الجيل الثالث للثورة: "معضلة" ترامب ونتنياهو

خلّفت الصواريخ الأميركية - الإسرائيلية الكثير من الموت والدمار والغبار، لكنه، وقبل أن ينجلي، انجلت حقيقة الجيل الثالث للثورة الإسلامية في إيران.

0:00
  • الجيل الثالث للثورة:
    الجيل الثالث للثورة: "معضلة" ترامب ونتنياهو

لا تُكشف كل خلفيات الحروب إلا بعد فترة طويلة منها، لكن بعض ما كُشف من مؤامرات ثنائي العدوان، واشنطن وتل أبيب، كان تحويل الحربين الأولى والثانية على إيران إلى "فرصة"، كما يراها المعتدي، لانقلاب الجيل الجديد على الدولة والثورة، قبل أن يخيب ظنهما.

خلّفت الصواريخ الأميركية - الإسرائيلية الكثير من الموت والدمار والغبار، لكنه، وقبل أن ينجلي، انجلت حقيقة الجيل الثالث للثورة الإسلامية في إيران. فالصواريخ الأميركية - الإسرائيلية حوّلت "الغاضبين" من بعض السياسات الاقتصادية الداخلية إلى ناقمين على الخارج، وتحديداً على ثنائي العدوان.

سوء التقدير في قراءة واشنطن وتل أبيب للمجتمع الإيراني هو أنهما ساوتا بين الغضب من بعض السياسات الداخلية والاستعداد للانقلاب على الدولة. لكن العدوان كشف الفارق بين الاثنين؛ فالشاب الذي ينتقد الاقتصاد أو يختلف مع المسؤولين في شكل الحياة قد يتحول، عند تعرض بلاده للهجوم، إلى أكثر المدافعين عنها. لأن الخلاف مع السلطة يبقى شأناً داخلياً، أما الصواريخ الآتية من الخارج فتعيد رسم الحدود بين النقد والخيانة، وبين الاختلاف والاصطفاف الوطني.

فكم من معارِضة ومعارِض أنشدوا للثورة عقب الحرب الإسرائيلية صيف عام 2025؟ وكم من شابة وشاب كانت السياسة خارج اهتماماتهم، حوّلهم العدوان المزدوج عام 2026 إلى "ثوار جدد"؟

ولم يكن هذا التحول نتيجة خطاب رسمي أو تعبئة منظمة، وإنما نتاج تجربة شخصية عاشها الشباب تحت القصف. فمن فقد قائداً أو قريباً، أو شاهد مدينته تحت النار، لم يعد يتعامل مع الواقع باعتباره سجالاً سياسياً بعيداً، بل بوصفه تهديداً مباشراً لهويته ومستقبله.

هنا، تحولت الثورة الإسلامية، بالنسبة إلى جيل لم يعش لحظة تأسيسها، من حدث قرأ عنه في الكتب إلى تجربة اختبرها بنفسه. وهذا ربما ما يفسر ولادة ما يمكن تسميته بالجيل الثالث للثورة: جيل لا يشبه الأجيال السابقة في مظهره وأسلوب حياته، لكنه يلتقي معها في لحظة الدفاع عن البلاد.

فعلى مدى أكثر من 40 حلقة من برنامج "تفاعلات"، ضمن تغطية الميادين للعدوان على إيران، كان الشباب الإيراني، باختلاف أفكاره وتوجهاته، الجزء الأساس من ضيوف هذه المساحة.

اختلفت الضيفات في كيفية وضع الحجاب على الرأس، بين حجاب كامل وحجاب تقليدي، أو حتى أولئك اللواتي وضعنه احتراماً لقائدهن الشهيد السيد علي خامنئي. وبين الشباب اختلاف كبير في الملابس، بين الكلاسيكية والعصرية. وخلف هذه الأزياء انعكاس لأسلوب حياة أو نمط تفكير، لكنه منفصل تماماً عن قناعة وطنية راسخة بالدفاع عن البلاد وعن القائد الشهيد، باللسان والإعلام.

سارة شفيعي، شابة عشرينية غير محجبة، زلزلت مواقع التواصل بإحراقها علم "إسرائيل" لتشعل به سيجارة. هكذا عبّرت سارة عن انتمائها إلى وطن القائد والأب الشهيد خامنئي.

في مقابلتها مع الميادين، تقول سارة إنها كانت من الذين يعتقدون أن المسؤولين في العالم متشابهون، سواء داخل إيران أم خارجها، لكن العدوان بيّن لها أن المسؤولين منقسمون إلى معسكرين. وعند سؤالها عن المعسكرين، قالت: معسكر المقاومة والحق، إيران وحلفاؤها، ومعسكر "منظومة إبستين"، أميركا و"إسرائيل" وحلفاؤهما.

ليست سارة وحدها ممن غيّر الاستشهاد حياتهم. بوريا روستمي، رياضي إيراني، كانت حياته قبل العدوان منصبّة على التدريب واللياقة البدنية واحتساب السعرات الحرارية.

يقول في مقابلته مع الميادين إن استشهاد القائد جعله "يكسر صمته". ماذا يعني ذلك؟ سألته في المقابلة، فقال إن الشعور بخسارة القائد والأب، الذي كان يهتم بأصغر تفاصيل أبنائه الإيرانيين، جعله يبكي "كالمجنون"، ودفعه إلى المشاركة في كل مراسم تشييع السيد الشهيد في طهران وقم ومشهد وكربلاء والنجف.

رد فعل على الاستشهاد يحتاج إلى الوقوف عنده وعند خلفياته. ويوضح بوريا أن الشهيد قائد لا يتكرر، وشخصية نزعت الأنانية والفردانية من قلوب الشباب، ليس الإيرانيين منهم فقط، بل العرب وغير العرب، ودفعتهم ليكونوا عوناً لكل مستضعف في الأرض.

سلالة طاهري، شابة إيرانية، لديها أسلوبها الخاص في الحياة. ترتدي الحجاب، لكن بطريقتها، وتروي أفكارها بطريقتها. لكنها أبدعت خلال الحوار مع الميادين بشأن جاهزيتها للانتقام لقائدها. ألا تخافين من عودة الحرب والقصف؟ أسألها خلال الحوار، فتقول مبتسمة: لا يوجد أعظم من أن أُقتل فداءً لوطني.

محمد فاريفار، المعروف بـ"نيمار"، الذي وصل إلى استوديو الميادين في طهران مرتدياً الـ"هودي" العصرية، اكتشفت قبل الحلقة أنه يتحدث الفرنسية والإنكليزية إلى جانب الفارسية، ويسخّر معرفته اللغوية لنقل واقع شباب إيران إلى العالم، وقد نجح في ذلك.

فقد ثبّت في صفحته منشوراً يظهر فيه مع أصدقائه رافعاً صورة عملاقة للشهيد خامنئي أمام برج آزادي، مع عبارة: "اللهم لا نعلم منه إلا خيراً"، لتصل إلى عشرات آلاف المتابعين من خارج إيران.

وربما كان الخطأ الثاني في حسابات ثنائي العدوان اعتقادهما أن الابتعاد عن المظاهر التقليدية يعني، بالضرورة، الابتعاد عن الهوية الوطنية والثورية. غير أن الحجاب المختلف، والملابس العصرية، واللغات الأجنبية، والحضور الكثيف في مواقع التواصل، لم تجعل هؤلاء الشباب أقل ارتباطاً بإيران، بل منحتهم أدوات جديدة للدفاع عنها.

لقد ظهر جيل قادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغتهما، وعلى تحويل تجربته الشخصية إلى رواية إعلامية مضادة للسردية الأميركية والإسرائيلية. عشرات الضيوف المشابهين لنيمار وسارة وسلالة وبوريا، لكل منهم روايته ونمط حياته، لكنهم كشفوا جميعاً خطأ الرهان على تفكك المجتمع الإيراني من الداخل.

فالعدوان أعاد ترتيب أولوياتهم، وحوّلهم من شباب منشغلين بحياتهم اليومية إلى جبهة تدافع عن الوطن والقائد والرواية الإيرانية. وهنا تحديداً تكمن معضلة ترامب ونتنياهو: أنهما أرادا صناعة جيل ينقلب على الثورة، فأسهما في ولادة جيل جديد منها.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.