الكلفة والخسائر.. لماذا تقبل الولايات المتحدة و"إسرائيل" هذا الثمن ضد إيران؟

في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر داخل بعض الدوائر الاستراتيجية في واشنطن قناعة متزايدة بأنّ سياسة احتواء إيران وصلت إلى حدودها القصوى.. فما الذي تسعى إليه واشنطن؟

  • الكلفة والخسائر.. لماذا تقبل الولايات المتحدة و
    الكلفة والخسائر.. لماذا تقبل الولايات المتحدة و"إسرائيل" هذا الثمن ضد إيران؟

منذ اللحظة الأولى لانطلاق العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، ركّزت معظم التحليلات على سؤال واحد، هل تستحقّ هذه الحرب كلفتها؟

لكنّ هذا السؤال، رغم أهميته الظاهرية، قد يكون في الحقيقة مضللاً. فالنقاش حول الكلفة يوحي وكأنّ صنّاع القرار في الولايات المتحدة و"إسرائيل" فوجئوا بحجم المواجهة أو دخلوا الحرب من دون حسابات دقيقة. بينما تشير القراءة الجيوسياسية الأعمق إلى عكس ذلك تماماً، بأنّ الكلفة المرتفعة للحرب ليست مفاجئة بالنسبة لواشنطن وكيان الاحتلال، بل هي جزء من حساباتهما منذ البداية. ذلك لأنّ الهدف الذي تقاتلان من أجله ليس محدوداً أو تكتيكياً، بل يرتبط بمحاولة إعادة تشكيل ميزان القوى في غرب آسيا بصورة جذرية. وفي الحروب الكبرى التي تهدف إلى تغيير النظام الإقليمي، تصبح الكلفة العالية جزءاً لا مفرّ منه من المعادلة.

من احتواء إيران إلى محاولة كسرها

على مدى أكثر من عقدين، شكّلت إيران التحدّي الجيوسياسي الأكثر تعقيداً للنفوذ الأميركي في غرب آسيا. بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، وجدت واشنطن نفسها أمام مفارقة استراتيجية، بأنّ الحرب التي كان يفترض أن تعزّز الهيمنة الأميركية في المنطقة أسهمت في الوقت نفسه في توسيع الحضور الإيراني.

ومع انهيار النظام العراقي السابق، برزت قوى سياسية وعسكرية قريبة من طهران داخل العراق. وفي السنوات اللاحقة، عزّزت إيران حضورها في عدة ساحات إقليمية، من سوريا إلى لبنان وصولاً إلى اليمن. هذه الشبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة تحوّلت تدريجياً مع الوقت إلى محور إقليمي قادر على فرض توازن ردع متعدّد الجبهات.

بالنسبة لواشنطن، كان هذا التطوّر يعني أنّ النظام الإقليمي الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة بدأ يتآكل. أما بالنسبة لـ "إسرائيل"، فقد تحوّل الأمر إلى تهديد استراتيجي مباشر يتمثّل في إمكانية مواجهة خصم يمتلك قدرات صاروخية وشبكات تحالفات قادر من خلالها على فرض تهديدات وجودية تتعلّق بمستقبلها في المنطقة..

لهذا السبب اعتمدت الولايات المتحدة لسنوات طويلة سياسة مزدوجة تجاه إيران، من خلال الاحتواء الاقتصادي والعسكري من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وتمثّلت هذه السياسة في العقوبات الاقتصادية، والعمليات الأمنية السرية، والضربات المحدودة، إضافة إلى محاولات التفاوض بشأن البرنامج النووي والقدرات الصاروخية. غير أنّ هذه المقاربة لم تنجح في تحقيق الهدف الأساسي، وهو تقليص الدور الإقليمي الإيراني بشكل حاسم.

والسبب لا يعود إلى ضعف الإمكانات الأميركية في هذه المجالات، التي نجحت في مواقع أخرى، بل بسبب الصلابة الإيرانية في مواجهة مثل تلك التحديات وهو ما أثبتته السنوات السابقة ولا سيما في الفترة التي تلت توقيع الاتفاق النووي عام 2015، والفترة التي تلت الانسحاب الأميركي الأحادي منه.

التحوّل نحو خيار الحسم

في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر داخل بعض الدوائر الاستراتيجية في واشنطن قناعة متزايدة بأنّ سياسة الاحتواء وصلت إلى حدودها القصوى. فإيران لم تنهر تحت ضغط العقوبات، ولم تتراجع عن تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية، بل استطاعت في كثير من الحالات التكيّف مع الضغوط وتعزيز حضورها الإقليمي.

في الوقت نفسه، كانت "إسرائيل" تدفع في اتجاه موقف أكثر صرامة. فمن منظورها الأمني، يمثّل استمرار صعود إيران احتمال نشوء توازن ردع إقليمي طويل الأمد، وهو سيناريو تعتبره تهديداً مباشراً لتفوّقها العسكري، لأنّ هذا الردع من الممكن أن يتجاوز نقاطاً محددة تصبح فيها طهران قادرة على التحكّم بمجريات الأمور في الإقليم وفق تصوّراتها السياسية والأمنية.

ضمن هذا السياق، بدأت فكرة المواجهة الحاسمة تكتسب زخماً في التفكير الاستراتيجي لدى الطرفين. لم يعد الهدف مجرّد إبطاء البرنامج النووي الإيراني أو تقليص الحضور الإيراني في بعض الساحات، أو حتى وضع قيودٍ على البرنامج الصاروخي والتسليحي بشكل عامّ، بل إحداث تغيير جذري في موقع إيران داخل النظام الإقليمي.

حرب لتغيير النظام الإقليمي

عندما ننظر إلى طبيعة العمليات العسكرية الجارية، يتضح أن نطاقها يتجاوز بكثير مفهوم "الضربات الوقائية" المحدودة. فالهجمات التي تستهدف البنية العسكرية والأمنية الإيرانية، والبنى التحتية المرتبطة بالنفط والغاز، وصولاً إلى استهداف مركّز للنظام الحاكم على صعيد الأشخاص والمؤسسات، والضغوط السياسية والاقتصادية المتزامنة، هذا يشير في الحدّ الأدنى إلى محاولة إضعاف إيران على نحو استراتيجي طويل الأمد، وفي الحدّ الأقصى إلى إيصال النظام إلى مرحلة الانهيار الشامل والتامّ. حيث قد يصل هذا المسار وفق التصوّر الأميركي، إلى حدّ إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى تحوّل جذري في سياساته الإقليمية.

إذا تحقّق مثل هذا السيناريو، فإنّ النتائج ستكون هائلة على مستوى النظام الإقليمي. فإيران ليست مجرّد دولة في غرب آسيا، بل هي محور شبكة واسعة من التحالفات والقوى المسلحة والسياسية الممتدة عبر عدة دول. بتأثير عالي المستوى على هيكلية النظام الدولي. لذلك، إضعاف هذا المحور أو تفكيكه انطلاقاً من إيران، سيؤدّي عملياً إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، ويفتح الباب أمام نظام إقليمي جديد تكون فيه الولايات المتحدة و"إسرائيل" في موقع الهيمنة شبه المطلقة، مع تردّدات دولية تطال موازين القوى بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة من جهةٍ أخرى.

الحسابات الأميركية

من منظور استراتيجي بحتّ، تدرك واشنطن أنّ أيّ حرب واسعة مع إيران ستكون مكلفة على عدة مستويات: عسكرياً، اقتصادياً، وسياسياً. فإيران تمتلك قدرات عسكرية كبيرة ومؤثّرة بشكل فعّال جداً ومثبت من الصواريخ إلى المسيّرات، وشبكات حلفاء في عدة دول، إضافة إلى موقع جغرافي يمنحها قدرة على التأثير في أحد أهمّ الممرات النفطية في العالم.

لكنّ الحسابات الأميركية لا تنطلق فقط من الكلفة المباشرة للحرب، بل من الكلفة الاستراتيجية لعدم خوضها. فإذا استمرت إيران في تعزيز حضورها الإقليمي وتطوير قدراتها العسكرية، فقد تصل المنطقة خلال السنوات المقبلة إلى مرحلة يصبح فيها احتواء طهران أكثر صعوبة بكثير.

كما أنّ الولايات المتحدة تنظر إلى نفوذها في غرب آسيا كجزء من منظومة نفوذ عالمي أوسع. فالوجود الأميركي في هذه المنطقة لم يكن فقط لأسباب محلية أو إقليمية، بل لأنه يرتبط بعناصر أساسية في النظام الدولي مثل أمن الطاقة، والتحكّم في خطوط التجارة، والقدرة على التأثير في موازين القوى العالمية. لذلك فإنّ صعود قوة إقليمية قادرة على تحدّي هذا النفوذ قد ينعكس مباشرة على مكانة واشنطن في النظام الدولي ككلّ.

في هذا السياق، قد ترى الولايات المتحدة أنّ السماح بتعاظم القوة الإيرانية من دون مواجهة حاسمة قد يؤدّي تدريجياً إلى تقليص قدرتها على إدارة التوازنات في المنطقة. ومع مرور الوقت، قد يفتح ذلك المجال أمام قوى أخرى دولية وإقليمية لتعزيز حضورها، ما يعني أنّ النفوذ الأميركي سيتحوّل من موقع الهيمنة إلى طرف ضمن توازنات أكثر تعقيداً.

بناءً على هذه الحسابات، يمكن فهم أيّ تصعيد عسكري ليس فقط كصراع مع دولة بعينها، بل كجزء من محاولة الحفاظ على موقع الولايات المتحدة في قمة النظام الدولي ومنع ظهور توازنات إقليمية قد تحدّ من قدرتها على التأثير. لذلك فإنّ القرار بالمواجهة، في بعض الرؤى الاستراتيجية الأميركية، لا يرتبط فقط بقدرات إيران الحالية، بل بالمسار الذي قد تصل إليه هذه القدرات إذا تُركت لتتطوّر من دون عوائق خلال السنوات المقبلة.

في تلك الحالة، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام نظام إقليمي على أقل تقدير متعدّد الأقطاب في غرب آسيا، وهو ما يتعارض مع هدفها التقليدي المتمثّل في الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي من خلال نفوذها في تلك المنطقة. من هنا يمكن فهم الحرب الحالية كجزء من محاولة استباقية للحفاظ على الهيمنة الأميركية قبل أن يصبح ميزان القوى أكثر تعقيداً.

الحسابات الإسرائيلية

بالنسبة لـ "إسرائيل"، تبدو المعادلة أكثر وضوحاً وربما أكثر إلحاحاً. فهي تنظر إلى إيران باعتبارها الخصم الاستراتيجي الوحيد في المنطقة القادر على تحدّي تفوّقها العسكري على المدى الطويل. ليس ذلك فقط، أيضاً التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي ينطلق من فكرة أنّ "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، صحيح أنّ طهران ربما لم تكن على علمٍ به، لكن وفق النتائج الإسرائيلية فإنّ إتمامه بهذا الشكل هو نتيجة لمسار من الدعم الذي قدّمته طهران للمقاومة الفلسطينية، ومن الغطاء الاستراتيجي على مدى سنوات،ما مكّن حماس في مكانٍ ما من تنفيذ هذه العملية.

وعلى عكس دول عربية وقّعت اتفاقيات تطبيع أو شجّعت عليها مع "إسرائيل"، تواصل إيران دعم قوى مسلحة معادية لـ "إسرائيل" في عدة جبهات. كما أنّ برنامجها الصاروخي وتقدّمها في المجالات التكنولوجية والعسكرية يمنحانها القدرة على تهديد العمق الإسرائيلي بشكل متزايد، إضافة إلى قدرتها على توريد هذا التقدّم إلى حلفائها. من هذا المنظور، ترى "إسرائيل" أنّ الحرب الحالية قد تكون الفرصة التاريخية الأخيرة بالنسبة لها لمنع تحوّل إيران إلى قوة ردع إقليمية كاملة تهدّد وجودها.

هذه الفرصة تربطها "إسرائيل" بما تقول إنه "إنجازات" حقّقتها في السنتين الماضيتين على أكثر من ساحة. لكن ما يخاله الإسرائيليون فرصة يمكن أن يصبح على أرض الواقع خسائر متراكمة تبدّد جميع تلك "الإنجازات"، لأنّ المنطق الأمني والعسكري في حساب القوّة وتأثيرها، عبر التاريخ، يتمسّك بمفهوم جيوسياسي واضح، بأنّ "الدول" أو الكيانات أو الجماعات، التي تحقّق أهدافها في لحظات معيّنة، أو تسجّل انتصاراً في معركة، ستتحوّل هي إلى هدفٍ محقّق لخصمها إذا ما تجاوزت حدود قوتها، في مواجهة تخالها سهلة، أو لديها قدرة على حسمها سريعاً استناداً إلى تجارب سابقة. ولا سيما أنّ "إسرائيل" تنطلق من سياسة استراتيجية لا تبدو واقعية، هي أنّ إيران تحتاج إلى حلفائها لحمايتها، في حين أنّ الواقع يثبت توجّهاً مختلفاً، بأنّ حلفاء إيران هم من يستمدّون القوّة منها ومن حضورها.

لذلك بمواجهة إيران وبما تملكه الأخيرة من قدرات، يبدو أنّ "إسرائيل" بدأت بتجاوز حدود قوتها فعلاً، لأنّ إيران هي في الأساس جغرافيا، وموقع استراتيجي، وحالة ديموغرافية وبشرية، تنتج قدرات عسكرية وأمنية، ونظاماً سياسياً، يعني أنها دولة حقيقية مكتملة الأركان، بينما "إسرائيل" على عكس ذلك تماماً، هي قدرات أمنية وعسكرية تنتج نظاماً حاكماً. وهنا، فإنّ الواقع الجيوسياسي يميل بدرجة كبيرة لصالح إيران. لكن ما يجب الالتفات إليه، أنّ صنّاع القرار في "إسرائيل" يدركون هذا الأمر، وهم يقدمون على مخاطرة كبيرة، لدفع خطرٍ يرونه أكبر.

كلفة الحرب وثمن الهيمنة

الحروب التي تهدف إلى تغيير الأنظمة الإقليمية لم تكن في أيّ وقت من التاريخ منخفضة الكلفة. من حرب الخليج الأولى إلى غزو العراق، ومن الحرب الباردة إلى الصراعات الكبرى في القرن العشرين، كان الثمن دائماً مرتفعاً.

لكنّ القوى مثل الولايات المتحدة غالباً ما تقبل بهذه الكلفة عندما تعتقد أنّ النتيجة ستكون تحوّلاً استراتيجياً طويل الأمد في ميزان القوى. فملايين القتلى في الحرب العالمية الثانية كانوا جزءاً من هذا التصوّر، أيضاً حرب فيتنام، وحتى التهديدات النووية المتبادلة مع الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة. وهناك مثال قوي جداً في هذا السياق هو الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، حيث وضعت واشنطن ثقلها الدولي والاستراتيجي العسكري والأمني متحمّلة تكلفة باهظة على صعيد عشرات آلاف القتلى والخسائر، لمنع الشيوعيين من السيطرة على كامل كوريا.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم الحرب الحالية فقط من خلال حسابات الخسائر اليومية أو التكاليف الاقتصادية المباشرة. بل يجب النظر إليها ضمن إطار أوسع يتعلّق بالصراع على من سيحدّد شكل النظام الإقليمي في غرب آسيا خلال العقود المقبلة. فالولايات المتحدة لا تحارب فقط بجنودها وحاملات طائراتها وقواعدها، بل هي تقدّم أيضاً حلفاءها الأساسيين في المنطقة، كأدوات في المواجهة، وتضعهم أمام النار مباشرة. وفي جزء أساسي من هذا الأمر، تتكشّف حقيقة المخاطر التي تشعر بها واشنطن على صعيد هيمنتها في المنطقة، باعتبار أنها تقامر حتى بحلفائها ومصالحهم ومكامن قوتهم.

من هذا المنطلق، يمكن فهم السياسة الأميركية بما يخصّ التطورات في مضيق هرمز وتأثيره على الاقتصاد العالمي. والسؤال المطروح هنا، هل فعلاً التداعيات المرتبطة بقدرة إيران على التحكّم بالمضيق لم تكن متوقّعة أميركياً؟ وهل فعلاً واشنطن متفاجئة أو غير مستعدّة أو لم يكن في حسبانها أنّ حربها على إيران سيكون له تأثير مماثل بما يخص مضيق هرمز وسلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة؟

لا يمكن الجزم، لكن يمكن الاستناد إلى معطيات عديدة تشي بأننا أمام قوّة دولية، تدرك جيداً حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرّض إليها في أيّ حربٍ تخوضها، وهذا الأمر ببساطة (المتعلق بالتداعيات على مضيق هرمز) يمكن معرفته من خلال أبحاث أو تقديرات مواقف بسيطة قبيل الحرب، تعطي نتيجة أو احتمالاً من ضمن احتمالات، بأنّ أيّ حرب أو مناوشة عسكرية في القرب من مضيق هرمز، يعني توقّف الإمدادت عبره. بناءً عليه، فإنّ ما تتحدّث عنه بعض التحليلات، بأنّ الرئيس الأميركي اصطدم بواقع لم يكن يتوقّعه لا تبدو منطقية، خاصة إذا ما ربطناها بتصريحاته المتكررة عن رغبة بالسيطرة على المضيق تحت ذريعة "حماية شركات الشحن وناقلات النفط".

لذلك، فإنّ تلك المخاطر العالية مع كلفتها الضخمة، من الممكن أن تكون من ضمن التوقّعات الأميركية، ويمكن أن يكون لها سياق ومسار عسكري وأمني، من ضمن الخطة الموضوعة أيضاً، وهو ما يجب وضعه في الحسبان دائماً. وهذا لا يعني بالضرورة نجاح الخطط الأميركية في تجاوز عواقب التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية المرتبطة بمضيق هرمز. الأمر يشبه إلى حدّ ما، معرفة واشنطن المسبقة، بأنّ طهران ستضرب جميع القواعد الأميركية في المنطقة، لكنّ خسارتها الرهان بأنّ خططها "الدفاعية" ستتمكّن من إبطال مفاعيل هذه الضربات، كما يحصل فعلياً الآن.

الرهان الأكبر

تواجه إيران حالياً إحدى أكبر القوى تطوّراً من حيث القدرات العسكرية والأمنية عبر التاريخ بجميع فتراته. هذا الأمر شديد الأهمية في تبيان الكلفة الضخمة التي تدفعها طهران للحفاظ على استقلالية قرارها، وضمان مقدّراتها وثرواتها، وسيكون معياراً شديد التأثير في تحديد المنتصر في المعركة على صعيد تحديد أهداف كلّ طرف مشارك فيها. إضافة إلى كونه شاهداً على حجم التأثير الإيراني في منطقة غرب آسيا، والتهديد الذي تشكّله لقوى تحاول الهيمنة بشكل تامّ على هذه المنطقة مثل الولايات المتحدة.

والأمر يتجاوز هذا كلّه، إلى كونه معياراً في فهم أسباب هذه الحرب. فالقوة التي تواجه بها الولايات المتحدة إيران، والتي لم تستطع حتى الآن على الرغم منها إخضاعها، تثبت بشكل مباشر القوة الإيرانية، وتعطي مثالاً عن طبيعة الحروب الحالية من جهة، وعن طبيعة المشاركين فيها، باعتبار أنّ إيران جزء أصيل من المنطقة وتاريخها بنظامها وشعبها وحلفائها.

على صعيدٍ آخر، تخوض الولايات المتحدة و"إسرائيل" ما يمكن وصفه بأنه أكبر رهان جيوسياسي في المنطقة منذ عقود. الرهان يقوم على فكرة محفوفة بالمخاطر، أنّ الكلفة العالية للحرب اليوم قد تؤدي إلى نظام إقليمي أكثر خضوعاً للنفوذ الأميركي-الإسرائيلي في المستقبل. بمعنى أدقّ، أنّ الكلفة لا تقيسها الولايات المتحدة و"إسرائيل" بالأرقام، بل بما تريده من نتائج، لذلك يجب توقّع أن تصل واشنطن إلى كلفة عالية جداً وخسائر أعلى وأن تستمر في الحرب، لطبيعة الهدف الذي تريده، والعدو الذي تواجهه، وفي هذه الحالة تصبح الأرقام معياراً كنتيجة لعدم تحقيق الأهداف وليست نتيجة بحدّ ذاتها.

 هذا الأمر بات أيضاً جزءاً من العقلية الإسرائيلية بعد عام 2023، على صعيد خوض حروب طويلة، حتى لو كانت طبيعتها استنزافية وتحمل خسائر أعلى، لأنّ الأمر بات يتعلّق بمستقبل "إسرائيل" ككلّ في المنطقة، في مواجهة أعداء يراكمون قوتهم استناداً إلى عقيدة قائمة على تحرير كامل التراب الفلسطيني. لكنّ التاريخ يقدّم دروساً كثيرة حول مخاطر مثل هذه الحسابات. فالحروب التي تبدأ بهدف إعادة تشكيل الأنظمة الإقليمية غالباً ما تنتج نتائج غير متوقّعة، وقد تفتح أبواباً لصراعات أطول وأكثر تعقيداً. وحتى نتائج مختلفة تماماً.

لهذا السبب، فإنّ السؤال الحقيقي الذي سيحدّد مصير هذه الحرب لا يتعلّق فقط بقدرة واشنطن و"إسرائيل"، على تحمّل الكلفة، بل بمدى قدرتهما على تحقيق الهدف الاستراتيجي الهائل الذي دفعهما إلى خوضها أساساً على الرغم من تلك الكلفة، والمتمثّل بكسر القوة الإيرانية، وتطويع النظام الحاكم، وإعادة تشكيل ميزان القوى في غرب آسيا لصالح نظام إقليمي جديد تقوده "إسرائيل"، كممثّل للمصالح الأميركية في المنطقة. وبالنسبة لإيران، فإنّ الكلفة ترتبط بالبقاء والاستمرار، وهذا ما سيدفعها في حال استمرار الحرب إلى خيارات كانت حتى الأمس القريب تحليلات يراها البعض غير قابلة للتنفيذ.

وفي المجمل فإنّ الفريقين؛ الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران وحلفائها من جهة، بدأوا بتجاوز مسألة حساب الكلفة مع استمرار الحرب وتصاعد أدواتها وحدتها، لأنّ الأمر لن يتعلّق بمن سيدفعها، بل بمن سيكون موجوداً أصلاً على الخريطة السياسية الإقليمية لدفعها؟

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها.