الصعود الصيني… كسر الهيمنة وولادة توازن دولي جديد
تسعى الصين إلى تسويق نموذج بديل عن النموذج الغربي، يقوم على مبدأ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية»، ورفض ربط التعاون الاقتصادي بالشروط السياسية.
-
هل تتحوّل القوة الاقتصادية الصينية إلى مشروع سياسي؟
لم تعد التحولات في النظام الدولي مجرّد مؤشرات عابرة، بل باتت تعبيرًا واضحًا عن انتقال تاريخي في موازين القوة العالمية. ففي عام 2025، يتقدّم مشهد دولي جديد تتراجع فيه الأحادية الأميركية التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة، مقابل صعود قوى كبرى في مقدمتها الصين، التي فرضت نفسها لاعبًا مركزيًا في الاقتصاد والسياسة الدوليين.
الصين اليوم ليست ظاهرة اقتصادية طارئة، بل مشروع قوة متكامل. فخلال عقود قليلة، استطاعت بكين أن تتحوّل من دولة نامية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأن تنافس الولايات المتحدة في أكثر القطاعات حيوية، من التجارة العالمية إلى التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من الضغوط الغربية، والحروب التجارية، ومحاولات الاحتواء الاستراتيجي، واصلت الصين حتى عام 2025 تثبيت موقعها كقطب اقتصادي صاعد، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأميركي والغربي عمومًا من أزمات بنيوية متراكمة.
هذا الصعود يطرح سؤالًا يتجاوز الأرقام والمؤشرات:
هل تتحوّل القوة الاقتصادية الصينية إلى مشروع سياسي دولي قادر على كسر قواعد النظام الغربي القائم؟
الاقتصاد كسلاح استراتيجي
ما يميّز التجربة الصينية هو اعتمادها الاقتصاد بوصفه أداة النفوذ الأساسية، في مقابل النموذج الغربي الذي ارتكز تاريخيًا على القوة العسكرية والتدخل المباشر. فبكين لا تتقدّم عبر القواعد العسكرية، بل عبر الموانئ، والطرق، والاستثمارات، والبنى التحتية، وعقود الشراكة طويلة الأمد.
في هذا الإطار، تشكّل مبادرة «الحزام والطريق» التعبير الأوضح عن الرؤية الصينية للعالم. فالمبادرة، التي تمتد عبر آسيا وإفريقيا وأوروبا، لم تعد مجرد مشروع اقتصادي، بل باتت شبكة نفوذ جيوسياسي تعيد رسم خرائط التجارة العالمية، وتكسر احتكار الغرب للممرات الاستراتيجية والأسواق الناشئة.
ومع توسّع هذه المبادرة حتى عام 2025، أصبحت الصين حاضرة في قلب العديد من المناطق الحساسة، من الموانئ الإفريقية إلى الممرات الآسيوية، ما يمنحها أوراق قوة سياسية وأمنية غير مباشرة، من دون الانجرار إلى حروب مفتوحة.
نموذج في مواجهة الغرب
تسعى الصين إلى تسويق نموذج بديل عن النموذج الغربي، يقوم على مبدأ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية»، ورفض ربط التعاون الاقتصادي بالشروط السياسية. وهو طرح يجد صدى واسعًا لدى دول عانت طويلًا من سياسات الإملاء، والعقوبات، و«الديمقراطية المفروضة» التي استخدمها الغرب غطاءً لتكريس الهيمنة ونهب الموارد.
في المقابل، يرى الغرب في هذا النموذج تهديدًا مباشرًا لنفوذه التقليدي، ما يفسّر تصاعد الحملات الإعلامية والسياسية ضد الصين، واتهامها «بدبلوماسية الديون» أو «التمدد الناعم»، في محاولة لشيطنة أي بديل عن المنظومة الغربية.
إفريقيا… ساحة الصراع الصامت
تُعدّ القارة الإفريقية ساحة مركزية في هذا الصراع الدولي غير المعلن. فحتى عام 2025، واصلت الصين تعزيز حضورها الاقتصادي في إفريقيا، عبر استثمارات ضخمة في البنى التحتية، والطاقة، والنقل، والزراعة، لتصبح أحد أبرز الشركاء التجاريين والمموّلين للقارة.
وعلى الرغم من الانتقادات الغربية التي تتهم بكين بتكريس دور إفريقيا كمصدر للمواد الخام، فإن معظم الدول الإفريقية ما زالت تفضّل الشراكة مع الصين، لكونها أقل تدخّلًا في الشؤون الداخلية، وأكثر استعدادًا لتمويل مشاريع حيوية عجز الغرب عن تنفيذها أو ربطها بشروط سياسية خانقة.
دلالات أبعد من الصين
إن الصعود الصيني لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. فهو يعكس بداية مرحلة تتآكل فيها قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها منفردة، وتبرز فيها قوى قادرة على كسر الاحتكار الغربي لمفاهيم القوة والتنمية والتعاون الدولي.
وفي عالم تتكاثر فيه الأزمات والحروب، يبدو أن الصين تراهن على مسار طويل النفس، قائم على إعادة تشكيل التوازنات لا تفجيرها، وعلى بناء عالم متعدد الأقطاب، تكون فيه الهيمنة الغربية مجرد فصل من الماضي.