الصين وأميركا في سباق الذكاء الاصطناعي: عندما يخشى صانعو المستقبل من مستقبلهم

بين عبارة بوتين القديمة وموقف ترامب الحالي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الإنتاجية أو تطوير التقنيات، بل أصبح جزءاً من معادلة القوة العالمية.

0:00
  •  بيجين، لا تبدو مستعدة لقبول فكرة تجميد أو إبطاء سباق الذكاء الاصطناعي المتقدم.
    بيجين، لا تبدو مستعدة لقبول فكرة تجميد أو إبطاء سباق الذكاء الاصطناعي المتقدم.

حين قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً إن الولايات المتحدة الأميركية تخوض منافسة مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وإن واشنطن لا تريد أن تتنازل عن تفوقها في هذا المجال، لم يكن يتحدث عن سباق تكنولوجي عادي، بل عن واحدة من أكثر ساحات التنافس الاستراتيجي حساسية في القرن الحادي والعشرين.

فترامب، في خضم الجدل المتصاعد حول مخاطر الذكاء الاصطناعي والدعوات إلى الحد من سرعة تطويره، يضع أولوية الحفاظ على الريادة الأميركية، محذراً عملياً من أن أي إبطاء في هذا المجال قد يمنح الصين فرصة لتقليص الفارق، ومشدداً على أن من يكسب سباق الذكاء الاصطناعي يكسب كل شيء.

وقبل تسع سنوات، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد لخّص الأهمية الجيوسياسية لهذه التكنولوجيا بعبارة أصبحت من أكثر العبارات تداولاً في النقاش حول الذكاء الاصطناعي"من يصبح قائداً في مجال الذكاء الاصطناعي سيصبح حاكم العالم".

قال بوتين ذلك عام 2017، في وقت كانت فيه الثورة الحالية للذكاء الاصطناعي لا تزال في بداياتها، لكن عبارته تبدو اليوم أكثر ارتباطاً بالواقع الجيوسياسي، مع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى ميدان تنافس بين الولايات المتحدة والصين على التكنولوجيا والاقتصاد والأمن القومي والتفوق العسكري.

وبين عبارة بوتين القديمة وموقف ترامب الحالي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الإنتاجية أو تطوير التقنيات، بل أصبح جزءاً من معادلة القوة العالمية. فالدولة التي تمتلك القدرة على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً لا تحصل فقط على مكاسب اقتصادية، وإنما قد تمتلك أيضاً قدرة أكبر على التأثير في التكنولوجيا والأمن والاقتصاد العالمي ووضع المعايير التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

لكن المفارقة الأساسية تكمن في أن السباق نحو امتلاك هذه القوة يجري بالتزامن مع تصاعد المخاوف من مخاطرها. ففي الوقت الذي يدعو فيه عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا إلى إبطاء تطوير الأنظمة الأكثر تقدماً أو وضع حواجز أمان أكثر صرامة، يرفض ترامب فكرة إبطاء السباق، انطلاقاً من أن الولايات المتحدة لا تستطيع المخاطرة بخسارة موقعها أمام الصين.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية: هل يمكن للدولتين أن تبطئا المخاطر من دون أن تبطئا المنافسة؟

بالنسبة إلى واشنطن، لا يتعلق الأمر بمجرد الرغبة في التفوق التكنولوجي، بل بالخوف من أن يؤدي أي تراجع في سرعة التطوير الأميركي إلى منح بيجين فرصة لتجاوز الفارق. ولذلك، فإن الدعوات إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي قد تصطدم بمنطق المنافسة الاستراتيجية؛ فكل طرف يخشى أن تتحوّل القيود التي يفرضها على نفسه إلى ميزة للطرف الآخر.

أما بيجين، فلا تبدو مستعدة لقبول فكرة تجميد أو إبطاء سباق الذكاء الاصطناعي المتقدم، خصوصاً إذا جاء هذا الطرح من الولايات المتحدة. فالصين تنظر إلى الدعوات الأميركية إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي بشك، وترى أن بعضها قد يتحوّل إلى أداة لإبطاء صعودها التكنولوجي والحفاظ على التفوق الأميركي.

وتعدّ بيجين حالياً تطوير الذكاء اصطناعي أولوية وطنية واستراتيجية. فقد شدد الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في خطاباته الأخيرة على ضرورة تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي وتوسيع تطبيقاته، بالتوازي مع زيادة الدعم الحكومي والبنية التحتية الحاسوبية.

وفي هذا السياق، كشفت تقارير عن خطة صينية قيد الإعداد لاستثمار نحو 295 مليار دولار على مدى خمس سنوات لتطوير شبكة وطنية لمراكز البيانات والحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما أكدت الدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، المنعقدة في آذار/مارس الماضي، أهمية تسريع تطوير القطاعات التكنولوجية الناشئة، وانتقال نحو تصنيع أكثر اعتماداً على التقنيات الذكية، في إطار توجه أوسع لتعزيز الابتكار والإنتاجية في اقتصاد الصيني.

لكن رفض الصين إبطاء التطور لا يعني أنها تتجاهل مخاطر الذكاء الاصطناعي. فبيجين تدفع باتجاه تنظيم التكنولوجيا بدلاً من إيقافها، انطلاقاً من إمكانية احتواء مخاطرها من خلال المعايير التقنية واللوائح والرقابة الحكومية. كما طرح الرئيس الصيني منذ فترة فكرة الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، بما يعكس إدراكاً صينياً بأن التكنولوجيا تجاوزت حدود المنافسة بين الشركات والدول وأصبحت قضية ذات تداعيات عالمية.

وهنا تحديداً يتقاطع التنافس الأميركي–الصيني مع الحاجة إلى التعاون. فواشنطن لا تريد أن تتوقف عن تطوير الذكاء الاصطناعي خوفاً من الصين، وبيجين لا تريد أن تتوقف عن تطويره خوفاً من الولايات المتحدة. لكن استمرار هذا المنطق يفتح سؤالاً أكثر خطورة: ماذا يحدث إذا أصبحت الأنظمة الأكثر تقدماً قادرة على تنفيذ عمليات يصعب على البشر السيطرة عليها أو التنبؤ بتداعياتها؟

الخطر، في هذه الحالة، لا يكمن فقط في أن تتفوّق الصين على الولايات المتحدة أو العكس، وإنما في أن يتحوّل السباق نفسه إلى عامل يصعب التحكم في نتائجه. فكلما ازدادت المخاوف من تقدم الطرف الآخر، ازدادت الحوافز لتسريع التطوير، وكلما تسارع التطوير، ازدادت المخاوف من المخاطر المرتبطة بالأنظمة الأكثر تقدماً. وبذلك يمكن أن يجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة الخوف من الآخر يدفعهما إلى تطوير التكنولوجيا التي يخشيان مخاطرها في الوقت نفسه.

ومن هنا تكتسب أي تفاهمات أميركية–صينية حول الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة. فإذا كانت القمة المرتقبة بين الزعيمين الصيني والأميركي ستتناول هذا الملف، فإن النقاش لن يكون بالضرورة حول إنهاء المنافسة التكنولوجية، فهذا أمر يبدو أكثر تعقيداً، وإنما حول كيفية وضع حدود تمنع المنافسة من التحوّل إلى مصدر خطر أمني عالمي.

وهناك بالفعل تحرك صيني–أميركي على مستوى المسؤولين لدراسة مخاطر الذكاء الاصطناعي، ومن الملفات المطروحة مراقبة الهجمات السيبرانية التي يمكن أن تنفذها أنظمة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى فكرة تعاون مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية والصينية في مراقبة المخاطر وتبادل المعلومات.

وقد يكون هذا النوع من التعاون هو المساحة الأكثر واقعية بين واشنطن وبيجين: ليس التعاون لإنهاء السباق، وإنما التعاون لمنع السباق من الخروج عن السيطرة. فالدولتان قد تواصلان التنافس على الرقائق والنماذج والقدرات الحاسوبية والتطبيقات العسكرية والاقتصادية، لكنهما قد تحتاجان في المقابل إلى قنوات اتصال وقواعد مشتركة في المجالات التي يمكن أن يؤدي فيها الخطأ أو سوء التقدير إلى تداعيات تتجاوز حدود البلدين.

لن يقبل ترامب بأن تتفوق بيجين على واشنطن في مجال الذكاء الاصطناعي، فيما لن تقبل الصين بأن تتحوّل المخاوف المتعلقة بمخاطر هذه التكنولوجيا إلى ذريعة لتقييد تطورها أو احتواء صعودها التكنولوجي. وبين إصرار واشنطن على الحفاظ على ريادتها وتمسك بيجين بحقها في مواصلة التقدم، يبرز التحدي الأكبر: كيف يمكن للدولتين إدارة منافسة على تكنولوجيا قد تعيد تشكيل موازين القوة العالمية، من دون أن تتحوّل هذه المنافسة نفسها إلى مصدر لعدم الاستقرار؟

لذلك، قد تجد واشنطن وبيجين نفسيهما أمام ضرورة التوصل إلى تفاهمات تضع حواجز أمام هذا السباق، بما يمنع تحوّله إلى خطر أمني عالمي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وقف التطور أو إبطاء الطموحات التكنولوجية لأي من الطرفين.