الذهب 2026... من ملاذ آمن إلى خيار استثماري
خلال العام 2025، برز الذهب بقوة على الساحة الاقتصادية والسياسية العالمية، ليصبح أحد المحركات الرئيسة للتوجهات النقدية، وحائط الصد الأهم في مواجهة سلسلة الأزمات المتعددة الأوجه التي شهدها العالم.
-
آفاق الذهب في عام 2026.
يُعدّ الذهب أحد الأصول الأساسية في الاقتصاد العالمي، إذ يتمتع بقيمة نقدية تاريخية تجعله أصلاً حقيقياً، بخلاف الأصول المالية مثل الأسهم والسندات. كما يتميز بكونه أصلاً مادياً ملموساً لا يرتبط بالتزامات جهة معينة، ما يعزز مكانته كأداة تحوط مستقلة.
ويُنظر إلى الذهب تقليدياً كملاذ آمن في أوقات الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية، إذ يزداد الإقبال عليه مع تصاعد حالة عدم اليقين. كما تربطه علاقة عكسية بكل من الدولار وأسعار الفائدة، ما يجعله حساساً للتحولات النقدية العالمية.
إضافة إلى ذلك، يُعدّ الذهب أداة فعالة للتحوط من التضخم، إذ يحافظ على قيمته الحقيقية في فترات تآكل القوة الشرائية للعملات، خاصة في البيئات التي ترتفع فيها معدلات التضخم الحقيقي مقارنة بالمعدلات المعلنة.
تاريخياً، أثبت الذهب قدرته على الصمود خلال الأزمات الكبرى، حيث سجل أداءً قوياً خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، وكذلك خلال ذروة جائحة 2020، ما عزز دوره كأصل دفاعي في فترات الاضطراب المالي.
خلال العام 2025، برز الذهب بقوة على الساحة الاقتصادية والسياسية العالمية، ليصبح أحد المحركات الرئيسة للتوجهات النقدية، وحائط الصد الأهم في مواجهة سلسلة الأزمات المتعددة الأوجه التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتباطؤ النمو العالمي.
آفاق الذهب في عام 2026
تشير المعطيات إلى استمرار الزخم الصعودي للذهب خلال عام 2026، وإن كان ذلك ضمن سيناريوهات مرتبطة بالعوامل ذاتها التي دعمت أداءه في عام 2025، مع اختلاف مستويات التأثير وحدته.
1- السياسة النقدية وتخفيض الفائدة
يُتوقع أن تتجه السياسات النقدية العالمية في العام 2026 نحو تخفيض أسعار الفائدة بهدف تحفيز الاستثمار والنمو الاقتصادي. تاريخياً، يُعدّ خفض الفائدة أحد أبرز العوامل الداعمة لارتفاع أسعار الذهب، نظراً لتراجع العائد على الأدوات النقدية وأدوات الدخل الثابت، ما يزيد من جاذبية الذهب كأصل غير مولّد للعائد.
2- تباطؤ النمو والركود العالمي
تشير توقعات كبرى المؤسسات المالية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي ليبلغ نحو 3٪، مع تراجع النمو في منطقة اليورو إلى حدود 1.2٪، واستمرار الضغوط الاقتصادية في بريطانيا، مقابل استقرار نسبي في الصين عند 4.8٪، ونمو ضعيف في اليابان يقل عن 1٪. وتُسهم هذه المؤشرات مجتمعة في تعزيز الطلب على الأصول الآمنة، وفي مقدمتها الذهب، ضمن بيئة تتسم بارتفاع مستويات المخاطر الاقتصادية.
3- تنامي مشتريات البنوك المركزية
واصلت البنوك المركزية خلال العام 2025 زيادة احتياطياتها من الذهب بمستويات قياسية، إذ بلغ إجمالي المشتريات نحو 1000 طن بنهاية العام. ويعكس هذا التوجه استراتيجية واضحة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية والمالية، وتقليص الاعتماد على الدولار، في إطار إعادة هيكلة الاحتياطيات الدولية. وتشير التوجهات إلى استمرار هذه السياسة خلال العام 2026.
4- التوترات الجيو-اقتصادية
على الرغم من الهدوء المرحلي في بعض الملفات، تبقى احتمالات تصاعد الخلافات التجارية والسياسية بين الولايات المتحدة والصين مرتفعة، ولا سيما في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، والقيود على التكنولوجيا المتقدمة، وأدوات الضغط الاقتصادي. ويؤدي أي تصعيد جيو-اقتصادي من هذا النوع إلى زيادة تقلبات الأسواق المالية العالمية، وتعزيز جاذبية الذهب كأداة استثمار وتحوط، بما يدعم أسعاره على المدى المتوسط.
5- التوترات الجيوسياسية
تستمر بؤر التوتر الجيوسياسي حول العالم، وتشمل:
- الحرب في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا
- التوترات في مضيق تايوان بين الصين والولايات المتحدة
- الأزمات والصراعات في الشرق الأوسط
- التصعيد الخطير بين الولايات المتحدة وفنزويلا
ومع تصاعد هذه التوترات، يزداد الإقبال على الذهب بوصفه ملاذاً آمناً، ما يدعم اتجاهه التصاعدي في فترات عدم الاستقرار السياسي والعسكري.
الذهب ضمن المحافظ الاستثمارية
في سياق إدارة المحافظ الاستثمارية، يسهم الذهب في تقليل المخاطر الكلية للمحفظة بفضل ارتباطه المنخفض نسبياً مع الأصول المالية التقليدية مثل الأسهم والسندات.
ومع ذلك، لا يخلو الاستثمار في الذهب من بعض القيود، إذ إنه أصل غير مولّد للدخل، وقد يتعرض لتقلبات قصيرة الأجل مرتبطة بتحركات الدولار أو التغيرات المفاجئة في السياسات النقدية العالمية.
سيناريوهات محتملة للعام 2026
في حال استمرار خفض أسعار الفائدة وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، من المرجّح أن يواصل الذهب اتجاهه التصاعدي. أما في حال تحسن مفاجئ في النمو العالمي أو عودة السياسات النقدية التشديدية، فقد يشهد الذهب فترات من الاستقرار أو تصحيحات سعرية مؤقتة، من دون المساس بدوره الاستراتيجي طويل الأجل.
خلاصة القول، في العام 2026 تظل العوامل التي تدعم مكانة الذهب كأداة تحوط وأمان في بيئة اقتصادية عالمية غير مستقرة قائمة بقوة. وفي ظل التحولات الهيكلية التي يشهدها النظام المالي العالمي، وتزايد توجهات تنويع الاحتياطيات وتقليص الاعتماد على الدولار، يرسّخ الذهب مكانته، لا فقط كملاذ آمن، بل كخيار استثماري استراتيجي متوسط وطويل الأجل، بعيداً عن كونه أداة مضاربة قصيرة الأمد.