الحرب ضد إيران.. تغيير النظام أم التركيع!
على كل شرفاء المنطقة العربية والإسلامية أن يعوا جيداً أن حديث ترامب ومن قبله كل الرؤساء الأميركيين عن "تغيير الأنظمة" عبر الأساليب السرية منها والمعلنة وكلها دموية، لا يهدف إلا لشيء واحد ألا وهو خدمة الكيان العبري.
-
الاهداف الخفية للحرب على إيران.
في العديد من تصريحاته المتناقضة حدد الرئيس ترامب أهداف الحرب ضد إيران بأنها للقضاء على برنامجها النووي وصواريخها البالستية، ومنعها من قتل شعبها، وبالتالي التخلص من نظامها الذي يشكل خطراً على أميركا وأمن المنطقة والعالم.
وعندما سألت إحدى الصحافيات أحد أعضاء الكونغرس الأميركي "كيف علمتم أن إيران تشكل خطراً على أميركا، أجاب "إنهم يهتفون الموت لأميركا" فيما قال عضو آخر "حربنا مع إسرائيل ضد إيران حرب دينية تقودها التوراة".
وبعد التذكير بأن أميركا هي التي ساعدت الشاه للقضاء على جمهورية مهاباد الكردية التي أسسها قاضي محمد عام 1946 بدعم من السوفيات، فالتاريخ يتحدث عن التآمر البريطاني - الأميركي لإطاحة حكومة مصدق وإعادة الشاه إلى السلطة بعد انقلاب 1953، والذي دبره الأخوان جون فوستر دالاس (وزير خارجية ) و آلان والش دالاس ( رئيس السي آي ايه ) وبتمويل كرمين روزفلت حفيد الرئيس الأسبق تيودور روزفلت.
وكان بدوره التقى في الـ14 من شباط/ فبراير 1945 مع الملك عبد العزيز لتصبح السعودية بعد ذلك بموقعها وبترولها ودينها ومذهبها خندقاً أمامياً للدفاع عن المصالح الإمبريالية والصهيونية ضد المد السوفياتي الشيوعي والقومي الناصري، وهو ما زالت تقوم به وهذه المرة ضد أعداء التحالف الصهيو - إمبريالي كما هي الحال في سنوات ما يسمى الربيع العربي.
فقد لعبت السعودية دوراً أساسياً ومعها تركيا وقطر والإمارات والأردن في تمويل وتسليح ودعم كل القوى والمجموعات التي جرى تحريضها للتمرد على حكامها في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا ون دون أن تهمل معاً التآمر على لبنان والعراق أيضاً.
ومع أن الشعار الذي تبنته حكومات هذه الدول بناءً على تعليمات وأوامر التحالف الصهيو-أميركي كان "الشعب يريد إسقاط النظام" إلا أنها لم تسمح للشعب في البحرين الذي تمرد لإسقاط نظام آل خليفة كما تصدت هي للشعب السعودي الذي خرج إلى الشوراع في بدايات الربيع العربي مطالباً بإسقاط النظام.
وبالتذكير بما آلت إليه الأمور بعد إسقاط نظام بن علي في تونس ثم مبارك في مصر والقذافي في ليبيا وعلي عبد الله صالح في اليمن، فالجميع يعرف أن سوريا كانت الهدف الأهم في خطة التآمر الصهيو-أميركي، لما لهذا البلد من دور استراتيجي في الدفاع عن القضايا الوطنية والقومية في المنطقة، ومنذ أن وقفت إلى جانب الثورة الإسلامية في إيران عندما تعرضت للعدوان العراقي في عهد صدام حسين المدعوم من أنظمة الخليج.
وكانت ومازالت تأتمر بأوامر التحالف الصهيو-أميركي الذي استعبد هذه الأنظمة التي جعلت من أوطانها قواعد عسكرية واستخبارية للتحالف المذكور. وهنا لا بد من التذكير بالعداءات الشخصية والعشائرية بين هذه الأنظمة، كما هي الحال في التوتر الخطير بين كل من السعودية والإمارات والبحرين، وبدعم من مصر ضد قطر المدعومة من تركيا في حزيران يونيو 2017، والتوتر الأخير بين السعودية والإمارات في اليمن الذي تعرض في مارس/ آذار 2015 للعدوان الغاشم من الدولتين، وبدعم معظم حكام المحميات الخليجية في البداية.
وحتى إذا تجاهلنا ما قيل وكتب عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي جرى الإعلان عنه في يونيو/ حزيران 2004 وكان الهدف منه وفق اعترافات كونداليزا رايس إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد، بعد تقسيم العديد من دولها، وهو ما تحقق في اليمن والسودان والصومال وليبيا، والآن في سوريا، ولاحقاً العراق ثم إيران، وأخيراً منطقة الخليج برمتها، فقد بات واضحاً أن الحديث عن "تغيير الأنظمة" وفق التعريف الصهيو-أميركي لا يعني بالضرورة التغيير نحو الأفضل لشعوب تلك الدول، بل التغيير خدمة لمصالح التحالف الصهيو - أميركي. هذا إذا تجاهلنا أن ما يجب تغييره في المنطقة كان بالضرورة هو أنظمة الدول الخليجية التي تفتقر لأبسط معايير الديمقراطية وحرية الصحافة والتعبير عن الرأي، باستثناء أولئك الذين باعوا ضمائرهم وأقلامهم لحكامهم المتواطئين مع واشنطن وأداتها الإجرامية "تل أبيب".
وهنا لا بد من الحديث عن تجربتين مهمتين تثبتان الفهم الحقيقي لتعريف عملية التغيير وفق المعايير والمقاييس الإمبريالية والصهيونية التي قامت بما قامت به، ليس فقط في منطقتنا، بل في العالم أجمع منذ قيام الولايات المتحدة الأميركية قبل 250 عاماً والكيان العبري منذ 78 عاماً.
فالتجربة الأولى كانت في أفغانستان عندما استنفرت واشنطن ولندن و "تل أبيب" كل حليفاتها في المنطقة، وأهمها الرياض وأبو ظبي وإسلام أباد، لدعم المجموعات والفصائل الجهادية الأفغانية بمختلف أعراقها ومذاهبها، وطلبت منها القتال ضد الاحتلال السوفياتي.
وعندما انتهى الاحتلال وبدأت الفصائل والمجموعات المذكورة تتصارع فيما بينها، دفعت العواصم المذكورة بأسامة بن لادن إلى أفغانستان، وعبر باكستان، التي انطلقت منها المجموعات الأولى من حركة طالبان، وبدعم العواصم المذكورة التي ساعدتها لاستلام السلطة في كابل في أيلول/ سبتمبر 1996.
وجاءت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وتناقضت السيناريوهات الخاصة بها، لتدفع واشنطن و"تل أبيب" ولندن لتعيد النظر في تحالفها مع "الإسلام السني المتطرف"، ودفعها ذلك لوضع خطة جديدة للتخلص من طالبان بحجة "نظامها المتخلف"، فقامت باحتلال أفغانستان في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2001.
ومع أن هذا الغزو والاحتلال لم يجعلا من أفغانستان "دولة ديمقراطية حتى بالمعايير الأميركية"، وجدت واشنطن نفسها مضطرة للانسحاب من هذا البلد المسلم في أغسطس/ آب 2021، وللتفرغ لقضايا أخرى وأهمها الشرق الأوسط مع تزايد الاهتمام بالملف السوري وفق اعترافات السفير الأميركي الأسبق في سوريا روبرت فورد، الذي اعترف بلقاءاته مع أبو محمد الجولاني لإعداده للمرحلة اللاحقة، أي إيصاله إلى السلطة في دمشق.
ويفسر كل ذلك التطورات اللاحقة في سوريا والمنطقة بعد العدوان الصهيوني على غزة ثم لبنان، لينتهي مطاف التآمر الصهيو-أميركي بإسقاط نظام الأسد، ليحل محله "نظام ديمقراطي رائع ومثالي بكل المعايير والمقاييس الدولية"، وبعد أن قال الرئيس ترامب إنه هو الذي جاء بأبو محمد الجولاني بموافقة تركيا والسعودية و "إسرائيل" ليكون رئيساً للبلاد، ناسياً أنه هو الذي وضع شخصياً عندما كان رئيساً لأميركا عام 2017 مكافأة بقيمة عشرة ملايين دولار لمن يدلي بأي معلومات عن الجولاني، بصفته أخطر إرهابي، لا فقط بالنسبة لأميركا بل للعالم أجمع.
وكما نسي ترامب المختل نفسياً وأخلاقياً، والذي حرّض أتباعه لاحتلال مبنى الكونغرس بعد أن خسر الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، حقيقة الواقع الأفغاني تحت حكم طالبان، التي لا علاقة لها بأيّ من معايير الديمقراطية/ بما فيها الانتخابات أو الاعتراف للنساء بأي من الحقوق التي يتذرع بها ترامب في حديثه عن تغيير النظام في إيران.
فيما لا يخطر على بال أحد أن حال المرأة والديمقراطية في معناها الحقيقي في إيران، أحسن بكثير من جميع دول الخليج، التي لا يوجد فيها برلمانات أو انتخابات أو وسائل إعلام مستقلة، بل وحتى أي صوت معارض، كما هي الحال في إيران، حيث يفوز الإصلاحيون دائماً في الانتخابات الحرة، ومع ذلك عاداهم الغرب الإمبريالي، كما هي الحال في اتفاق طهران مع مجموعة الخمسة + 1 في نسيان/ إبريل ،2015 وإلغاء ترامب لهذا الاتفاق في مايو/ أيار 2018 .
وفي جميع الحالات وأياّ كانت النتائج المحتملة للعدوان الصهيو -أميركي على إيران ولبنان التي فيها "نظام ديمقراطي مثالي" تم من خلاله "انتخاب" الثنائي جوزاف عون - نواف سلام، فعلى كل شرفاء المنطقة العربية والإسلامية أن يعوا جيداً أن حديث ترامب، ومن قبله كل الرؤساء الأميركيين، عن "تغيير الأنظمة" عبر الأساليب السرية منها والمعلنة، وكلها دموية، لا يهدف إلا لشيء واحد، ألا وهو خدمة الكيان العبري بنصوصه الدينية وسفسطاته التاريخية التي ترى في دول وشعوب وحكام المنطقة من النيل إلى الفرات عبيداً لليهود.
ويعرف الجميع أنهم كانوا يعشقون الشاه، وهم الآن يعادون الشعب الإيراني فقط لأنه تخلص منه ومن نظامه الفاسد والاستبدادي الديكتاتوري الإجرامي العميل للتحالف الصهيو- أميركي وحلفائه، الذين كانوا أصدقاء للشاه المخلوع، ولم يعترض أحد منهم على برنامجه النووي المدعوم إمبريالياً، ولم يخطر على بالهم جميعاً أنه كان شيعياً!