الحرب على إيران... والدول التي تتألم أكثر!
للحرب الأميركية على إيران، وما تسببت به من تضخم عالمي واضطراب واسع في سلاسل التوريد، دور في تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية في الكثير من دول المنطقة والعالم.
-
من الذي يدفع ثمن الحرب أكثر؟
ما شهدته سوريا مؤخراً من احتجاجات شعبية على خلفية رفع أسعار المشتقات النفطية، لا يمكن قراءته فقط من منظور تطورات الأوضاع الداخلية وطريقة إدارة السلطة الانتقالية الحالية للملف الاقتصادي في البلاد، وإن كان هذا هو الأهم، ولا سيما أن الأشهر الماضية لم تحمل معها لعموم السوريين سوى مزيد من الضغوط المعيشية والاجتماعية، وبالتالي تغولاً أكبر للفقر والحرمان في جميع المناطق، بلا استثناء.
فإلى جانب تلك العوامل الداخلية، فإن للحرب الأميركية على إيران، وما تسببت به من تضخم عالمي واضطراب واسع في سلاسل التوريد، دوراً في تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية في الكثير من دول المنطقة والعالم، والتي بقيت خارج دائرة الاهتمام. فمنذ أن بدأت الحرب الأميركية على إيران نهاية شهر فبراير الماضي، ينصبّ التركيز أساساً على تحليل تبعاتها الاقتصادية على فئتين من الدول:
الفئة الأولى: وتضم الدول النفطية في المنطقة، وتحديداً دول الخليج، التي تأثرت صادراتها المتنوعة بإغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى التأثيرات الأخرى التي طالت قطاعات أساسية كالسياحة والسفر والطيران والترانزيت وغيرها.
الفئة الثانية: وتضم الدول صاحبة الاقتصادات الكبرى عالمياً، كالولايات المتحدة الأميركية والصين والهند وروسيا والدول الأوروبية، وكل منها بحسب جوانب تأثرها وحجم خسائرها وأضرارها وقدرتها على التكيف مع الأوضاع الجديدة.
أما الدول الأخرى الأقل شأناً، أو التي تعاني أوضاعاً اقتصادية صعبة لأسباب مختلفة، وما أكثرها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، فإن تناول أضرارها من جراء هذه الحرب غالباً ما يكون مرهوناً بصدور تقرير أممي هنا، أو توقعات نمو لمؤسسة دولية هناك، أو أنه يقتصر على نشر أخبار ومعلومات موجزة وسريعة.
لا شك في أن إجمالي الخسائر الاقتصادية التي مُنيت بها دول مثل الإمارات أو قطر أو الكويت وغيرها، أكبر بكثير من إجمالي الخسائر التي لحقت بدول أخرى في المنطقة، من قبيل اليمن وسوريا ولبنان والسودان وغيرها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى إجمالي خسائر دول كبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين أو الهند وغيرها، مقارنة بخسائر دول أخرى في أفريقيا وآسيا.
لكن عند الانتقال إلى مقارنة أضرار الحرب من منظور حياة الناس، سنجد أنه في الوقت الذي تخسر فيه دول مليارات الدولارات من جراء السياحة المفقودة وتوقف صادرات النفط وانخفاض الطلب على السلع الاستهلاكية، فإن هناك دولاً أخرى يخسر فيها مواطنوها معركتهم ضد الجوع والحرمان، وربما الحياة أيضاً.
وهذا يعني أن الدول الصغيرة والضعيفة اقتصادياً هي التي تدفع اليوم الضريبة الأكبر من جراء هذه الحرب. وبحسب ما يقول صندوق النقد الدولي، فإن الصدمة غير متكافئة، إذ إن مستوردي الطاقة والدول الأفقر ذات الاحتياطيات والهوامش المالية المحدودة أكثر تعرضاً لها. كما يشير إلى أن الغذاء يمثل، في المتوسط، نحو 43% من إنفاق المستهلك في البلدان منخفضة الدخل، مقابل 25% في الاقتصادات الناشئة و12% في الاقتصادات المتقدمة.
ومن غير المستبعد أن يتكرر ما حدث في سوريا لدى دول أخرى، بعضها يعاني أوضاعاً اقتصادية صعبة، وبعضها الآخر يبدو مستقراً إلى حد ما. إلا أن استمرار الحرب وتفاقم خسائرها وعجز الحكومات الوطنية عن معالجة تداعياتها، كلها عوامل يمكن أن تفتح الباب أمام تكهنات بحدوث اضطرابات وأحداث غير متوقعة، أو، على الأقل، أن تزيد من عمق الأزمات الاقتصادية في هذه الدول، وتجعلها أقل استقراراً سياسياً واجتماعياً.
وتأكيداً على خطورة ذلك، جاء بيان المؤسسات الدولية الثلاث، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي، الذي حذرت فيه هذه المؤسسات من أن ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والنقل سيؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء وانعدام الأمن الغذائي، خصوصاً في الاقتصادات منخفضة الدخل والمعتمدة على الاستيراد.
ففي الصومال، مثلاً، قد يعجز نحو 2.5 مليون شخص عن تحمل تكلفة الغذاء الأساسي في العام الحالي، وفقاً لتقديرات أممية، فهذا البلد يستورد جميع احتياجاته النفطية ونحو 90% من الحبوب. أما السودان، فهو الآخر يعاني من مستوى حاد من انعدام الأمن الغذائي، وبالتالي فإن أي زيادة في الأسعار يمكن أن تحمل معها صدمة أخرى شديدة.
وكذلك هي الحال بالنسبة إلى اليمن وفلسطين ولبنان، المعتمد كلياً على الواردات النفطية وبشكل كبير على الواردات الغذائية، والذي يجد نفسه في مواجهة أعباء إضافية سببها العدوان الإسرائيلي، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالمياً، وتراجع حجم التحويلات المالية.
وحتى الدول العربية الأخرى الأكثر استقراراً على المستوى السياسي، مثل مصر والأردن وغيرها، فإن اعتمادها على الواردات وتدنّي القوة الشرائية لمداخيل مواطنيها يرفعان من مستوى حساسيتها لارتفاع أسعار الطاقة والنقل والغذاء، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى اشتداد الضغوط الاقتصادية على الإنفاق الحكومي والوضع المعيشي لشريحة واسعة من الأسر.
أمام هذه التداعيات الكارثية للحرب، فإن المنطقة العربية كلها ستكون عرضة لضغوط اقتصادية قد تستمر لسنوات عدة، وهي، من دون شك، ستؤثر في استقرار تلك الدول سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وعلى مستقبل سكانها وحقهم في حياة كريمة وإنسانية تكفلها جميع الشرائع والقوانين.
فالحرب لم ترفع فقط سعر برميل النفط، وإنما هناك أكثر من 12 قطاعاً وسلعة ونشاطاً تسببت الحرب الحالية في ارتفاع أسعارها ونقص كمياتها، من الغاز والأسمدة إلى الحبوب والشحن والسياحة والتحويلات وأسعار الفائدة وتكلفة الإقراض وغيرها.
فماذا ستفعل الولايات المتحدة حيال ذلك؟ هل ستوفر مزيداً من التمويل لبرنامج الأغذية العالمي ليوفر قدراً قليلاً من الغذاء لبعض الأسر المتضررة؟ أم أنها ستقيم مشروعات استثمارية ذات أهداف اجتماعية في تلك الدول، وهي التي لم تتحمل، ولو لمرة واحدة، المسؤولية الأخلاقية والإنسانية والاقتصادية عما تسببت به من حروب ونزاعات في المنطقة والعالم؟
ربما يكون السؤال الأهم اليوم، والذي يجب على المؤسسات الاقتصادية العربية أن تجيب عنه بموضوعية وعلمية، هو: من الذي يدفع ثمن الحرب أكثر؟
إن قياس الخسارة بالناتج المحلي أو بالمليارات لا يكفي، وليست هذه بالضرورة هي الصورة الأهم للألم الناتج عن هذه الحرب. فالمؤشر الأكثر أهمية بالنسبة إلى دول كثيرة يبقى عدد الأسر التي فقدت القدرة على شراء الغذاء والوقود، وحجم الإنفاق الحكومي الذي جرى تحويله من الصحة والتعليم والتنمية إلى مواجهة صدمة الأسعار، ومحاولة وقف زحف الفقر وانعدام الأمن الغذائي بين السكان.