الجزائر وسوريا.. تحالف ضرورة لا تقارب مبادئ

زيارة الشيباني للجزائر تعني حدوث تحولات في محددات السياسة الخارجية لكلا البلدين، وتعني أن البراغماتية الواقعية والمنفعية المتبادلة والمصلحية الاقتصادية هي من يحكم العلاقة.

0:00
  • متى ظهرت ملامح الاستدراك الجزائري لضرورة الاستدارة الى سوريا الجديدة؟
    متى ظهرت ملامح الاستدراك الجزائري لضرورة الاستدارة إلى سوريا الجديدة؟

دشنت الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني يرافقه رئيس جهاز الاستخبارات العامة السوري حسين السلامة إلى الجزائر في 4 حزيران/ يونيو 2026، ولقاؤه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون؛ ثم وزير الخارجية الجزائرية أحمد عطاف وعدد من الوزراء مرحلة جديدة من العلاقة بين البلدين، ملمحها المُعلن إعادة بعث آليات التعاون الثنائي بين البلدين وتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية.

والملاحظ حرص كلٌّ من الجزائر وسوريا على إبقاء علاقاتها رغم تبدل الظروف والنظام وتجاوز فترة البرود الطارئ الذي شهدته العلاقة بينهما عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، فما هي محددات كلّ من سوريا والجزائر وهل تلك المحددات ثابتة أم تغيرت؟، وما هو مستقبل العلاقة وأهدافها ودلالة التقارب في هذا التوقيت؟.

أهمية الزيارة أنها أول زيارة لمسؤول سوري إلى الجزائر منذ سقوط نظام بشار الأسد، وأنها تأتي بعد أكثر من عام على زيارة أجراها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى دمشق في شباط/ فبراير 2025، وأنها تخالف تحليل مدارس السياسة الخارجية التي تقول بأن حدوث أزمة كُبرى أو تغيير في رأس النظام بالثورة أو الانقلاب في أي بلد تفضي إلى إحداث تغيير جذري في سياسته الخارجية، ولكن هذا لم يحدث في سياسة الجزائر تجاه سوريا والعكس، ويبدو أن كلا البلدين يتجهان صوب تعزيز العلاقة ما يعني ثبات السياسة الخارجية لا تغيرها.

في حيثيات زيارة وزير الخارجية السوري للجزائر ودلالاتها نلحظ مُلاحظتين مُهمتين يتوقف عليهما فهم محددات العلاقة ومساراتها الأولى: أن الجزائر هي من استدارت وبادرت أولاً إلى سوريا الجديدة وأرسلت وزير خارجيتها قبل عام تقريباً إلى سوريا، وعينت في حزيران/ يونيو 2025 سفيراً جديداً لها في سوريا هو الدبلوماسي عبد القادر قاسمي الحسيني. الثانية: أن سوريا استغرقت أكثر من عام لترد الزيارة للجزائر وقبل زيارة الجزائر كان وزير خارجيتها قد زار المغرب أولاً.

ملامح الاستدراك الجزائري لضرورة الاستدارة إلى سوريا الجديدة بدأت مع زيارة وزير الخارجية الجزائرية أحمد عطاف إلى سوريا في شباط/ فبراير 2025، ولقائه نظيره أسعد الشيباني كانت تلك الزيارة علامة فارقة في سياسة الجزائر تجاه سوريا ورغبة مُعلنة من الجزائر بالتحرر من قيود العلاقة من إرث النظام السوري السابق.

 وكان اللافت في زيارة الوزير الجزائري لسوريا تلك الرسالة الخطية التي بعث بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إلى نظيره السوري أحمد الشرع، ووصف بيان الخارجية الجزائرية، الشرع برئيس الجمهورية العربية السورية، وبالتالي كان هذا استدراكاً واعترافاً جزائرياً رسمياً بالنظام الجديد في سوريا. لكنه يبدو لم يكن كافياً آنذاك من وجهة النظر السورية التي تأخرت في زيارة الجزائر. ربما لأن الجزائر تأخرت في تهنئة الشرع بتولي منصب الرئاسة.

يذكر أنه قبل زيارة وزير الخارجية الجزائري لسوريا بأيام، كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في حوار أجراه في 3 شباط/ فبراير 2025 مع صحيفة "لوبينيون" الفرنسية، أنه أرسل مبعوثاً للرئيس المخلوع بشار الأسد قبل سقوطه، مؤكداً أن "الجزائر اقترحت - بموافقة الأمم المتحدة- أن تكون وسيطاً لكي يتحدث الأسد مع معارضيه، إلا أن الأمر لم يؤت أكله".

 

وتأتي زيارة الشيباني للجزائر في بيئة إقليمية وتوقيت غاية في الأهمية، وبالتالي فهي ليست مجرد زيارة دبلوماسية تقليدية ذات بروتوكول معين، لكنها زيارة محملة بالأبعاد والدلالات وتمتد تبعاتها إلى ما هو أبعد من الجغرافيا الجزائرية والسورية، والأهم أنه يغلب عليها البعدان الأمني والاقتصادي. 

زيارة الشيباني للجزائر لا تدشن مرحلة عادية تقليدية من العلاقة مع الجزائر بل تفتتح مساراً جديداً بمحددات وأولويات جديدة أهمها الأمن وهو ما يفسر مرافقة وحضور رئيس جهاز الاستخبارات السورية حسن سلامة إلى اللقاء، ومن طرف الجزائر شارك في اللقاءات المدير العام للوثائق والأمن الخارجي أحد أفرع الاستخبارات الجزائرية العميد رشدي فتحي موساوي.

الزيارة تدشن إذاً مساراً أمنياً بين البلدين وهو ما يقتضي بناء الثقة بين الأجهزة الأمنية الجزائرية والسورية، والتنسيق الدائم والمشترك بينهما، لا سيما على صعيد تبادل المعلومات والمعطيات والخبرات الأمنية. إن بروز المحدد الأمني يعني أن هناك إعادة ترتيب وتقييم للعلاقة الأمنية بين سورية والجزائر، ومعالجة بعض الإشكالات الأمنية السابقة والملفات العالقة والمسكوت عنها مثل ملف إطلاق سراح معتقلين جزائريين في سوريا، بالإضافة إلى معتقلين آخرين من البوليساريو.

 ما يعني أن الزيارة تُعيد تعريف العلاقات الأمنية بين الجزائر وسوريا كمقدمة لبناء علاقات وشراكات اقتصادية، ولكن حتى اللحظة العلاقة محكومة بالبعد الأمني، صحيح أن وزارة الطاقة الجزائرية أرسلت فريقاً فنياً من شركة "سونلغاز" الحكومية إلى سوريا، للمساعدة في إعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء المتضررة، وقد أجرى الفريق الجزائري عمليات تشخيص لإعداد خطة عمل مفصلة لاستعادة وتطوير أنظمة إنتاج وتوزيع ونقل الكهرباء في سوريا. ولكن هذا لا يعني أن العلاقة خالية من مطبات أمنية وإقليمية فلكل طرف حساباته في الاستدارة صوب الطرف الآخر.

مثلما يحضر البعدان الأمني والاقتصادي في محددات العلاقة فإن البعد الإقليمي هو الآخر حاضر، فالشيباني قبل شهر من زيارته للجزائر كان في زيارة رسمية إلى المغرب، وأعلن من هناك إعادة فتح سفارة بلاده في العاصمة المغربية بعد أكثر من عقد من القطيعة السياسية بين البلدين. والسؤال في قراءة نتائج زيارة الشيباني للجزائر وترجمتها إلى خطوات ملموسة سياسياً ودبلوماسياً هل ستفضي زيارة الشيباني للجزائر إلى تسمية سفير جديد لسوريا في الجزائر، حيث أن السفارة السورية في الجزائر من دون سفير ولا قائم بأعمال منذ سقوط نظام بشار الأسد، رغم أن الجزائر عينت سفيراً لها في سوريا منذ عام تقريباً.

زيارة الشيباني إلى الجزائر وحفاوة الاستقبال ولقاؤه الرئيس عبد المجيد تبون وكبار المسؤولين والوزراء الجزائريين، تعني أن الجزائر تتجه إلى تحول إجرائي في محددات سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية، ولا يقتصر الأمر على استدارتها واستدراكها لسوريا بل بدا ذلك واضحاً في موقفها من الحرب الأميركية على إيران، هذا ليس تحولاً محدوداً بل تغيراً وانقلاباً في سياسة الجزائر الخارجية يغلب فيها البعد البراغماتي والاقتصادي والمصلحي فوق أي اعتبار آخر.

 الجزائر في استدارتها لسوريا تُريد التحرر من الإرث العسكري الداعم لنظام بشار الأسد، وتُريد وهذا هدف لا يقل أهمية إقناع سوريا الجديدة بإعادة موقفها من جبهة البوليساريو، خاصة أن هناك حديثاً عن اتجاه لإغلاق مكاتب تمثيل جبهة البوليساريو في سوريا. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الجزائر ليكون لها حضور سياسي في منطقة المشرق العربي وبلاد الشام من خلال الدخول من البوابة السورية ما يمنحها دوراً ومساحة أكبر في الملفات العربية تضمن لها حضوراً في المنظمات الدولية والإقليمية العربية والأفريقية.

​مثلما تريد الجزائر تأكيد ريادتها الدبلوماسية وتأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية، تبحث سوريا عن حليف عربي قوي يدعم مسارها السياسي الجديد ويخفف عنها وطأة الأزمات الداخلية. فعبارة زيارة تاريخية التي وصفت بها الخارجية السورية زيارة الشيباني للجزائر، والحفاوة التي استقبل بها في الجزائر؛ تعكس إدراك الطرفين بأن العلاقات انتقلت من مرحلة الروابط إلى مرحلة المصالح المشتركة. كما أن الجمع بين الشقين السياسي والأمني يدل على أن العلاقات بين البلدين تنتقل من مرحلة التضامن والتاريخ إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية المؤسسية.

ختاماً، زيارة الشيباني للجزائر تعني حدوث تحولات في محددات السياسة الخارجية لكلا البلدين، وتعني أن البراغماتية الواقعية والمنفعية المتبادلة والمصلحية الاقتصادية هي من يحكم العلاقة ويُحددها لا التاريخ والجغرافيا والمواقف العاطفية؛ وبالتالي نحن أمام تحالف ضرورة لا تقارب مبادئ.