القضية ليست سنة وشيعة.. من قصف "تل أبيب"؟

المعيار الوحيد في تصنيف الدول والأنظمة والحكام  هو مدى تواطئهم  مع الكيان العبري، بل وحتى استسلامهم له ليس فقط سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً بل دينياً أيضاً ومن دون التمييز بين السنة والشيعة.

  • من قصف
    من قصف "تل أبيب"؟

بعيداً من الخلافات الفقهية بين أقطاب المذهبين الشيعي والسني بمختلف طرائقهما  والتي استغلها العدو المشترك دائماً،  يعيش العالمان العربي والإسلامي مرحلة جديدة  في هذا الخلاف بعدالعدوان الصهيو- أميركي على إيران ولبنان، وبعد أن نسي أو تناسى الجميع ما قام به الكيان العبري من مجازر وحشية ضد الشعب الفلسطيني "السني" في غزة بل وحتى الضفة الغربية منذ "طوفان الأقصى".

ومع التذكير بمواقف معظم الأنظمة العربية والإسلامية التي تجاهلت هذه المجازر، وانضمت إلى "مجلس السلام" الذي أسّسه  الرئيس ترامب بالتنسيق والتعاون مع  الكيان الإجرامي.

لم تخفِ  هذه الأنظمة فرحتها باحتضان ترامب النظام "السني الجهادي" الجديد في دمشق  والذي أطاح نظام "العلوي" بشار الأسد والمدعوم من حزب الله اللبناني "الشيعي"  وكلاهما مدعومان من إيران "الشيعية".

ومن دون أن يخطر على بال هذه الأنظمة أن الرئيس ترامب قد وضع عام 2017  مكافأة مالية بقيمة عشرة مليون دولار لمن يدلي بأي معلومات عن رأس هذا  النظام  أبو محمد الجولاني  ومعه العشرات من زعماء الفصائل الإرهابية المدعومة من الأنظمة العربية والإسلامية "السنية"، وكان معظمها متواطئاً مع واشنطن وعبرها مع الكيان الصهيوني.

وكان هذا الكيان  قد وقّع عام 1978 في "كامب ديفيد" مع  مصر،  وعام1994 في وادي عربة مع الأردن، وعام 1994 في أوسلو مع ياسر عرفات، وأخيراً عام 2020 في واشنطن مع الإمارات والبحرين والمغرب وبصيغة غير رسمية مع  الحاكم العسكري في السودان على اتفاقيات السلام أي الاستسلام التي كانت تهدف إلى وضع المنطقة برمتها تحت سيطرة التحالف الصهيو - أميركي الذي كاد أن يحقق كل أهدافه لولا إيران وحلفائها.

وأفشلت معاً مخططات ترامب التي كانت تهدف  إلى وضع المنطقة تحت الوصاية اليهودية عبر الاتفاقيات الإبراهيمية، وسبقها اعتراف ترامب في 6ديسمبر/ كانون الأول 2017 بالقدس عاصمة تاريخيّة ودينية للكيان العبري ويهود العالم.

 وأغضب الموقف الإيراني التحالف الصهيو-أميركي  ومن معه من الحكام المسلمين "السنة" الذين قاموا باستعداء شعوبهم ضد إيران ومن معها بحجة أنهم "شيعة وأعداء الإسلام"، ثم استنفروا كل إمكانياتهم لمحاربتها بالوسائل كافة، كما كانت الحال عليه في سنوات ما يسمى بـ"الربيع العربي" الدموي.

وكان الجميع خلال هذه السنوات في خدمة الكيان العبري الذي حقق معظم أهدافه في المنطقة بفضل هذا التواطؤ والخيانة  بمستوياتها السياسية والإعلامية بل حتى الدينية حيث أفتى العشرات وربما المئات من مشايخ "السنة" بضرورة القتال ضد النظام "العلوي" في سوريا وكل من يدعمه من "الشيعة" في إيران ولبنان واليمن والعراق.

ومن دون أن يخطر على بال هؤلاء المشايخ الذين لم يفتوا بأي فتوى للجهاد ضدالكيان العبري، أن إيران وفي عهد الشاه "الشيعي" كانت حليفاً لأسيادهم بل وشريكته في العدوان على اليمن عندما لجأ الملك الإمام البدر إلى السعودية بعد انقلاب عبد الله السلال في سبتمبر/ أيلول 1962.

ومن دون أن يقول أحد آنذاك لحكام السعودية "السنة" إن الإمام البدر الذي احتضنوه ودعموه للقتال ضد مصر العربية "السنية" كان  "زيدياً" وأن الشاه الذي ساعده في هذه الحرب  كان "شيعياً"  و "إسرائيل يهودية صهيونية"  وبريطانيا "مسيحية صليبية".

وكانت تركيا "السنية" ومعها إيران "الشيعية" والعراق "السنية" للفترة 1950-1960شركاء في حلف بغداد وتحت المظلة البريطانية ولاحقاً الأميركية التي لم تهمل حكام إثيوبيا أعداء الإسلام سنة وشيعة،  وكانوا شركاء "تل أبيب" في التآمر على القارة السمراء وما زالوا كذلك.

وجاءت الثورة الإسلامية في إيران في الأول من شباط/ فبراير1979 لتضع التحالف الصهيو - أميركي ومن معه من أنظمة المنطقة "السنية" في وضع جديد دفعهم إلى إعادة النظر في حساباتهم الإقليمية بعد الإطاحة في تموز/ يوليو 1958  بالملك فيصل في العراق وفي  مايو/ أيار 1960برئيس الوزراء التركي عدنان  مندرس الموالي لواشنطن و "تل أبيب" وفي سبتمبر/ أيلول 1974 بالإمبراطور هيلاسلاسي.

ودفع كل ذلك التحالف المذكور إلى ترتيب الانقلاب ضد "الاشتراكي ذو الفقار علي بوتو في باكستان عام 1977وإعدامه عام 1979  وإيصال صدام حسين إلى السلطة في بغداد في تموز/ يوليو 1979 ودعم الفصائل"الجهادية السنية المتطرفة"  في أفغانستان بعد الاحتلال السوفياتي في ديسمبر/ كانون الأول 1979 وأخيراً ترتيب الانقلاب العسكري في تركيا في أيلول/ سبتمبر 1980.

وجاء قرار الإمام  الخميني بإغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران في 14 شباط/ فبراير 1979 أي بعد أسبوعين فقط من انتصار الثورة ورفع العلم الفلسطيني عليها ليحدد مسار المرحلة التالية في مجمل تطورات المنطقة، والتي أثبتت للجميع أن الكيان العبري هو سبب كل المشاكل.

فقد استنفر هذا الكيان ومن منعه في المنطقة كل إمكانياتهم لمعاداة هذه  الثورة  بحجة أنها "ستقوم بتصدير الثورة الشيعية" ولاحقاً "إنها ستصنع القنبلة النووية" ليضيف ترامب إليها "خطر صواريخها الباليستية" و"نظامهاالإسلامي الذي لا يحترم الديمقراطية و حقوق المرأة"، ناسياً أن كل حلفائه في المنطقة هم من ألد أعداء الديمقراطية بمعانيها كافة.

وتعرضت إيران منذ بداية الثورة لكافة أنواع العداء الذي بدأ بالعدوان الصدّامي عليها بتحريض ودعم  أنظمة الخليج "السنية" التي عادت "العلوي" حافظ الأسد لأنه وقف إلى جانب إيران وهو ما فعله "السني" معمر القذافي وتحوّلا معاً إلى الهدف التالي في مخططات ومشاريع التحالف الصهيو-أميركي، خاصة بعد أن استنفرت إيران كل إمكانياتها لدعم كل من تصدى للمشاريع والمخططات الإمبريالية والاستعمارية والصهيونية في المنطقة وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني باعتبار أن قضيته كانت وما زالت سبب كل التطورات التي عاشتها المنطقة منذ مئات إن لم نقل  آلاف السنين وحتى قبل أن يكون فيها سنة وشيعة.

في الوقت الذي يعي فيه  الجميع أن السبب الوحيد لكل ما عانت وتعاني منه إيران هو طردها  السفير الإسرائيلي ودعمها الشعب الفلسطيني "السني" عندما  كان ياسر عرفات "إخوانياً ثم يسارياً" وإلى أن تخلى عن نهجه النضالي الذي تبنته حماس "السنية" التي لولا إيران وسوريا وحزب الله لما  وصلت إلى ما وصلت إليه وباعتراف العديد من قياداتها وفي مقدمتهم الشهيدان إسماعيل هنية ومحمد السنوار .

ومن دون أن يمنع ذلك خالد مشعل من التآمر على  سوريا وحزب الله بطلب من قطر والسعودية وتركيا في بدايات ما يسمى بـ"الربيع العربي" الدموي.

في الوقت الذي لم تحرك فيه هذه الدول وتلك التي كان حكامها "السنة" في الفلك الصهيو-أميركي، ساكناً تجاه ما قام ويقوم به الكيان العبري ضد الشعب الفلسطيني "السني"، كما  لم يحركوا ساكناً ضد الغزو الأميركي لأفغانستان "السنية" عام2001 والعراق "الشيعي-السني" في عام 2003.

وجاء العدوان الصهيو-أميركي على إيران في يونيو/ حزيران الماضي وما سبقه من عدوان صهيوني سافر على غزة وبالتالي لبنان وهو ما زال مستمراً ليثبت للجميع أن المعيار الوحيد في تصنيف الدول والأنظمة والحكام  هو مدى تواطئهم  مع الكيان العبري بل  وحتى استسلامهم له ليس فقط سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً بل دينياً أيضاً ومن دون التمييز بين السنة والشيعة.

في الوقت الذي يتحامل فيه هؤلاء الحكام على إيران "الشيعية" في محاولة  يائسة منهم لإخفاء حقيقة تواطئهم مع العدو الذي لم يجرؤ أحد منهم على مواجهته دفاعاً عن شرف وكرامة دولهم وشعوبهم.

وحان الوقت لهذه الشعوب  أن تطرح  على حكامها العديد من الأسئلة التي ستكشف بأجوبتها الفرق بينهم وبين حكام إيران المؤمنين إيماناً مطلقاً بحقانية قضاياهم الفقهية والسياسية والأخلاقية.

فلو لم تتبنَ إيران "الفارسية" طيلة 47 عاماً القضية الفلسطينية وأقامت علاقات طبيعية مع أميركا والغرب عموماً كانت قد أصبحت  من أهم دول المنطقة وأكثرها تقدماً بفضل ثروتها العظيمة من البترول والغاز  وخسرت منه ما لا يقل عن  عشرة تريليون دولار بسبب الحصار والعقوبات والحرب المفروضة عليها.

وضحّت  إيران في سبيل فلسطين بمرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي ومن قبله وبعده  بعدد  كبير من قياداتها السياسية والعسكرية وفي مقدمتهم الشهيد قاسم سليماني يضاف إليهم عدد كبير من علمائها وخبرائها الذين  نجحوا في تطوير التكنولوجيا العسكرية وهدفها الوحيد هو الكيان العبري وكل من يتحالف معه في المنطقة. 

والسؤال الأهم هنا يا ترى هل ومتى ضحى أي من الحكام العرب والمسلمين "السنة" المعادين لإيران "الشيعية" وحلفائها من  الشيعة في لبنان واليمن  بأنفسهم في سبيل القضية الفلسطينية "السنية"  كما فعل قادة إيران وأنصار الله وحزب الله وفي مقدمتهم سيد الشهداء السيد حسن نصر الله!

ويا ترى، كم من الدولارات خسرها هؤلاء  الحكام خلال معاداتهم لإيران وحلفائها وهو ما يساوي أضعاف وأضعاف ما صرفوه على القضية الفلسطينية بعد أن نهبوا ثروات بلدانهم  إلى أن جاء ترامب لينهب ما تبقى منها في مايو /أيار حيث قال إنه جمع خلال ساعتين  ٥،١ تريليون دولار من حكام السعودية والإمارات وقطر "السنة" وهو ما كان كافياً لتحرير فلسطين برمتها.  

وأخيراً، هل استطاع هؤلاء  ومن قبلهم أو بعدهم من الحكام العرب والمسلمين من "السنة" أو الشاه الشيعي بل وحتى الرئيس الأذربيجاني الشيعي عالييف  في استهداف "تل أبيب" ولو برصاصة واحدة في الوقت الذي استهدفت فيه إيران بمسيراتها الانقضاضية وصواريخها الباليستية كل الأراضي المحتلة،  وعلّمت  يهود الكيان العبري معنى الخوف بعد أن وصلت هذه الصواريخ إلى جوار مفاعلات ديمونا النووية التي لم يتردد "شيعة" إيران في استهدافها، وكما استهدف علي بن أبي طالب حصون خيبر اليهودية فدمرها ورفع عليها راية الفتح التي سلمها له النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن آنذاك سنياً أو شيعياً بل كان  عدواً  ليهود خيبر ومن معهم في مكة أو يثرب وجوارها.

ليكن القرار النهائي لشعوب الدول العربية والإسلامية سنة كانوا أو شيعة، وما عليها بعد الآن إلا أن تكون أكثر حذراً ويقظة في مواجهة العدو المشترك  لها جميعاً وهو  الكيان العبري وحلفاؤه  في الغرب الإمبريالي وكل من يسوّق لمقولاته وأفكاره التي تهدف إلى ااستعداء الدول والشعوب الإسلامية بعضها بعضاً.

وكما هي الحال  الآن حيث حاول ويحاول البعض التشكيك بمصداقية إيران وزرع بذور الفتنة والعداء بين هذه الشعوب في الوقت الذي تصمد فيه إيران المسلمة ومن معها في لبنان واليمن والعراق.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.