الزيارة التحليلات التي ترى أن أبوظبي قررت نقل ثقل دعمها التاريخي من الأب خليفة حفتر بمشروعه العسكري، إلى هندسة مرحلة انتقالية جديدة يكون فيها النجل صدام حفتر اللاعب الأبرز في المشهد.
الشاهد أن هذا الحراك الحاصل في المشهد الليبي ترتيب تحالفاته الداخلية وتموضع علاقاته العربية، يتناغم مع تحركات عراب الدبلوماسية الأمريكية مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية. وتشير المعطيات إلى وجود اتصالات أمريكية مكثفة وموازية للمسار الأممي تشمل صدام حفتر وشخصيات من دائرة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، بغية التوصل إلى صفقة كبرى لتقاسم السلطة وتشكيل حكومة موحدة. لذلك كان لا بد من الإطاحة بعقيلة صالح واستبداله برئاسة برلمانية أكثر مرونة وتماهياً مع توجهات عائلة حفتر.
نجاح كتلة بنغازي المدعومة من حفتر في تنصيب الصالحين عبد النبي رئيساً، لا تعني أن هذه الخطوة لم تمر دون إثارة انقسامات داخل المؤسسة التشريعية ذاتها. فقد سارع فريق من النواب الموالين لعقيلة صالح، يتقدمهم النائب الأول السابق فوزي النويري، إلى رفض نتائج جلسة بنغازي ووصفها بغير الشرعية والمفروضة بقوة الأمر الواقع العسكري. وذهب هؤلاء النواب إلى التنسيق مع ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس لعقد جلسة برلمانية موازية في العاصمة لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، وهو ما قد يعيد المشهد الليبي إلى مربع الانقسام والمؤسسات الموازية.
في جدلية خروج عقيلة صالح من المشهد تكونت رؤيتين الأولى "متفائلة" ترى في الأمر أنه محطة حاسمة ستقرر اتجاه البوصلة الليبية فيما يتعلق بالانتخابات وتوحيد السلطة. وأن إزاحة صالح تذلل عقبة رئيسية لطالما اتُّهمت باحتكار القرار، وتعطيل القوانين الانتخابية، والنزاع المستمر حول إدارة الميزانية والبنك المركزي. وأن الرئاسة الجديدة بقيادة الصالحين عبد النبي ستكون أكثر طواعية وسرعة في دسترة وتمرير مخرجات اتفاق "4+4"، مما يمهد الطريق قانونياً للمضي قدماً نحو الترتيبات الانتخابية خلال عامين.
أما الرؤية الثانية "متشائمة" ترى في أن الإطاحة بعقيلة صالح تفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة بشأن جوهر الصراع. وأن الإطاحة برئيس البرلمان المدني لصالح الهيمنة العسكرية المباشرة لعائلة حفتر يُنهي أي هامش للحركة السياسية المستقلة في الشرق الليبي، ويحول البرلمان إلى أداة طيعة بيد القيادة العامة في أي مفاوضات قادمة. وبالتالي ينتقل الصراع من صراع بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى مواجهة وصراع بين مراكز القوة العسكرية والأمنية الفعلية على الأرض في الشرق والغرب.
وفي التداعيات الإقليمية فإن خروج عقيلة صالح يمثل تراجعاً نسبياً لنفوذ القاهرة في شرق ليبيا. ذلك أن عقيلة صالح قد راكم على مدى عقد شبكة علاقات متينة ومستقلة مع مؤسسات الدولة في القاهرة، مما منحه ثقلاً سياسياً خاصاً يجعله غير خاضع بالكلية لقرارات العسكر. في المقابل، تشهد المنطقة تسارعاً كبيراً في وتيرة التقارب بين معسكر حفتر وأنقرة، وبات صدام حفتر هو القناة المباشرة للمفاوضات مع الأتراك. وهنا تكمن دلالة اختيار الصالحين عبد النبي العبيدي رئيساً جديداً للبرلمان؛ فالرجل يمتلك خلفية سياسية كرئيس للجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، وكان خلف المصادقة على مذكرات التفاهم البحرية مع تركيا التي كان عقيلة يماطل فيها. وبالتالي هذا الاختيار يُسهل عملية إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية ويوائم التوجه البراغماتي الجديد لعائلة حفتر في الانفتاح على أنقرة دون الاصطدام بالقاهرة. لكنه يتجاهل التحالفات الداخلية التي قد تتشكل.
ختاماً إن الإطاحة بعقيلة صالح تضع المشهد الليبي أمام معادلة سياسية جديدة شديدة التعقيد والحساسية. وقد غادر الرجل الذي أدار اللعبة السياسية لأكثر من عقد من الزمن، لتستقر القوة الفعلية والقرار السياسي والعسكري في الشرق الليبي بشكل مطلق في يد عائلة حفتر. صحيح أن انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب قد يسرّع من وتيرة دسترة الاتفاقيات السياسية ويوائم الانفتاح الجديد نحو القوى الإقليمية كتركيا، ولكنه في الوقت نفسه يُعمق التململ والخلافات البرلمانية ويسلب المؤسسة التشريعية ما تبقى لها من استقلالية مدنية.