الترسيم البحري في شرق المتوسط: هل يتحول النزاع إلى تكامل مصري-ليبي-تركي؟

تعود جذور الأزمة إلى عام 2019، حين وقّعت حكومة الوفاق الوطني (طرابلس) وتركيا مذكرتي تفاهم بحرية وأمنية، دخلت البحرية منهما حيّز النفاذ فوراً، بينما رفضهما مجلس النواب في 2020 وقطع العلاقات مع أنقرة.

0:00
  • المصالح الاستراتيجية للدول الثلاث: نحو منطق الشراكة.
    المصالح الاستراتيجية للدول الثلاث: نحو منطق الشراكة.

في جلسته التي انعقدت بمدينة بنغازي يوم الثلاثاء الـ20 من تشرين الأول/أكتوبر 2026، صادق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية الموقّعة مع تركيا عام 2019، لتصبح وثيقة نافذة معززة ، ومرجعاً تفاوضياً لأنقرة، وغطاءً برلمانياً يعكس وحدة الموقف الليبي الذي كان مفقوداً حين وقّعتها طرابلس.

تمثل المنطقة البحرية المتنازع عليها بين الدول الخمس الرئيسة (ليبيا وتركيا ومصر واليونان وقبرص) شرياناً حيوياً للطاقة والاقتصاد العالمي، إذ تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (2010) لحوض شرق المتوسط الأوسع إلى نحو 3.45 تريليونات م³ غاز و1.7 مليار برميل نفط قابلين للاستخراج تقنياً، فضلاً عن كونها ممراً محتملاً لخطوط أنابيب الغاز ومشاريع الربط الكهربائي التي تسعى أوروبا لتأمين إمداداتها عبرها.

الخلفية والمسار الزمني

تعود جذور الأزمة إلى عام 2019، حين وقعت حكومة الوفاق الوطني (طرابلس) وتركيا مذكرتي تفاهم بحرية وأمنية، دخلت البحرية منهما حيّز النفاذ فوراً، بينما رفضهما مجلس النواب في 2020 وقطع العلاقات مع أنقرة.

سبق ذلك إعلان ليبيا الأحادي منطقتها الاقتصادية الخالصة في عام 2009، وقد أُودع لدى الأمم المتحدة في أيار/مايو من العام نفسه، كما أُودعت المذكرة البحرية لدى المنظمة الدولية في كانون الأول/ديسمبر 2019. ومع تصاعد مسارات التوحيد الليبي بين 2024 و2025، تشكلت لجنة لدراسة المذكرة، وصولاً إلى جلسة التصديق في تشرين الأول/اكتوبر 2026.

وجاءت الخطوات المضادة لتؤكد حدة الانقسام؛ فبعد أن اعتبر إعلان مشترك جمع مصر واليونان وجمهورية قبرص في أيار/مايو 2020 أن مذكرة التفاهم الموقّعة بين تركيا وليبيا في تشرين الثاني/نوفمبر2019 غير منتجة لآثار قانونية تجاه الغير، وقّعت مصر واليونان في الـ 6 من آب/أغسطس 2020 اتفاقية لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، اعتبرتها تركيا "باطلة ولاغية"، ما شكّل وضعاً قانونياً موازياً يتعارض مع المذكرة.

بنود الاتفاقية وإشكالياتها

تتضمن المذكّرة خط ترسيم بين السواحل التركية والليبية، وتعتبره تركيا وليبيا متوافقاً مع القانون الدولي والإنصاف، بينما ترى اليونان ومصر وجمهورية قبرص أنه يتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية ويخالف قانون البحار. وتُلزم المادة الرابعة من المذكرة الطرفين بالتشاور المسبق قبل أي ترسيم مع دولة ثالثة، وهو ما يمنح أنقرة نفوذاً في الاتفاقيات البحرية الليبية المستقبلية.

مواقف الأطراف وردود الأفعال

عكست ردود الأفعال الدولية على التصديق رفضاً واسعاً؛ إذ تطابق الموقف المصري واليوناني والقبرصي والأوروبي في جوهره (بطلان المذكرة وعدم نفاذ آثارها تجاه الغير) مع تباين في النبرة، بينما هددت أثينا بمدّ مياهها الإقليمية جنوب جزيرة كريت، وأدانت "إسرائيل" التصديق معتبرة إياه مُضراً بمصالح حلفائها في شرق المتوسط. وفي واشنطن، أعرب أعضاء في الكونغرس عن رفضهم للتصديق، فيما التزمت الإدارة الصمت، الأمر الذي يكشف غياب رؤية أميركية مشتركة إزاء الملف.

واعتبرت تركيا التصديق مكسباً استراتيجياً يعزز حُجّتها التفاوضية ويفتح الباب لتفعيل مشاريع الطاقة، وبخاصة الشراكة الاستكشافية في مربع O7 شمال غرب بنغازي، وهو رخصة استكشاف بحرية تزيد مساحتها عن 10,300 كيلومتر مربع وتقع على عمق يتجاوز 1,500 متر، وتضم تحالفاً من شركة ريبسول الإسبانية و"TPAO" التركية و "MOL" المجرية. 

وتوظف أنقرة المذكرة للضغط على مشروع الربط الكهربائي "GSI" الرابط بين اليونان وقبرص و"إسرائيل"، عبر اشتراطها التنسيق المسبق لأي أنشطة على "الجرف القاري"، ما يضع هذا المشروع الذي تسيطر عليه شركة "Meridiam" الفرنسية وتشارك فيه شركة "IPTO" اليونانية، في مرمى المخاطر الجيوسياسية. 

الأثر على مشاريع الغاز في شرق المتوسط

يترك التصديق أثراً قانونياً وسياسياً؛ فقانونياً يعزز الموقف التركي في أي نزاع حول مناطق الصلاحية البحرية، ويمنح أنقرة قدرة تفاوضية إضافية في مواجهة الاتفاقيات المضادة. وسياسياً يرفع المخاطر الترخيصية على امتيازات التنقيب اليونانية جنوب جزيرة كريت، إذ قد تتطلب أي أنشطة استكشافية تنسيقاً مع تركيا بموجب المادة الرابعة، ما يعقّد العمليات ويرفع كلفتها.

وعلى صعيد المشاريع، يأتي التنقيب التركي-الليبي "TPAO-NOC" في مقدمة المستفيدين، حيث يفتح التصديق الباب لتفعيل اتفاقية التنقيب في أربع مناطق بحرية أبرزها مربع 07، ويبقى مشروع الربط الكهربائي "GSI" الأكثر هشاشة، بسبب اشتراط تركيا التنسيق المسبق لأي أنشطة على "الجرف القاري"، ما يهدد الجدول الزمني لمشروع تبلغ كلفته نحو 2 مليار يورو ويربط اليونان عبر جزيرة كريت بقبرص ثم "إسرائيل". في حين تبقى حقول الإنتاج القائمة "ظهر المصري، ليفيان وكاريش الإسرائيليان" أقل عرضة للتأثير التشغيلي المباشر لوقوعهما داخل مناطق اقتصادية تقع خارج خط الترسيم الليبي-التركي، من دون أن يعني ذلك تحصينها من المخاطر الأمنية والسوقية غير المباشرة.

المصالح الاستراتيجية للدول الثلاث: نحو منطق الشراكة

يفتح التوافق بين مصر وليبيا وتركيا آفاقاً تتجاوز بفوائدها الحسابات الظرفية، وتستند إلى المصالح والروابط الحضارية المشتركة التي يمكن أن تشكل أساساً للتكامل، ونوجز عناصرها فيما يلي:

التكامل: ضرورة حضارية واستراتيجية

يمثل التكامل بين مصر وليبيا وتركيا ضرورة استراتيجية تتجاوز الحسابات الوقتية وتستند إلى خلفيات حضارية عميقة، فالدول الثلاث تشترك في إرث متوسطي وإسلامي واحد وأواصر ممتدة، ما يجعل التكامل استعادة لطبيعة العلاقات واستئنافاً لمسارها. وإذا كانت المصالح المتبادلة هي الأساس الاقتصادي، فإن المشترك الحضاري يوفر الأساس المعنوي الذي يمنحه المشروعية والاستدامة.

المكاسب الاقتصادية: ما بعد الغاز

اقتصادياً، يحقق التكامل الثلاثي مكاسب شاملة تتجاوز الغاز إلى النفط والثروات والمزايا البحرية الأخرى؛ فمصر تمتلك البنية التحتية لتصدير الغاز (في محطات الإسالة في إدكو ودمياط) وقناة السويس، وليبيا تمتلك احتياطيات هائلة غير مستغلّة ومساحة بحرية إضافية تناهز 40 ألف كيلومتر مربع، وتركيا تمتلك شبكة أنابيب متطورة وقدرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية. وأي إطار تكاملي من شأنه أن يحوّل هذه العناصر إلى سلسلة قيمة متكاملة؛ فبدلاً من التنافس على خطوط ترسيم متنازع عليها، يمكن تقاسم عوائد مشاريع مشتركة تحقق لليبيا مورداً لمرحلة ما بعد الصراع، ولمصر موارد ودوراً محورياً كمركز إقليمي للطاقة، ولتركيا موقعاً متقدماً في معادلة الطاقة الإقليمية.

المقارنة: اتفاق اليونان مقابل الترسيم الليبي-التركي

تكشف المقارنة بين اتفاق مصر مع اليونان والترسيم الليبي-التركي عن مفارقة دالة؛ فالأول محدود الأثر الاقتصادي إذ يقتصر على تثبيت حدود بحرية قائمة فعلاً من دون أن يضيف إليها مساحات بحرية جديدة أو يفتح آفاقاً استكشافية مؤكدة، بينما يمنحها الثاني -بحسب مسؤولين أتراك- منطقة اقتصادية حصرية أكبر بنحو 40 ألف كيلومتر مربع، على غرار ما كسبته ليبيا هي الأخرى، وما يفتحه ذلك من فرص  تنقيبية أوسع.  

ورغم رفض مصر الرسمي للمذكرة واعتبارها غير منتجة للآثار تجاهها، فإن التفاوض مع ليبيا وتركيا يوفر لها فرصاً جديدة للنفط والغاز، عبر حوار يفضي إلى اتفاق يعبّر عن تفاهم سياسي أوسع يتجاوز الاتفاق الليبي-التركي إلى اتفاق ثلاثي يوفر لمصر ما لا يوفره لها اتفاقها مع اليونان.

غير أن رفض اليونان وجمهورية قبرص والاتحاد الأوروبي للمذكرة الليبية-التركية قد يقيّد مصر؛ رغم أنهم لا يقدمون سوى شارة رضى سياسي، ولا مكاسب اقتصادية وجيواستراتيجية كالتي تتيحها الشراكة الثلاثية.

المكاسب السياسية والاستراتيجية: قوة الدولة الشاملة

سياسياً واستراتيجياً، يعزز التكامل الثلاثي مؤشرات قوة الدولة الشاملة؛ فالموارد الطبيعية المشتركة والبنية التحتية المتكاملة والقدرات الجيواستراتيجية المترابطة تخلق كتلة إقليمية قادرة على مخاطبة القوى الكبرى بموقف موحد، وتمنح مصر وليبيا وتركيا قدرة جماعية على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. فالتكامل ينهي حالة "ازدواجية الترسيم" التي قد تضعف اليقين القانوني لمشاريع الطاقة، ويؤسس لنظام إقليمي متوازن يعترف بالحقوق المشروعة للجميع، ويمنح الدول الثلاث حضوراً فاعلاً في القضايا الإقليمية والدولية يتجاوز حدود الإمكانات المنفردة لكل منها. 

تكلفة عدم التكامل: خسائر مشتركة

وإذا لم يتحقق التكامل الثلاثي، فإن استمرار الوضع الراهن يحمل لمصر وليبيا وتركيا خسائر متزايدة؛ فمصر ستبقى محرومة من المساحة البحرية الإضافية التي قد يتيحها الترسيم الليبي-التركي، ومن ثروات البحر التي كانت ستتيحها الشراكة، وستظل بنيتها التحتية للغاز معطلة جزئياً بسبب غياب الغاز الليبي، وستواصل تحمّل كلفة سياسية وأمنية في ليبيا من دون مقابل اقتصادي، فضلاً عن فقدانها وضعاً جيواستراتيجياً بمقدوره تعظيم قدراتها الداخلية والخارجية. وليبيا ستبقى أسيرة الانقسام والوصاية الخارجية ومواردها البحرية رهينة نزاعات لا تنتهي. وتركيا ستظل غير قادرة على استثمار موقعها الجغرافي بالشكل الأمثل؛ فاقتصادياً تبقى مشاريعها الطاقوية معلقة، وجيوسياسياً تبقى قدرتها على تحويل موقعها إلى نفوذ متعاظم في شرق المتوسط مُقيّدة، فتخسر مساحة حركة كانت تتيح لها أدواراً مؤثرة في السياسة والأمن والتحكم في ممرات الطاقة وترتيباتها، وهو ما يُضعف مسارها الاستراتيجي نحو موقع الدولة المحورية الصاعدة.

والأهم أن الخسارة لا تقتصر على ما يُحرم منه كل طرف على حدة، بل تمتد إلى فوائد الشراكة ذاتها التي تبقى مؤجّلة: استغلال مشترك للثروات البحرية، وسلسلة قيمة متكاملة، وتقاسم عوائد يمكن أن تحقق لليبيا موارد لما بعد الصراع، ولمصر موارد ودوراً كمركز إقليمي للطاقة، ولتركيا موقعاً كشريك لا غنى عنه، فضلاً عن مكاسب استراتيجية معلقة: كتلة إقليمية بموقف موحد، وإنهاء ازدواجية الترسيم التي تضعف اليقين القانوني لمشاريع الطاقة، وهي خسارة تتجاوز الدول الثلاث إلى العالم الإسلامي.