السرديات المضللة حول الصراع في السودان.. في مرآة العدوان على إيران
يستند "المشروع الإبراهيمي إلى ركائز ترى في كلّ الحركات الإسلامية - سنية كانت أم شيعية - خطراً يجب القضاء عليه، وبالتالي لا تسامح مع استمرار أنظمة حكم مثل إيران أو قوى ذات خلفية إسلامية في السودان.
-
طبيعة ومراحل العلاقات بين إيران والسودان.
في الآونة الأخيرة، وتحديداً في خضمّ الحرب الدائرة في السودان، لوحظ تدفّق ملفت لتقارير إعلامية ودراسات ومقالات رأي ومعلومات مضللة صادرة عن خبراء ومراكز أبحاث أو وسائل إعلام دولية أو وسائط واسعة الانتشار، جميعها تسعى للربط بشكل منسّق ومتعمّد بين الحرب في السودان وبعض المجموعات المحلية من جهة، وبين إيران وحرس الثورة الإيراني من جهة أخرى.
هذه التقارير، التي تصدر عن دوائر إماراتية أو عن جهات يمينية وصهيونية متحالفة معها في الغرب، تركّز على تجريم طرف أساسي مثل القوات المسلحة السودانية أو الأطراف المحلية الداعمة لها، من خلال اتهامها بالارتباط بإيران.
كما يتمّ - في خضّم الصراع والاستقطاب الداخلي الكبير- توظيف أطراف سياسية محلية أخرى موالية لمشروع أبو ظبي للمساهمة في تعزيز هذه السردية، بهدف تحويل السودان إلى ساحة للصراع بين إيران وخصومها في الشرق الأوسط، وتحديداً محور أبو ظبي- "تل أبيب".
وفي هذا السياق، تمّ توظيف "ورقة إيران" كأداة ضمن سلسلة أوسع من الضغوط والتدابير الخارجية التي تستهدف السودان، وتحديداً القوات المسلحة السودانية والقوى الوطنية الداعمة لها. الهدف من ذلك هو تحريض الكيان الصهيوني على إدراج السودان ضمن قائمة أهدافه العدوانية، ذلك الكيان الذي لم يتوقّف عن محاولات فرض وجوده على شعوب المنطقة بالقوة.
وقد طالت هذه الممارسات العدوانية العديد من دول المنطقة، خاصة بعد أن توحّش الكيان في عدوانه على قطاع غزة، في إثر عملية "طوفان الأقصى" أو أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
طبيعة ومراحل العلاقات بين إيران والسودان
على مدى عقود، ارتبط صعود النظامين في إيران (منذ الثورة الإسلامية 1979) والسودان (منذ ثورة الإنقاذ الوطني 1989) في المخيّلة الغربية بظاهرة "الإسلام السياسي" وصعوده المدوّي في العالم الإسلامي. وبالتحديد، صُوّرت إيران في الغرب على أنها أول نظام شيعي في العالم الإسلامي يُشكّل تهديداً وجودياً لـ "إسرائيل"، بينما وُصفت تجربة الإسلاميين في السودان (1989-2019) بأنها "أول نظام إسلامي سني"، وهو ما واجه بدوره مقاومة محلية وإقليمية ودولية لا تنفصل عمّا يصدر من مواقف وسياسات حالياً.
ورغم التوصيفات "الطائفية" لطبيعة النظامين في طهران والخرطوم، إلّا أنّ تصويرهما كـ "خطر دائم" ظلّ مسيطراً على الدوائر الغربية والأنظمة العربية في الشرق الأوسط على حدّ سواء، وقد ازداد التركيز على تضخيم هذا الخطر مجدّداً بعد ثورات "الربيع العربي" عام 2011.
يعود التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى عام 1974، أيام حكم شاه إيران والرئيس جعفر النميري. تراجعت هذه العلاقات أثناء الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، قبل أن تعود لتشهد "عصراً ذهبياً" في الفترة (1989-2014)، وهي فترة حكم الإسلاميين السودان، حيث بلغ التعاون ذروته، وخصوصاً في مجال التصنيع العسكري.
أما الفترة من 2014 إلى 2023 فكانت حقبة من الفتور والقطيعة. ففي عام 2016، قطع السودان علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية بعد مهاجمة سفارتها في طهران، وكان السودان قد انضمّ في آذار/مارس 2015 للتحالف العربي في اليمن. ولكن بعد اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تمّت استعادة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وتبادل السفراء، بل وبرز تعاون عسكري محدود اقتضته طبيعة هذه الحرب تمثّل في تزويد إيران للجيش السوداني بمسيّرات من طراز "مهاجر-6".
بعد الإطاحة بالبشير في 11 نيسان/أبريل 2019، حمل النظام الجديد (المكوّن من مجموعات مدنية علمانية معادية للإسلاميين) مواقف عدائية تجاه إيران وقطر وتركيا وحتى مصر، باعتبارها داعمة للإسلام السياسي أو القوات المسلحة، ومن ثم فإنّ هذا النظام كان يرى نفسه أقرب إلى "محور الاعتدال العربي" وسياساته الإقليمية، وتحديداً أبو ظبي عرّاب التطبيع مع الكيان الصهيوني. ونتيجة لذلك، تسابقت مكوّنات النظام الجديد في إظهار ابتعادها عن حلفاء النظام السابق، بما في ذلك إيران، كما سارعت في بعض المراحل نحو التطبيع مع "إسرائيل".
وحتى بعد الإطاحة بالمجموعات المدنية (ائتلاف "الحرية والتغيير" سابقاً) في انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ظلّت العلاقات مع إيران "دافئة وفاترة"، حيث فضّلت القيادة الجديدة الابتعاد عن طهران قدر الإمكان، طمعاً في كسب رضا الغرب والدول الإقليمية، وخصوصاً مصر ودول الخليج.
لكن، وعندما اندلعت الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023 عقب تمرّد قوات الدعم السريع، ومع محاولات الأطراف الإقليمية إبعاد السودان عن إيران، لم تجد القوات المسلحة، التي كانت تواجه تمرّداً غير مسبوق وتساقط المدن وتهجير مئات الآلاف من السكان، أمامها خياراً سوى الانفتاح على إيران لأسباب براغماتية واضحة ومبرّرة. فإيران كانت هي الطرف الوحيد القادر على تقديم مساعدات عسكرية من دون تردّد، لسدّ الاحتياجات الضرورية ومنع سقوط البلاد في وجه "الغزو" الذي تتعرّض له.
ورغم ذلك، وفي إطار السرديات تجاه الحرب في السودان، في مرحلة ما بعد حرب الـ 12 يوماً (2025) ثم حرب الأربعين يوماً (مطلع 2026)، ظلّت الآلة الدعائية الموجّهة تحاول الترويج لوجود علاقات وثيقة بين القيادة السودانية الحالية وإيران، على أمل أن يُسفر مشروع تغيير نظام الحكم في إيران عن نتائج مماثلة في السودان.
باختصار، ورغم الحملات الدعائية المغرضة، فإنّ العلاقات بين إيران والسودان مرت بالوتيرة نفسها لعلاقات طهران ببقية الدول العربية ودول الخليج عموماً من الشكوك والقطيعة والتعاون والعداء. لكنّ المزاعم حول الدور الإيراني تتجاهل حقائق مهمة، منها أنّ العلاقات مؤخّراً لم تتجاوز تلبية احتياجات تسليحية محدودة جداً فرضتها طبيعة العدوان على البلاد، وليس لأبعاد أيديولوجية أو مشروع سياسي. كما تتجاهل هذه المزاعم حذر القيادة السودانية بعد 2019 وافتقارها لرؤية سياسية متماسكة في سياستها الخارجية، وإغراء وضغوط دول الخليج بشأن العلاقات مع إيران، فضلاً عن أنّ إعادة العلاقات لم تتعدَ استعادة تمثيل دبلوماسي عادي كما هو شأن جميع الدول العربية الأخرى على الرغم من أنّ المصالح الوطنية العليا للسودان تقتضي تعزيز بعض أوجه علاقات التعاون مع إيران، ولا سيما في ضوء الحرب والعدوان على البلاد المتواصل منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ما مغزى الربط بين السودان وإيران؟
لطالما نظرت الإمارات ومحورها الإقليمي إلى السودان - حتى بعد الإطاحة بنظام حكم الإسلاميين عام 2019 - على أنه لا يزال يشكّل تهديداً. بل إنّ بروز الإسلاميين مجدّداً عقب شنّ الحرب على السودان في 2023 كان دليلاً آخر على هذا الخطر، وأنهم يشكّلون عقبة أمام طموحات أبو ظبي للسيطرة على البلاد ومواردها، تماماً كما تشكّل إيران عقبة أمام مشروعها الإقليمي الأوسع في الشرق الأوسط. ورأت أبو ظبي أنّ الحرب، بدلاً من أن تقضي على الإسلاميين، أعادتهم إلى الواجهة من جديد، فلذا انخرطت في استراتيجية شاملة للتحريض عليهم في الداخل والخارج.
قبل ذلك، ومع صعود مشروع "استئصال الإسلام السياسي" (محور الاعتدال العربي أو محور الثورة المضادة) بعد موجات "الربيع العربي" (2011)، أصبح يُنظر إلى نظامَي الحكم في طهران والخرطوم على أنهما الأخطر. فبينما تُعتبر الحركات الإسلامية (وخصوصاً المرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين) قوة سياسية شعبية قادرة على الوصول إلى السلطة في بعض البلدان كما في مرحلة "الربيع العربي"، فإنّ الإسلاميين في إيران والسودان هم أنظمة حاكمة بالفعل، مما قد يعزّز الإلهام على صعود الإسلاميين إلى الحكم في العالمين العربي والإسلامي. فلا غرابة إذاً أن يكون البلدان هدفاً لحملات تشويه وشيطنة من دوائر إقليمية تسعى لتحقيق أغراض معلومة: من جهة تحريض الدوائر الغربية المهووسة بـ "الخطر الإيراني"، ومن جهة أخرى تعزيز سردياتها المضلّلة حول الصراع في السودان.
لطالما وُصف السودان بعد حرب نيسان/أبريل 2023 بأنه ساحة للتنافس بين قوى خارجية، وإحدى ساحات التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى التي تسعى للتأثير في معادلات الصراع نظراً لأهمية موقعه على البحر الأحمر. لكن، وبينما يتمّ تضخيم النفوذ والدعم الإيراني المزعوم، يتمّ التغاضي عمداً عن أدوار أكثر تدميراً وخطورة، مثل التخطيط الإماراتي الأساسي لهذه الحرب في إطار مشروعها الإقليمي.
إنّ توظيف شبكات العلاقات العامّة لربط إيران بأطراف ودول إقليمية ليس جديداً ولا يقتصر على حالة السودان. على سبيل المثال، خلال حصار قطر عام 2017، تمّ ربط قطر بـ "محور إيران" عبر نشاطات لوبيات ومجموعات ضغط تعمل في الغرب لتشويه صورتها لدى دوائر صنع القرار، وخصوصاً في الولايات المتحدة.
واللافت هنا، أنّ موجة التقارير والتصريحات المنسّقة التي تربط السودان بإيران تزايدت بشكل كبير أثناء حرب الخليج الأخيرة (العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران)، والتي كان هدفها المعلن تغيير النظام في إيران أو إضعافه حتى الاستسلام. وفي هذا الخضمّ، هدفت الحملات التي تربط بين السودان وإيران إلى نتائج مماثلة: ابتزاز القيادة السودانية للقبول بشروط أبو ظبي، أو تعريضها لضربات إسرائيلية قوية تستهدف مصادر قوة القوات المسلحة وتشلّ قدراتها، مما قد يقلب موازين القوة لصالح التمرّد.
وبعبارة أوضح، فإنّ هذه الحملات هي محاولة لدفع الكيان الصهيوني ونهجه الإجرامي في العدوان على سيادة الدول، إلى تنفيذ ضربات ضدّ القوات المسلحة السودانية، واستهداف القوات المساندة لها مثل "كتائب البراء بن مالك" و"القوة المشتركة" (التي تضمّ حركات متمرّدة سابقاً)، بهدف تعديل موازين القوة لمصلحة مليشيا الدعم السريع التي فشلت - رغم الدعم غير المسبوق الذي حظيت به - في تحقيق الأهداف الإماراتية.
وعطفاً على ذلك، ومن فرط التسييس المبتذل في حملات "تصنيف الإرهاب" وفرض العقوبات على بعض الأطراف في السودان، تبدو مثل هذه التدابير أحياناً غير منطقيّة وتكمن وراءها أهداف معلومة. ففي أيلول/سبتمبر 2025، تمّ فرض عقوبات على وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم (زعيم حركة "العدل والمساواة" وهي إحدى مكوّنات "القوة المشتركة")، بربطه بإيران وفيلق القدس التابع لحرس الثورة، رغم أنّ الرجل يقود حركة متمرّدة سابقة ذات خلفيّات قبلية.
كذلك، وفي 9 آذار/مارس 2026، تمّ إدراج "الإخوان المسلمين" في السودان كمنظّمة إرهابية ضمن قائمة التصنيف الخاص، استناداً إلى الأمر التنفيذي 13224. وجاء في تبرير الخطوة أنّ "حرس الثورة الإيراني درّب ودعم مقاتلين مرتبطين بفصيل البراء بن مالك المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين السودانية"، وأنهم "متورّطون في ارتكاب عنف ضدّ المدنيين". وأضاف المسؤول الأميركي أنّ هذه الخطوة تعكس "التزام الولايات المتحدة المستمر بمواجهة جهود النظام الإيراني الرامية إلى تأجيج العنف وسفك الدماء في الشرق الأوسط وخارجه".
وبناء على ما سبق، فإنّ ربط الأوضاع في السودان بنفوذ إيران المزعوم، وتحديداً الربط بين "فيلق البراء بن مالك" بزعم تلقّيه "تدريبات إيرانية"، هو محاولة لوصف هذا الفصيل العسكري (الذي يؤدّي دوراً كبيراً في إسناد القوات المسلحة) بأنه أحد "أذرع إيران" في المنطقة، مثل الحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي، مما يجعله هدفاً لمخططات الإضعاف والاستهداف لتيارات المقاومة ذات الخلفيّات الإسلامية بشكل عامّ.
لكن، ومما يُكذّب وينسف الحملات المعادية التي تزعم وجود علاقات تعاون بين إيران والسودان، أو أنشطة لحرس الثورة الإيراني أو "أنصار الله" (الحوثيين) على الأراضي السودانية، أنّ الحكومة السودانية أصدرت - بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران - بيانات في إدانة لطهران تكاد تكون أكثر قسوة وحدة مما صدر عن الدول العربية المعادية لإيران في المنطقة نفسها، والتي تقود بعضها أصلاً هذه الحملة ضدّ السودان!
السودان وإيران في مرآة المشروع الإبراهيمي
يستند "المشروع الإبراهيمي" (الذي تعتبر الإمارات عرّابه الأساسي والساعي لفرضه كنظام إقليمي لـ "الشرق الأوسط الجديد") إلى ركائز ترى في كلّ الحركات الإسلامية - سنية كانت أم شيعية - خطراً يجب القضاء عليه، وبالتالي لا تسامح مع استمرار أنظمة حكم مثل إيران أو قوى ذات خلفيّة إسلامية قوية مثل تيارات الإسلاميين في السودان.
ونظراً لتشابه النظامين السابقين (في عهد الإنقاذ) في المشتركات الأيديولوجية والسياسية، ومواجهتهما للنظام الإقليمي في الشرق والنظام الدولي المعادي، ودعمهما لقضية فلسطين ورفضهما للتطبيع، فمن الطبيعي أن تكون علاقات الخرطوم وطهران قوية طوال ثلاثة عقود. ولكن نتيجة لضغوط دول الخليج، قام الرئيس البشير في أواخر سنوات حكمه بقطع العلاقات مع إيران ومن ثمّ انضمّ للتحالف العربي في اليمن.
لا يقتصر تخطيط أصحاب المشروع الإبراهيمي على محاربة "الإسلام السياسي" وفكرة "المقاومة الإسلامية" فحسب، بل يمتد لمعاداة كلّ مناهضة للإمبريالية، بما فيها التيارات العلمانية واليسارية والقومية، وحتى "حركة مقاطعة إسرائيل ومعاقبتها" (BDS) رغم طابعها المدني والسلمي ضدّ الاحتلال لفلسطين. يعتقد "الإبراهيميون الجدد" أنّ مجرّد "الحنين" لفكرة القومية العربية وتجاربها في الحكم (مثل الأنظمة الناصرية والبعثية) هو "خطيئة" في تاريخ العرب وقضية فلسطين وسبب للتراجع والفشل أيضاً. بمعنى أنّ هذا المحور كان سيحارب فكرة القومية والمقاومة حتى لو قادتها تيارات علمانية، فالهدف هو القضاء على فكرة "المقاومة" ذاتها بغضّ النظر عن خلفيّاتها.
وفي هذا الإطار، يستند "المشروع الإبراهيمي" على الركائز الآتية:
أولاً: التطبيع مع الكيان الصهيوني، وإنهاء القضية الفلسطينية، والقضاء على حركات المقاومة وعلى رأسها حماس.
ثانياً: محاربة كلّ تيارات الإسلام السياسي، سنية وشيعية.
ثالثاً: إضعاف فكرة المقاومة (مسلحة كانت أم سلمية) ووصفها بالإرهاب والعنف السياسي وتجريمها.
رابعاً: محاربة الجاليات والأقليات المسلمة في الغرب، باعتبارها خزّاناً بشرياً يعزّز تيارات الإسلام والمقاومة ويبقي القضية الفلسطينية حيّة. كما أنّ صعود هذه المجموعات سياسياً في الغرب يُشكّل تهديداً للأنظمة الاستبدادية في العالم الإسلامي على المدى الطويل.
خامساً: تفكيك الدول العربية القائمة وتفتيتها على أسس طائفية وعرقية ودينية متناحرة، وتفكيك الجيوش الوطنية لخدمة الكيان الصهيوني.
بناءً على ذلك، فإنّ إيران والسودان يمثّلان رمزية لفكرة "المقاومة" والعناصر التي يرتكز عليها المشروع الإبراهيمي. لكن بينما صمد النظام في إيران، كان الوضع في السودان مختلفاً: فمنذ 2019، وبعد إسقاط نظام الإسلاميين، صعدت مجموعات سياسية معادية لإيران ومحور قطر-تركيا، واصطفّت مع "محور الاعتدال العربي" ثم "المحور الإبراهيمي". وفي خضمّ شيطنة خصوم هذا المشروع، يتمّ ضمن السرديات المضللة حول الصراع في السودان ربط مزدوج: بين الجيش السوداني والإسلاميين من جهة (ككتلة واحدة في الحرب)، وبين هذين الطرفين وإيران من جهة أخرى.
جماعات الضغط
كما تبيّن، فإنّ الحملات المنسّقة حول حقيقة الصراع في السودان، والترويج المكثّف لنفوذ إيراني مزعوم، ما هي إلّا تخطيط يهدف إلى تحريك اللوبيات ومجموعات الضغط الصهيونية النافذة في الغرب للتأثير على دوائر صنع القرار لاتخاذ إجراءات عقابية جديدة (فرض عقوبات، إدراج في قوائم الإرهاب، وإبعاد أيّ دور للنظام الإماراتي مع تواتر تقارير موثّقة عن تورّطها في تأجيج الصراع عبر دعم مليشيا الدعم السريع).
وتندرج هذه التحرّكات المضادّة تجاه إيران والسودان في إطار خطة أوسع للقضاء على فكرة "المقاومة" وكلّ ما يمكن أن يساعد في بقائها أو انتعاشها.
إجمالاً، وانطلاقاً من هذه الحملات المضللة بشأن السودان وإيران، وفي خضمّ محاولات المشروع الإقليمي الرامي لإخضاع دول وشعوب المنطقة - بدءاً من الدول التي تنشط بها المقاومة أو الحركات الإسلامية الشعبية، وصولاً إلى الدول التي يُنظر إليها على أنها "خطر" حتى لو كانت مسايرة للتطبيع مع كيان الاحتلال - فإنّ سياسات "التطهير المكاني" والتدمير المتعمّد للبنية التحتية المدنية (كما جرى مؤخراً في غزة على يد الكيان الصهيوني، وفي السودان على يد مليشيا الدعم السريع، وخلال حربي الـ 12 يوماً والـ 40 يوماً ضدّ إيران مؤخّراً) قد أصبحت استراتيجية إقليمية أوسع تهدف إلى إبقاء دول المنطقة هشّة وضعيفة، واستنزاف مواردها، ومنعها من امتلاك قوة فعلية مستقلة، وإخضاعها لهيمنة الغرب والكيان الصهيوني وحلفائه في المنطقة.