السيّد.. إمام المقاتلين
نصر الله، سيد الشهداء، إمام الخنادق وغبار المقاتلين والصبح كلما تنفّس، لم يغاير التاريخ ولا كان إقحاماً أيديولوجياً أو سياسياً على خشباته، بل الإجابة عن أجراسه وأسئلته وقوانين زمانه وبوصلته.
-
نصر الله، سيد الشهداء، إمام الخنادق وغبار المقاتلين.
تتباين صورة ومكانة الفرد في التاريخ بين ثقافة وثقافة، وبين حقبة وأخرى، وتأخذ أشكالاً ومسمّيات مختلفة تبعاً لذلك، من أزمنة الكهنة إلى أزمنة الأنبياء إلى أزمنة القادة والزعماء والأباطرة والرؤساء.
وحيث تتطوّر التشكيلات الاجتماعية ومفاهيم المواطنة والمجتمع المدني، في إطار الثورة البرجوازية أو الاشتراكية أو غيرها، تصبح نظريات العقد الاجتماعي أكثر حضوراً ويتراجع دور الأفراد بهذا المستوى أو ذاك.
بهذا المعنى، فالعلاقة بين الأفراد والتاريخ علاقة محكومة بسياقات وشروط موضوعية، تدفع الأفراد إلى موقع متقدّم وفاعل حاسم أحياناً، ويظهر التاريخ حولهم أو العكس.
فيما يسمّى العالم النامي، الثالث سابقاً، فإنّ الرواسب الإقطاعية أو الأشكال الكولونيالية غالباً ما حرمت شعوباً وجماعات كثيرة من تطوّر مستقل نحو تشكيلات مدنية حديثة تشكّل روافع اجتماعية طبقية لهذا المشروع السياسي – الأيديولوجي أو ذاك.
ترتّب على ذلك ما أسماه هيكل في تحليل شخصية عبد الناصر، المسرح الذي يبحث أو ينتظر بطله التاريخي الذي غالباً ما يأخذ بعداً تراجيدياً، وذلك بالنظر إلى الطابع الدرامي الذي يذكّرنا بالقواسم المشتركة بين التراث الإغريقي والتموزي الشرقي فضلاً عن البيئة الموضوعية وتجلّياتها.
نعرف من الأساطير الإغريقية التي كانت تمتح من اضطرابات واقعية في مجتمع أثينا، أنّ عالم الأبطال ظلّ أوسع وأكثر تعقيداً من تلك الاضطرابات التي غرقت في تفاصيل ديمقراطية كان الحلم فيها أكبر من الشروط الموضوعية والدولة المنشودة المحاصرة بمحاجر الرقيق.
ونعرف من الأسطورة التموزية أنّ مشاريع الدول المتقطّعة ظلّت أصغر من نداء الغابات والصحاري والإيلافات الأولى، وظلّ تموز يرمي بظلاله في دورة الخصب والخريف والنيروز، وفي كلّ هذه الحالات ظلّت الخطايا تتكاثر في صندوق الشرّ والأقنعة القاتلة، وتجرّف مشاريع الدول والأيديولوجيات الناقصة.
منذ تلك الحقب ومسرح الشرق يمور بالصراع نفسه، بين القاتل الشيطاني الجوّال بأقنعته المتعدّدة من الفأس المعقوفة إلى الوعول المتوحّشة، إلى عمود النار ويهوه التلمودي الذي لا يشبع أبداً من رائحة الشواء البشري، وبين تموز السوري، بعل الكنعاني، وأوزيريس المصري، وطيور الله في أول الركب الدامي، من كربلاء إلى الضاحية المقدّسة، ينفر الدم فيها ومنها أحمر وقانياً وندياً.
ومن قبل ومن بعد..
نصر الله، سيد الشهداء، إمام الخنادق وغبار المقاتلين والصبح كلما تنفّس، لم يغاير التاريخ ولا كان إقحاماً أيديولوجياً أو سياسياً على خشباته، بل الإجابة عن أجراسه وأسئلته وقوانين زمانه وبوصلته.
البعض استهوته العزلة والاغتراب، والبعض استهوته الأيديولوجيا مثل مكعّبات وأرقام صماء ومسطرة صارمة للتكفير والإقصاء، والبعض استهوته السياسة المجرّدة، والبعض لم يتبيّن من أمره شيئاً، فإما اختطلت عليه المعايير والقياسات، فاسدة أو عقيمة، صورية وشكلية، وراح يبحث عن دولة أو خيارات في غياب شروطها الموضوعية والمدنية وبمعزل عن محيطها الإقليمي والدولي، وإما اختلطت عليه التناقضات ودلالاتها ومحدّداتها، مذهبية، طبقية، أو سياسية.
والحقّ أنّ المسرح كان مشوّشاً ومضطرباً وتجري تحته كلّ الأنهار، فكان امتحان السيد شاقاً ومتعباً وبالغ الخطورة:
- الاعتراف بالتاريخ رغم أنه في الشرق كان باهتاً ومتناقضاً.
- عين الطائر التي ترى اللوحة كاملة لا قطعة هنا وقطعة هناك.
- التأشير على قانون التناقضات خارج لعبة أمراء الطوائف والقبائل والعائلات والملل والنحل.
- لم يكن السيد محاضراً أكاديمياً أو شاعراً مجرّداً (رغم شاعريته) ولم يكن داعية رغم علومه، ولم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي، والأهمّ ما كان يخفق بين جناحيه، الثورة لا الدولة، تماماً مثل جيفارا الذي غادر حكاية الحقائب الوزارية في أرض الاشتراكية الأولى والتبغ والسكر، إلى الجبال الوعرة مع الفلاحين والرعاء والمطارق.
لا فوضوية في هذه الخيارات عند الرجلين، ولا مجرّد لحظات وجدانية بعيدة عن الواقع مشدودة إلى الفقراء والمظلومين والمقهورين، فلا المشاعر الطيّبة وصناديق الاقتراع الموهومة تقدّم لهم رغيفاً واحداً من الخبز، أو تعيد لهم نافذة في وطن محتلّ، فكيف إذا تقاطعت كلّ التناقضات بين الإمبرياليين وتوحّش التلمود والبنك الدولي بلا أدنى رادع.
ربما كان الإمبرياليون والصهاينة والرجعيّون ومحميات النفط والغاز المسال، أقلّ احتقاناً وإجراماً لو أنّ السيد وحزب الله اقتصرا على لعبة البرلمان والمحاصصات والبحث عن دولة أياً كان شكلها إذا ما قرّرت عزل نفسها عن الصراع الكبير، ربما كانوا أقلّ احتقاناً وإجراماً لو انشغل السيد بسجالات أكثر حول اللاهوت السياسي.
ما حدث مع ظهور السيد على مسرح التاريخ وصعوده منذ فضاءات النجف إلى الاشتباك مع العدوان الصهيوني والاتفاق الذليل في أيار الذي أريد له أن يكبر ويبتلع لبنان كلّه، لم يكن سارّاً أبداً عند معسكر الشيطان بكلّ قرونه، وراء البحر أو خلف الرمال، ومستعمرة المكابيين وخلف الروم روم.
في البداية راحت الدوائر الإمبريالية استناداً إلى قراءات برنار لويس وبريجنسكي، تأخذ الجميع نحو أوهام الدولة في غياب شروطها ومن ثمّ التطاحن حولها من كلّ التيارات بعيداً عن حجر الرحى، وهو فهم التناقض مع الكيان الصهيوني بوصفه الاستطالة العضوية الإجرامية للمتروبولات الإمبريالية، أي بعيداً عن المشروع الذي أرادوا تصفيته وجعله نسياً منسياً، وهو مشروع التحرّر الوطني على مستوى الأمة كلّها، واعتقدوا أنّ عبد الناصر آخر الكبار على مسرح لا يزال يحتاج إلى الأبطال ويتفتقر للشروط الموضوعية للبديل الجمعي المدني.
وفاتهم أنّ عبد الناصر ثم نصر الله حتماً، في شرق يتعثّر فيه التاريخ والطبقات الكبرى، أرواح فينيقية تنبعث من قبل الحرائق وتتخطّى الدوائر الصغيرة واعتباراتها وتكتيكاتها بمقاربات استراتيجية وقواعد اشتباك جديدة ومنطق الثورة على مستوى الإقليم برمّته، حيث تتشكّل العلامات الأساسية على الطريق الكبير، بالدم المبارك للكبار كما زيت القنديل المقدّس.