الخطة المقترحة: ليبيا تحت الوصاية الأميركية

هل استيقظ ضمير الشيطان الأميركي لحلّ الأزمة الليبية وتسويتها؟ أم أنّ الهدف تأمين المصالح الأميركية في ليبيا ووضعها تحت الوصاية ولو كان ثمن ذلك تقنين الاستبداد وشرعنته؟

0:00
  • لن تنجح واشنطن في وضع ليبيا تحت وصايتها الكاملة.
    لن تنجح واشنطن في وضع ليبيا تحت وصايتها الكاملة.

لم يكن يعلم نجيب محفوظ عندما كتب روايته "الشيطان يعظ" بأنها ستصبح سلوكاً سياسياً دولياً يمضغ الدول وشعوبها، ولا أجد توصيفاً عن ذلك إلّا في التعبير عن السلوك الأميركي تجاه ليبيا؛ ممثّلاً ومُعبّراً عنه في الخطة الأميركية المقترحة لتسوية الأزمة الليبية وحلها.

فواشنطن التي يمتدّ تاريخ إجرامها في ليبيا منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي دخلت فجأة في صحوة ضمير واستدارت صوب ليبيا، والسؤال هل استيقظ ضمير الشيطان الأميركي لحلّ الأزمة الليبية وتسويتها؟ أم أنّ الهدف هو تأمين المصالح الأميركية في ليبيا ووضعها تحت الوصاية ولو كان ثمن ذلك تقنين الاستبداد وشرعنته؟

في لحظة تتزاحم فيها المبادرات قرّرت واشنطن الانتقال من اللعب من وراء ستار في المشهد الليبي إلى النزول للميدان واللعب منفردة متجاوزة الأمم المتحدة، وفي 17 حزيران/يونيو 2026 أُزيح الستار عن خطة أميركية عرّابها مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا؛ ملمح الخطة وظاهرها توحيد المؤسسات المنقسمة تحت سلطة واحدة، وباطنها تشجيع شركات النفط الأميركية على توسيع استثماراتها في ليبيا.

في منطق الصفقات الذي يُجيده ترامب وتنفّذه أذرع إدارته لا يوجد حراك من دون ثمن، وبولس لا يُخفي ذلك فالهدف من الخطة الأميركية المقترحة وضع النفط الليبي تحت الوصاية الأميركية؛ وبالفعل وقّعت كلّ من شركتي كونكو فيليبس وشيفرون الأميركيتين اتفاقيات مع السلطات الليبية خلال عام 2026، ولكنّ تنفيذ العقد يقتضي في العرف الأميركي إيجاد حلّ أو فرض تسوية؛ والمسكوت عنه هنا أنّ واشنطن تتوقّع أن يبلغ حجم إنتاج النفط في ليبيا ثلاثة ملايين برميل نفط يومياً؛ وهذا حافز كافٍ لتفسير الاستدارة الأميركية صوب ليبيا.

لا تُبالي الخطة الأميركية المُقترحة بآليات التحوّل الديمقراطي ولا تنظر إلى الاستقرار السياسي ولا تهتم بتوافق الفرقاء ولا تُقدّم مقاربة حول طبيعة الحلّ في ليبيا؛ ولم تقدّم نصّاً مكتوباً أو خارطة طريق واضحة المعالم محكومة بجدول زمني محدّد؛ اكتفت بالقفز وألقت بالخطة التي تُبقي كلّ شيء على ما هو عليه.

 تثبّت أركان الوضع القائم وأشخاصه؛ وتنقل المشهد الليبي من الانقسام الى التقاسم، ومن الشراكة الى المحاصصة، فالحكومة من نصيب عائلة الدبيبة، والمجلس الرئاسي تتولّاه عائلة حفتر. وبالتالي بدلاً من الذهاب إلى انتخابات وتداول سلمي للسلطة ترسّخ واشنطن وتثبّت حكم العائلات، كما فعلت من قبل في أفغانستان والعراق وغيرها، والنتيجة معلومة سلفاً.

على مدار عقد ونصف العقد وتحديداً منذ سقوط نظام القذافي عام 2011 وليبيا عالقة في مشهد سياسي مسدود الأفق؛ طُرحت خلال تلك السنوات أكثر من 15 مبادرة سياسية، فشلت كلّها في إيجاد الحلّ وبقي المشهد في ليبيا يُراوح مكانه، والدخول الأميركي الآن من بوابة الخطة المقترحة التي يُقدّمها مسعد بولس صهر الرئيس الأميركي ليس استثناء ولا يتوقّع أن تنجح في ما فشل فيه الوسطاء والفرقاء.

صحيح أنه خلال الشهور الماضية أفلحت الخطوات الأميركية في اجتراح حلول ليبية ملموسة واستطاعت أن تحقّق توافقاً بين الفرقاء على موازنة مالية وطنية موحّدة للمرة الأولى منذ عام 2013؛ وتُرجم بعض التوافق في مناورات عسكرية مشتركة في مدينة سرت بإشراف القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، لكنّ هذا غير كافٍ والتوافق الحاصل كان مشروطاً برعاية أميركية. والتقت فيه مصالح الخصوم مع الخطوات والمخطّطات الأميركية.

تتجاوز الخطة الأميركية المقترحة المقاربات التقليدية التي قدّمتها الأمم المتحدة، وتقفز مباشرة إلى هندسة مشوّهة للمشهد، وتتجاهل التعقيدات السياسية والاجتماعية والدستورية ولا تلتفت إليها، تُقدّم الاقتصاد على السياسة؛ والمحاصصة على التوافق، وتضع أمام عينيها وتحتكم لفرضيّة مفادها انتقال ليبيا من إنتاج مليون ونصف مليون برميل نفط يومياً إلى إنتاج 3 ملايين برميل؛ والمطلوب لذلك هو الاستقرار وهو شرط استثنائي لا مطلب رئيسي لازم وواجب. المهم ما تنتجه ليبيا وما تضعه في رصيد شركات النفط الأميركية بغضّ النظر عن الطريقة والثمن والخلفيّة.

الخطة الأميركية المقترحة وقرار واشنطن بالانتقال من مقعد المراقب الى مقعد الموجّه في المشهد الليبي دوافعه لا تلتفت للداخل الليبي ولا تهتمّ به؛ وبالتالي حراك واشنطن محكوم بالمتغيّرات الدولية والإقليمية، وأهمّها تأمين حيازة أكبر كمية من النفط؛ ثم محاصرة النفوذ الروسي، لذلك قفزت الخطة الأميركية لتوحيد المؤسسة العسكرية والسياسية في ليبيا كوسيلة لتأمين الحصول على النفط بالتوازي مع تقويض النفوذ الروسي، واشنطن تريد اللعب منفردة في المشهد الليبي؛ وأيّ طرف دولي أو إقليمي يُريد حصة في ليبيا عليه المرور من البوابة الأميركية.

 التغلغل الأميركي لعمق المشهد الليبي محكوم بمنطق براغماتي مُعلن، غايته فرض الوصاية الأميركية على ليبيا والاستثناء فيه السعي لإيجاد حلّ. ولأنّ الاستقرار مطلب طبيعي مُلحّ استدارت واشنطن إليه ولكنه ليس هو الهدف أو الدافع الرئيسي والوحيد لقفز واشنطن للمشهد، الطاقة والنفط والتمدّد والنفوذ هما محدّدات الدور الأميركي في عموم المنطقة وليبيا ليست استثناء. 

ولكنها تتمتع بأكبر احتياطيات نفط وغاز تُقدَّر بنحو 48–50 مليار برميل من النفط، وهو ما يضعها ضمن أكبر عشر دول في العالم من حيث الاحتياطي النفطي؛ وبالتالي لا تريد واشنطن ألا تكون لها وصاية وحضور ونفوذ في هذا البحر من النفط الذي يرى فيه ترامب وإدارته أحقية من الليبيين أنفسهم.

ليبيا ليست أرض مشاع حتى يتسلّل إليها ترامب وإدارته ظناً منه أنّ مجرّد خطة مقترحة قد تُبيح له ليبيا ليُأمّمها ويفرض الوصاية عليها. الخطة الأميركية في ليبيا لا تختلف عن كثير من الخطط والمبادرات التي قُدّمت ثمّ تعثّرت حتى تلاشت.

ومصير خطة بوليس ليس أفضل حظاً؛ وإن أقرّت بالتقاسم والمحاصصة بين الدبيبة وحفتر وتوزيع السلطة بينهم؛ هذه خطة تمر وسط حقل ألغام، وتفرض الحلّ فرضاً ووصاية وإملاء؛ وتتجاهل ارادة الشعب الليبي وحقّه في الذهاب للانتخابات، وتتجاهل جذور الأزمة وأسبابها وأطرافها بل وحتى حسابات الأطراف الدولية والإقليمية ومصالحها. وبالتالي لن تمرّ.

الردّ على الخطة الأميركية المقترحة مصيرها ومستقبلها لم يتأخّر، وقبل أن تبدأ اصطدمت برفض عسكري وسياسي في مصراته؛ وفي 7 تموز/ يوليو 2026، أعلن المجلس العسكري في مصراتة رفضه واعتراضه القاطع على الخطة الأميركية المُقترحة والأسماء المتداولة فيها، بل ورفض زيارة بولس للمنطقة.

 ودلالة الرفض من مصراتة أنها مسقط رأس حكومة الدبيبة، وأنّ الرفض قد يتدحرج لمناطق ليبية أخرى، وأنه يأتي من مركز نفوذ وثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي في غرب ليبيا. والأهمّ أنّ مصراتة تشترط وتطالب بمحاسبة من ارتكبوا جرائم بحقّ الشعب الليبي؛ في إشارة إلى الحرب التي شنّها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس (2019-2020).

لن تمرّ الخطة الأميركية المقترحة؛ ولن تنجح واشنطن في وضع ليبيا تحت وصايتها الكاملة؛ والحراك الدبلوماسي المكثّف لا يعدو كونه محاولة أميركية تهدف الى الحصول على أكبر قدر من النفط الليبي؛ لكنه حراك يتجاهل الفرقاء واللاعبين الإقليميين ذلك أنّ الاستدارة الأميركية إلى ليبيا جاءت متأخّرة، لأنّ الافتراق في ليبيا بات عميقاُ ممتداً لا يمكن لمجرّد مبادرة أميركية أن تتجاوزه.

إنّ الخطة الأميركية للحلّ في ليبيا تعكس جهلاً أميركياً بالمشهد الليبي ومكوّناته وهي خطة أقرب للوجبات السريعة منها لمبادرات الحلول السياسية القابلة للتنفيذ؛ وينظر إليها الليبيون بعين الريبة، ويعتبرونها محاولة أميركية لإدارة الانقسام بدلاً من إنهائه؛ وإضفاء الشرعية على بعض الوجوه التي تحجّ إلى واشنطن من دون أيّ اعتبار للإرادة الليبية الشعبية وصناديق الانتخابات، وأنّ كلّ ما يهمّ واشنطن من خطتها هو وضع ليبيا تحت الوصاية الأميركية حيث تتقدّم المصالح الاقتصادية والأمنية؛ على الحلّ والتسوية والمصالحة والتحوّل الديمقراطي والاستقرار السياسي.

ختاماً قد تفلح واشنطن في فرض خطتها على المشهد الليبي من خلال الاكتفاء بالمحاصصة والاقتسام بينها وبين أمراء الحرب لضمان تدفّق النفط الليبي، قد تشتري واشنطن بعض الوقت لكنها لن تنجو من ردّة الفعل الشعبية الليبية في مشهد مفخّخ ومفتوح على كلّ الاحتمالات، قد يقبل الليبيون استمرار الانقسام والتعايش معه لكنّهم لن يقبلوا بوصاية أميركية تسرق نفطهم وثرواتهم وتفرض عليهم حُكّاماً شرعيّتهم استرضاء واشنطن.