الصراع الروسي الغربي: هل هو حرب على أوكرانيا أم على النظام الدولي؟
ما الدوافع التي أوصلت الصدام الصامت بين روسيا والغرب، أي أميركا وأوروبا، إلى نقطة المواجهة الشاملة؟
-
الصراع الروسي الغربي: هل هو حرب على أوكرانيا أم على النظام الدولي؟
نادراً ما تكون الحروب الكبرى حروباً على الأرض التي تُقاتل فوقها؛ فهي غالباً حروب على موازين القوة التي ستتشكل بعدها. ومنذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في شباط/فبراير 2022، انصب معظم الاهتمام على المعارك العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، وحجم الدعم الغربي لكييف، وكأن الصراع يدور حول مستقبل أوكرانيا وحدها.
غير أن تطور الأحداث خلال السنوات اللاحقة كشف أن هذه الحرب تجاوزت حدودها الجغرافية، لتصبح ساحة مواجهة بين رؤيتين مختلفتين للنظام الدولي: رؤية غربية تسعى إلى الحفاظ على الترتيبات التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة، ورؤية روسية تعتبر أن تلك المرحلة قد انتهت، وأن موازين القوة الجديدة تفرض إعادة صياغة قواعد النظام العالمي وتوزيع النفوذ بين القوى الكبرى.
في هذا السياق، يكتسب مؤتمر حلف شمال الأطلسي الأخير، الذي عُقد في تركيا في تموز/يوليو الجاري، أهمية خاصة، ليس بوصفه اجتماعاً دورياً للحلف، وإنما باعتباره محاولة لرسم استراتيجية جديدة في مواجهة التطورات الميدانية، ولا سيما مع استمرار التقدم الروسي في الجبهة الشرقية، وهو ما من شأنه أن يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، ويؤثر في توازنات الأمن الأوروبي برمتها.
إن التساؤل الحقيقي الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الدوافع التي أوصلت الصدام الصامت بين روسيا والغرب، أي أميركا وأوروبا، إلى نقطة المواجهة الشاملة؟
في عام 2015، توقعت شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" أن تصبح الصين والهند أكبر اقتصادين في العالم بحلول عام 2050، تليهما الولايات المتحدة، ثم إندونيسيا والبرازيل والمكسيك واليابان وروسيا ونيجيريا وألمانيا.
وقد علّق الباحثان أميتاب أشاريا وباري بوزان على هذه التوقعات في كتابهما "تشكيل العلاقات الدولية العالمية" بالقول: "إذا ثبتت صحة هذا التوقع، فإن سبعة من أكبر عشرة اقتصادات في العالم ستكون غير غربية، ومن بين 32 اقتصاداً رائداً في العالم، وفقاً لتعادل القوة الشرائية، سيكون 20 اقتصاداً من العالم غير الغربي بحلول عام 2050".
وتعكس هذه التقديرات اتجاهاً واضحاً نحو انتقال مركز الثقل الاقتصادي من الغرب إلى مجموعة أوسع من القوى الصاعدة، بما يعني تراجع الاحتكار الغربي للنظام الاقتصادي الدولي، حتى وإن بقيت الولايات المتحدة إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم.
غير أن هذه التوقعات تصطدم بعامل بنيوي بالغ الأهمية، يتمثل في الأزمة الديموغرافية. فمعظم الاقتصادات المرشحة لقيادة الاقتصاد العالمي، باستثناء الهند وإندونيسيا ونيجيريا، تعاني بالفعل من انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط الأعمار، أو تتجه نحو مواجهة هذه المشكلة خلال العقود المقبلة.
وهنا تبرز أهمية المحددات الديموغرافية للقوة، التي تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية، هي: حجم السكان، والإنتاجية، والقدرة السياسية. فحجم السكان يعكس عدد القادرين على العمل والإنتاج أو القتال دفاعاً عن الدولة، بينما تشير الإنتاجية إلى القدرة الاقتصادية، أما القدرة السياسية فتعبّر عن قدرة الدولة على تعبئة الموارد البشرية والاقتصادية وتوجيهها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية[1].
وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة مهمة؛ ففي الوقت الذي يتجه فيه النظام الدولي نحو تعدد مراكز القوة، تواجه معظم هذه القوى تحديات ديموغرافية تهدد قدرتها على الحفاظ على زخمها الاقتصادي والعسكري.
وفي المقابل، تتراجع قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بقيادة النظام الدولي، ما يدفع العالم إلى مرحلة انتقالية تتوزع فيها القوة بين عدد أكبر من الفاعلين.
ومع تراجع جدوى نموذج العولمة الذي ازدهر بعد نهاية الحرب الباردة، تتزايد أهمية الدولة القومية باعتبارها الإطار القادر على تعبئة الموارد البشرية والاقتصادية، وإعادة بناء الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز القدرات العسكرية لحماية الحدود والمصالح الوطنية، في بيئة دولية تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى.
الأزمة الديموغرافية... العامل الصامت في الصراع
من هنا، يبرز الدافع الأول الذي أدى إلى هذه الحرب بين روسيا وأوكرانيا، بدءاً من عام 2014. فالأزمة الديموغرافية تشكل أحد العوامل البنيوية التي تساعد على فهم جانب مهم من الصراع الروسي - الغربي، وإن كانت لا تفسره بمفردها.
فروسيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي تواجه، منذ عقود، انخفاضاً متواصلاً في معدلات الخصوبة وارتفاعاً في متوسط الأعمار، وهو ما أدى إلى تقلص أعداد السكان في سن العمل، وتزايد الأعباء المالية لأنظمة التقاعد والرعاية الصحية، فضلاً عن تضاؤل قاعدة التجنيد العسكري وتراجع حجم الكفاءات الشابة القادرة على قيادة الابتكار العلمي والتكنولوجي.
وبذلك، لم تعد الديموغرافيا مجرد قضية اجتماعية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في معادلة القوة الشاملة للدول، إذ إن الاقتصاد، والصناعة، والقدرة العسكرية، وحتى التفوق العلمي، تعتمد، في نهاية المطاف، على وجود قاعدة بشرية كافية تمتلك المهارات والقدرة على الإنتاج.
نشأت هذه الأزمة نتيجة التحولات التي صاحبت العولمة خلال العقود الأخيرة. فقد أدى انتشار النمط الاستهلاكي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتأخر سن الزواج، وتراجع مكانة الأسرة بوصفها الإطار التقليدي للإنجاب، إلى انخفاض معدلات المواليد في معظم المجتمعات الصناعية، حتى أصبحت الشيخوخة السكانية تحدياً استراتيجياً يهدد استدامة النمو الاقتصادي، ويقيّد القدرة على الحفاظ على المكانة الدولية.
وفي ظل هذه المعادلة الجديدة، أصبحت الموارد البشرية لا تقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو القدرات المالية.
من هذا المنظور، يمكن فهم جانب من الحسابات الروسية في أوكرانيا. فإلى جانب الاعتبارات الأمنية والتاريخية والجيوسياسية، تمثل المناطق ذات الأغلبية الناطقة بالروسية في أوكرانيا، والبالغ عدد سكانها 12 مليون نسمة، رصيداً بشرياً تسعى موسكو إلى دمجه ضمن فضائها السياسي والديموغرافي، بما يخفف جزئياً من آثار التراجع السكاني الذي تعانيه.
وفي المقابل، يدرك الغرب أن نجاح روسيا في فرض وقائع جديدة بالقوة لن يقتصر أثره على الحدود الأوكرانية، بل قد يرسخ سابقة دولية تجعل العامل الديموغرافي، إلى جانب الاعتبارات الأمنية والقومية، أحد المبررات التي قد تُستدعى مستقبلاً لإعادة رسم الحدود أو توسيع مجالات النفوذ، وهو ما يفسر جانباً من الإصرار الغربي على منع موسكو من تحقيق انتصار استراتيجي حاسم.
الأمن والجغرافيا... لماذا لا تستطيع روسيا التخلي عن أوكرانيا؟
يظل العامل الجيوسياسي هو الدافع الأكثر مباشرة لتفسير اندلاع الحرب. فمنذ انهيار الاتحاد السوفياتي، توسع حلف شمال الأطلسي تدريجياً نحو الشرق، بانضمام عدد من دول أوروبا الشرقية والجمهوريات السوفياتية السابقة، وهو ما اعتبرته موسكو تراجعاً متواصلاً في مجالها الأمني التقليدي.
وفي الرؤية الروسية، لا تمثل أوكرانيا مجرد دولة مجاورة، بل تشكل عمقاً استراتيجياً يفصل الأراضي الروسية عن القوى الغربية، كما تمنح روسيا منفذاً حيوياً إلى البحر الأسود عبر شبه جزيرة القرم، وتؤثر بصورة مباشرة في أمن حدودها الغربية.
وبالتالي، تنظر موسكو إلى انضمام أوكرانيا إلى المعسكر الغربي بوصفه تحولاً يخل بالتوازن الأمني الذي سعت إلى الحفاظ عليه منذ نهاية الحرب الباردة.
لذلك، ترى القيادة الروسية أن خسارة أوكرانيا لا تعني فقدان دولة مجاورة فحسب، بل تعني انتقال خطوط الاحتكاك المباشر مع حلف "الناتو" إلى تخومها، بما يقلص هامشها الاستراتيجي ويحد من قدرتها على المناورة.
وفي المقابل، يرى الغرب أن السماح لروسيا بفرض هذا التصور بالقوة من شأنه أن يكرس مبدأ إعادة رسم مناطق النفوذ عسكرياً، وهو ما يجعل الحرب تتجاوز مستقبل أوكرانيا، لتتحول إلى مواجهة حول قواعد الأمن الأوروبي والنظام الدولي الذي تشكل بعد عام 1991.
الحرب على النظام الدولي أكثر منها على أوكرانيا
إذن، يدور الصراع الحقيقي حول شكل النظام الدولي الذي سيتبلور خلال العقود المقبلة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تمتع الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، بهامش واسع من الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية، مكّنه من رسم كثير من قواعد العلاقات الدولية وتوسيع مؤسساته الأمنية والاقتصادية.
لكن هذا الوضع لم يعد مرضياً بالنسبة إلى موسكو وقوى أخرى صاعدة، إذ تعتبر أنه لا يعكس موازين القوى الراهنة، وأن صعود قوى كبرى مثل الصين، واتساع نفوذ تجمعات اقتصادية وسياسية جديدة، يفرضان الانتقال إلى نظام أكثر تعددية في مراكز القوة والنفوذ.
وبالنسبة إلى موسكو، فإن هذه الحرب تُعد اختباراً لقدرتها على فرض معادلة جديدة في مواجهة الغرب، تقوم على الاعتراف بالمصالح الأمنية للقوى الكبرى وعدم احتكار طرف واحد قواعد النظام الدولي.
وفي المقابل، يشعر الغرب بالذعر، فنجاح روسيا في تحقيق أهدافها سيبعث برسالة إلى قوى دولية أخرى، مفادها أن استخدام القوة العسكرية يمكن أن يفضي إلى تعديل الحدود أو فرض وقائع جيوسياسية جديدة، بما يضعف النظام الذي تشكل بعد عام 1991.
وإذا ترسخ هذا المبدأ، فإن تداعياته لن تقتصر على الحالة الروسية - الأوكرانية، بل قد تمتد إلى أي دولة تمتلك روابط قومية أو لغوية أو تاريخية مع جماعات سكانية خارج حدودها.
ومن هنا، تتجاوز الحرب مستقبل أوكرانيا، لتصبح معركة حول القواعد التي سيقوم عليها النظام الدولي في العقود القادمة، وما إذا كان سيظل قائماً على احترام الحدود القائمة، أم سيفتح المجال مجدداً لعودة منطق توازن القوى وإعادة تشكيل الخرائط السياسية.
مؤتمر "الناتو"... اعتراف ضمني بطول أمد المواجهة
لم يكن مؤتمر حلف شمال الأطلسي الأخير، المنعقد في العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 تموز/يوليو 2026، مجرد اجتماع دوري لتنسيق السياسات الدفاعية، بل عكس خشية متزايدة لدى دول الحلف من أن المواجهة مع روسيا مرشحة للاستمرار لسنوات، وأن مرحلة إدارة الأزمات تحولت إلى مرحلة إعادة بناء موازين القوة.
وقد تجسد ذلك في التركيز على زيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع تطوير القدرات العسكرية، وتوسيع الإنتاج الصناعي العسكري، إلى جانب تعزيز البنية التحتية والقدرات اللوجستية، بما يضمن للحلف القدرة على خوض منافسة طويلة الأمد مع موسكو.
ويأتي هذا التحول في وقت يشهد فيه الميدان تقدماً روسياً تدريجياً، ترافق مع تزايد الحديث عن احتمال نجاح موسكو في حرمان أوكرانيا من منفذها على البحر الأسود، إذا تمكنت من السيطرة على ما تبقى من سواحلها الجنوبية.
ومن شأن هذا السيناريو أن يعيد رسم موازين القوى في البحر الأسود بصورة جذرية، ويضع دول الجناح الجنوبي الشرقي لحلف "الناتو"، ولا سيما تركيا ورومانيا وبلغاريا، أمام واقع أمني أكثر تعقيداً.
وفي هذا السياق، يكتسب التعاون العسكري المتزايد بين هذه الدول لحماية أمن البحر الأسود دلالة استراتيجية، إذ يعكس إدراكاً بأن أي توسع إضافي للنفوذ الروسي في هذا الفضاء البحري سيمس بصورة مباشرة أمن الدول المطلة على البحر الأسود، وحرية الملاحة، وتوازن الردع في جنوب شرقي أوروبا.
وهنا، من الضروري الإشارة إلى أن أهمية البحر الأسود تكمن في موقعه ضمن شبكة الممرات التجارية التي تربط آسيا بأوروبا.
فإذا نجحت روسيا في عزل أوكرانيا عن البحر الأسود، وهو احتمال قائم في ضوء التطورات الميدانية، فإن موسكو لن تحقق مكسباً عسكرياً فحسب، بل ستعزز موقعها في أحد أهم محاور الربط الأوراسي، إذ يمنحها ذلك نفوذاً أكبر على طرق التجارة والطاقة الممتدة عبر فضائها الجغرافي نحو أوروبا، وورقة ضغط إضافية في أي ترتيبات اقتصادية أو أمنية مستقبلية.
أثر فشل الولايات المتحدة في حسم المواجهة مع إيران في الوضع في شرقي أوروبا
لا يمكن فصل التطورات في شرقي أوروبا عن التوازنات الجيوسياسية في الشرق العربي، إذ إن الولايات المتحدة تواجه مشكلة تتمثل في إدارة أكثر من مسرح استراتيجي في وقت واحد.
فاستمرار التوتر مع إيران، وما يفرضه من التزامات عسكرية لمحاولة استعادة السيطرة على طرق الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، ودعم الحلفاء الإقليميين، يستهلك جانباً مهماً من القدرات العسكرية واللوجستية والمالية الأميركية، ويحد من قدرة واشنطن على تركيز مواردها بالكامل في مواجهة روسيا.
وكلما طال أمد هذا الاستنزاف، ازدادت قدرة موسكو على استغلال عامل الوقت لتعزيز مكاسبها في أوكرانيا.
إن الصراعين لا يسيران في مسارين منفصلين، إذن، بل يؤثر كل منهما في الآخر بصورة مباشرة. فالفشل في حسم المواجهة مع إيران يمنح روسيا قدرة أكبر على الضغط على أوروبا، كما أن أي تصعيد في أوكرانيا يفرض على الولايات المتحدة توزيع قواتها ومواردها بين جبهتين استراتيجيتين.
لذلك، لا يقتصر الصراع الروسي - الغربي على حدود أوروبا الشرقية، بل يرتبط بشبكة أوسع من التفاعلات تمتد من البحر الأسود إلى الخليج العربي، حيث أصبح نجاح أي طرف أو إخفاقه في أحد المسارح مؤثراً في موازين القوى على المسارح الأخرى، وهو ما يعكس الطبيعة العالمية للمنافسة بين القوى الكبرى.
ومن هنا، فإن أحداً لم يعد يسأل: من سينتصر في أوكرانيا؟ بل السؤال هو: أي نظام دولي سيولد من رحم هذه الحروب المتزامنة، وكيف ستتفاعل أزمات أوروبا و"الشرق الأوسط" وآسيا في إعادة رسم خريطة القوة العالمية؟
فكلما ازداد ترابط هذه الساحات، أصبحت نتيجة أي مواجهة إقليمية قادرة على التأثير في موازين القوى العالمية، وهو ما يجعل الصراع الروسي - الغربي جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي، لا مجرد حرب تدور على الأراضي الأوكرانية.