التداعيات الإقليمية دول الخليج (جوار إيران المباشر): الخاسر الأكبر (3-4)
التصعيد الإقليمي والدولي، واستمرار المواجهة بين إيران وأمريكا، وتداعيات الحرب على الخليج وإسرائيل، وسط عجز دولي عن احتواء الصراع.
-
التداعيات الإقليمية دول الخليج (جوار إيران المباشر): الخاسر الأكبر (3-4)
دول الخليج العربية هي الأكثر تضرراً من هذه الحرب، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً فيها. وهذا هو "العدل الإلهي" لمن ساندوا العدوان على إيران.
التداعيات الأمنية والعسكرية: لم تكن قواعد التحالف (كقاعدة الظفرة في الإمارات، والعديد في قطر، والأخرى في السعودية والكويت والبحرين) ملاذاً آمناً، بل كانت هدفاً مباشراً للصواريخ والمسيرات الإيرانية. وقد ثبت فشل أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية (الباتريوت والثاد) في اعتراض الهجمات، وأثبتت إيران قدرتها على إيصال رسالتها بقوة.
التداعيات الاقتصادية: تعتمد دول الخليج في نموذجها الاقتصادي الهش على الاستقرار الوهمي. مع تحول المنطقة إلى ساحة حرب، بدأ المستثمرون في الهروب، وتراجعت حركة السياحة بشكل حاد. كما أن إغلاق مضيق هرمز يهدد الاقتصاد الخليجي برمته، وتصفيره قد يحولها إلى شيء من الماضي في غضون أشهر معدودة باعتبارها دولاً ريعية.
ج. التداعيات السياسية والنفسية: دول الخليج تجد نفسها في مأزق استراتيجي مزدوج: فهي من جهة، حليفة لأمريكا التي أثبتت عجزها عن حمايتها؛ ومن جهة أخرى فقد فتحت قواعدها وأجوائها للعدوان على إيران مع وجود تقارير وتسريبات تتهمها بالمشاركة المباشرة، وبهذا هي هدف لإيران التي أثبتت قدرتها على استهداف هذه القواعد وتدميرها.
د. دول الخليج ضمن خارطة إسرائيل التوسعية: ما لا تدركه الأنظمة الخليجية (أو تتغافل عنه) هو أنها ليست بمنأى عن المخططات الصهيونية. فالمملكة العربية السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين، وقطر، كلها ضمن خارطة "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من النيل إلى الفرات. هذه الأنظمة تسلح عدوتها وتُمولها لتضرب جارتها إيران، دون أن تعي أنها تعد السم لقتل نفسها. وأنها ستكون الأهداف التالية، إما بشكل مباشر أو عبر تفكيكها من الداخل.
الدول العربية والإسلامية الكبرى: الأهداف القادمة
مصر: القلب العربي الذي يُستهدف: مصر هي أكبر دولة عربية، وعمقها الاستراتيجي يشكل هاجساً للكيان الصهيوني. في حال إضعاف إيران ومحور المقاومة، ستكون مصر الهدف التالي. المخططات الصهيونية-الأمريكية لا تستهدف مصر بشكل مباشر بالحرب، بل عبر زعزعة استقرارها اقتصادياً، ودعم الجماعات المتطرفة في سيناء، والضغط لتفكيك جيشها القوي. مصر تعلم أنها في رأس قائمة الأهداف القادمة.
المملكة العربية السعودية: الشريك الذي سيؤكل لحمه: السعودية راهنت على تحالفها مع أمريكا وإسرائيل ظناً منها أنها ستكون في منأى عن العدوان. لكن التاريخ يعيد نفسه: كل من تحالف مع الصهاينة ضد جيرانه كان أول من يؤكل لحمه. السعودية، بثرواتها النفطية الهائلة ومكانتها الدينية (الحرمين الشريفين)، تمثل هدفاً استراتيجياً للكيان الصهيوني. إضعاف إيران سيجعل السعودية "الهدف الأكبر" المتبقي في المنطقة، وسيتم تفكيكها عبر خطط التقسيم المعلنة.
ج. تركيا: القوة الصاعدة التي تزعج المشروع الصهيوني: تركيا، تحت قيادة أردوغان، أصبحت قوة إقليمية كبرى تزعج إسرائيل وتنافسها في البحر المتوسط (ملف الغاز) وفي القوقاز والشام. تركيا تُدرك أنها الهدف القادم بعد إيران. لهذا السبب، موقف تركيا من الحرب على إيران كان متقلباً، فهي لا تريد لإيران أن تُهزم كلياً، لأن ذلك يعني أن الصهيونية ستنقلب عليها مباشرة.
د. باكستان: القوة النووية الإسلامية المهددة: باكستان تمتلك السلاح النووي، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تهدد التفوق النووي الإسرائيلي غير المعلن. إسرائيل تعتبر باكستان "تهديداً وجودياً" ولو من الدرجة الثانية. في حال إضعاف إيران، ستتحرك إسرائيل (بالتنسيق مع أمريكا والهند) لزعزعة استقرار باكستان، عبر دعم الحركات الانفصالية في بلوشستان وخيبر بختونخوا، وإذكاء نار الصراع مع أفغانستان، وربما استهداف منشآتها النووية بضربات "مشبوهة". باكستان تدرك أنها في مرمى النيران.
الخلاصة في هذه النقطة: الحرب على إيران ليست النهاية، بل هي البداية. إيران هي الدرع الذي يحمي المنطقة كلها. إذا سقطت إيران أو أُضعفت، فستتوالى السقوطات: سوريا، العراق، لبنان، اليمن، ثم السعودية، مصر، تركيا، وباكستان. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي قراءة استراتيجية للمخططات الصهيونية-الأمريكية المعلنة منذ عقود.
المضائق والممرات المائية: مضيق هرمز في قلب العاصفة
الإغلاق الفعلي للمضيق: منذ الأيام الأولى للحرب، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية. مع امتلاكها ترسانة هائلة من الصواريخ البحرية والألغام والزوارق السريعة، استطاعت إيران ترجمة هذا التهديد إلى واقع ملموس، وأثبتت أنها صاحبة القرار الأول في الخليج.
الأثر على إمدادات الطاقة: إغلاق المضيق أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط والغاز عالمياً، مما وجه ضربة اقتصادية قاسية للغرب، وجعل الولايات المتحدة وحلفاءها يدفعون ثمناً باهظاً لعدوانهم.
المقاومة الفلسطينية ولبنان واليمن والعراق
فلسطين والمقاومة: أثبتت المقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي) أنها جزء لا يتجزأ من "محور المقاومة". ومع اندلاع الحرب على إيران، تصاعدت العمليات المقاومة في الضفة الغربية والقدس، مما أربك حسابات الاحتلال وأجبره على القتال على جبهتين.
لبنان وحزب الله: حزب الله هو الساعد الأيمن لإيران. وقد أعلن الحزب دعمه الكامل لطهران، وفتح جبهة قوية ضد إسرائيل في جنوب لبنان، مما أدى إلى تحويل جزء كبير من الجيش الإسرائيلي إلى الشمال، وإضعاف قدرته على التركيز في الحرب ضد إيران.
ج. لبنان ضمن خارطة التوسع: لبنان، بموارده المائية (نهر الليطاني) وموقعه الاستراتيجي، هو هدف قديم لإسرائيل. تفكيك حزب الله هو تمهيد لضم جنوب لبنان إلى "إسرائيل الكبرى". هذه الحقيقة يجب أن تكون واضحة لكل لبناني، شيعياً كان أم سنياً أم مسيحياً.
د. اليمن (أنصار الله): تدخل أنصار الله سريعاً إلى جانب إيران وحزب الله وغزة، وأعلنوا إغلاق باب المندب والبحر الأحمر أمام كل السفن الإسرائيلية والمتجهة إليها، وتوجيه ضربات صاروخية ومسيرة على كيان الإحتلال إلى عمق الأراضي المحتلة، مما زاد من الضغط العسكري والاقتصادي على أمريكا وإسرائيل.
هـ. العراق (الحشد الشعبي وفصائل المقاومة): العراق أصبح الساحة الأكثر سخونة. فصائل المقاومة العراقية وسرايا أولياء الدم، استهدفت القواعد الأمريكية في العراق بشكل مكثف، مما دفع القوات الأمريكية إلى الانكماش داخل قواعدها.
و. العراق ضمن خارطة التقسيم: العراق، بأرضه الممتدة بين الفرات ودجلة، هو قلب "الهلال الخصيب" الذي تسعى إسرائيل للسيطرة عليه ضمن مشروع "إسرائيل الكبرى". إضعاف إيران يعني تفكيك العراق نهائياً إلى دويلات (شيعية، سنية، كردية) تكون كلها تابعة للهيمنة الغربية-الصهيونية.
ي. سوريا والأردن: الحدود الموعودة: سوريا، التي دمرتها الحرب، لا تزال ضمن الخارطة الصهيونية. الجولان المحتل هو جزء من "إسرائيل الكبرى". والأردن، بنظامه الحساس، هو في قلب المشروع؛ فإسرائيل تنظر إلى الأردن أصلاً على أنه "وطن بديل" للفلسطينيين، وربما الهدف التالي بعد تفكيك سوريا والعراق. كل الدول المذكورة (الخليج، العراق، سوريا، الأردن، لبنان) هي قطع على رقعة شطرنج صهيونية ترسم من واشنطن وتل أبيب.
المحور الخامس: التداعيات الدولية
روسيا والصين: بين الدعم المحدود والمصلحة الذاتية
روسيا: بين الاستفادة والوفاء
من المفارقات أن روسيا، حليفة إيران الاستراتيجية، استفادت اقتصادياً من الحرب عبر ارتفاع أسعار النفط، وانشغال أمريكا عنها في أوكرانيا. لكن موسكو لم تقدم دعماً عسكرياً كبيراً لإيران، مما أظهر حدود "الصداقة الروسية". قد تذكر إيران جيداً من وقف معها ومن تخلى عنها.
الصين: ورقة الضغط الاستراتيجي
يقال -سياسياً- أن الصين تعاملت بدهاء؛ فمن جهة، عرضت وساطة سلام، ومن جهة أخرى، حصلت سفنها على استثناءات من الحصار الإيراني، واستمرت في شراء النفط الإيراني باليوان. الحرب سارعت في إنشاء نظام مالي موازٍ للدولار، وهو ما يخدم المصالح الصينية-الإيرانية المشتركة.
وفي هذا، فإن هناك من يشكك في مصداقية روسيا والصين وعلاقتهما الاستراتيجية مع إيران، وأن مصلحتهما تقتضي العمل على إطالة الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل، لأنها متنفس يخفف مستوى الضغوط السياسية والاقتصادية عليهما والإضافة العسكرية على روسيا، وأن توريط أمريكا في حرب طويلة وواسعة تنهكها وتقلص مستوى نفوذها وهيمنتها بما يخدم فقط روسيا والصين. وهناك -وهم الأقل- من يرى مستوى معيناً من التنسيق والتعاون الخفي بين البلدين وإيران لا تقتضي مصلحتهم جميعاً الحديث عنه وكشفه. ويوجد رأي ثالث -أكثر سداداً وصواباً- يرى أن إيران متمكنة مقتدرة لا يتوقف نجاحها على أي دعم خارجي، وأي تنسيق وتعاون معها فإنه من مستوى متقدم في الندية والكفاءة والاقتدار.
الناتو والاتحاد الأوروبي: انقسام وعجز
حلف شمال الأطلسي (الناتو): الحرب كشفت انقساماً حاداً داخل الحلف. فأمريكا وبريطانيا تشاركان في الحرب، بينما تركيا ترفضها، والدول الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا) تعارضها أو تتحفظ عليها بشدة. هذا ما يقال في العلن، ولعل ما يحدث في الكواليس أمراً آخر من التعاون والتنسيق والتشارك وإن لم يصل بعد إلى المستوى الذي ترتضيه واشنطن ويقبل به ترامب، وهو ما كشفت عنه تصريحات أمين عام حلف الناتو مؤخراً.
الاتحاد الأوروبي: الاتحاد الأوروبي يعاني أصلاً من تبعات حرب أوكرانيا. حرب جديدة في الشرق الأوسط ستكون "كارثة وجودية" عليه: أزمة طاقة خانقة، أزمة لاجئين غير مسبوقة، وتهديد لملاحته التجارية. أوروبا تدفع ثمن تبعيتها العمياء لأميركا.
المنظمات الدولية: الأمم المتحدة ومجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية
الأمم المتحدة: الحرب تمثل إعلاناً رسمياً لموت الشرعية الدولية. الولايات المتحدة لم تحصل على تفويض من مجلس الأمن، مما يجعل الحرب "غير شرعية" بكل المقاييس. أكثر من 100 خبير في القانون الدولي وصفوا الضربات الأمريكية بأنها "جرائم حرب".
مجلس الأمن الدولي: شلل تام وموت للشرعية الدولية
شكّلت الحرب على إيران اختباراً وجودياً لمجلس الأمن، وكشفت عجزه المطلق عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
أولاً: الانقسام الحاد بين الأعضاء الدائمين: أحدثت الحرب انقساماً غير مسبوق داخل المجلس. فمن جهة، دعمت أمريكا وبريطانيا وفرنسا الحرب (بدرجات متفاوتة)، واستخدمت حق النقض ضد أي قرار يدين العدوان على إيران، وهددت واشنطن أي دولة تتقدم بمشروع قرار "غير متوافق مع أمنها القومي". ومن جهة أخرى، قدمت روسيا والصين مشاريع قرار لوقف الحرب، قوبلت بالفيتو الغربي، مكتفية بالمناورة الدبلوماسية دون إجراءات عملية. أما فرنسا، فتأرجحت وحاولت الوساطة بهدنة إنسانية فاشلة، مما كشف ضعف الدبلوماسية الأوروبية.
ثانياً: تعطيل آليات المجلس: أوصلت الحرب المجلس إلى جمود تام: تعطل انعقاد جلسات طارئة بسبب الاعتراضات الأمريكية رغم المطالبات الدولية، وشُلّت لجنة العقوبات على إيران (القرار 2231) بسبب التناقض الغربي-الروسي، وتجاهلت واشنطن وتل أبيب البيانات النادرة الصادرة عن المجلس، مما رسّخ مبدأ "القوة تعلو على القانون".
ثالثاً: مقتل مبدأ "المسؤولية عن الحماية" (R2P): استغلت أمريكا هذا المبدأ النبيل لتبرير عدوانها بحجة حماية الشعب الإيراني، مما أضعف شرعيته مستقبلاً وخلق سابقة خطيرة لاستخدامه غطاءً للتدخلات العسكرية دون تفويض أممي.
رابعاً: انهيار هيبة المجلس ومصداقيته: رأت دول "الجنوب العالمي" أن المجلس أصبح "نادي النوويين" الذي يغطي على جرائم الأقوياء، مما زاد المطالب بإصلاح جذري (إلغاء الفيتو، توسيع العضوية). وأعلنت دول عربية وإسلامية موت "الشرعية الدولية"، وسارعت الحرب في صعود تحالفات موازية (بريكس، شنغهاي) تتحدى احتكار المجلس.
خامساً: أزمة شرعية مفتوحة: وقع أكثر من 100 خبير في القانون الدولي عريضة تدين الحرب، لكن المجلس ظل عاجزاً، مما فتح تساؤلات مصيرية: هل مجلس الأمن شرعي إذا عجز عن منع حرب عدوانية؟ هل يمكن انتهاك الميثاق دون عقاب؟ وما مستقبل النظام العالمي القائم على القوانين؟
والخلاصة في هذا الأمر هي: أن مجلس الأمن خرج من الحرب مدمراً معنوياً وهيكلياً. فشله في وقف العدوان جعله يفقد مصداقيته. العالم يتجه نحو نظام عالمي جديد، إما بإصلاح جذري للمجلس (إلغاء الفيتو، توسيع العضوية)، أو بموته السريري وحلول تحالفات جديدة محله. والأخير هو الأرجح.
ج. الوكالة الدولية للطاقة الذرية: إيران أعلنت أنها لن تسمح بعمليات تفتيش بعد الآن. الوكالة فقدت قدرتها على المراقبة. وإذا سعت إيران إلى امتلاك السلاح النووي رداً على العدوان، فإن الوكالة ستكون عاجزة عن منعها.
المحور السادس: تداعيات الحرب على إسرائيل: الأمن والمستقبل
على المدى القصير، قد تشعر إسرائيل بـ"نصر" تكتيكي مؤقت: تدمير بعض قدرات إيران، اغتيال بعض القادة. لكن المدى الطويل سيكون كارثياً عليها:
الحرب الاستنزافية الطويلة: إيران أثبتت قدرتها على تحويل الحرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد (تصل إلى عدة سنوات). هذا يعني أن إسرائيل ستبقى تحت تهديد الصواريخ لفترة طويلة، واقتصادها سيتأثر بشدة بارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما لا تستطيع تحمله لأشهر معدودة.
العزلة الدولية المتزايدة: قبل الحرب، كانت إسرائيل تحلم بـ"تطبيع" واسع مع الدول العربية. الآن، هذا الحلم تبخر. الشعوب العربية والإسلامية غاضبة، والأنظمة تخشى من غضب شعوبها. إسرائيل أصبحت أكثر عزلة من أي وقت مضى.
ج. التهديد النووي الإيراني المحتمل: إذا كانت الحرب تهدف لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، فهي قد تؤدي إلى النتيجة المعاكسة تماماً. إيران، التي شعرت بتهديد وجودي، قد تسرع الآن نحو صنع قنبلة نووية ردعاً. وفي حال امتلاكها السلاح، فإن "الردع النووي" سيجعل أي مواجهة مستقبلية مع إيران مستحيلة.
د. إسرائيل تزرع الريح وتحصد الإعصار: إسرائيل فتحت على نفسها أبواب جهنم. فهي اليوم تواجه جبهات متعددة: حزب الله من الشمال، حماس من الجنوب، أنصار الله من البحر الأحمر، فصائل المقاومة في العراق وسوريا من الشرق، وأخيراً إيران بالصواريخ المجنحة والمسيرات. جيش الاحتلال الذي كان يتباهى بقوته، ها هو اليوم يستنزف على سبع جبهات. إسرائيل ستندم على هذه الحرب لسنوات قادمة.
المحور السابع: الوجود الأميركي: الهيمنة على المحك
الفشل في تحقيق الأهداف: الهدف المعلن للولايات المتحدة هو "تغيير النظام". لكن بعد أسابيع من الحرب، النظام لم يسقط. بل على العكس، تم انتخاب مرشد أعلى جديد، وازدادت شعبية النظام بسبب العدوان الخارجي. أمريكا فشلت في هدفها الاستراتيجي.
استنزاف القدرات العسكرية: الحرب أظهرت أن أمريكا ليست القوة التي "لا تُقهر". فقد استُنزف مخزونها من الصواريخ الباهظة الثمن وأوشك على النفاد، وتعرضت قواعدها لهجمات مباشرة أخرجتها عن الخدمة، وتكبدت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وعجزت قوتها عن فتح مضيق هرمز والسيطرة عليه. أمريكا تنزف في مستنقع إيراني جديد لا أحد يدري كيف سيكون الخروج منه وما هي تبعاته على الوجود والهيمنة الأمريكية.
ج. ترامب والحزب الجمهوري: الرئيس ترامب راهن على حرب سريعة وحاسمة. لكنه فشل. وإذا استمرت الحرب في استنزاف أمريكا، فإن ترامب سيدفع الثمن سياسياً، وستنهي هذه الحرب ماضيه ومستقبله بشكل نهائي ومخزٍ جداً.
المحور الثامن: من التفاهم إلى عودة المواجهة – مسار الحرب بين الهدنة المؤقتة والتصعيد المستدام
مذكرة تفاهم إسلام آباد: نافذة سلام مؤقتة
في 18 يونيو/حزيران 2026، وبعد مفاوضات مضنية استضافتها باكستان وقطر وربما سلطنة عمان، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان -عن بعد- "مذكرة تفاهم إسلام آباد" لإنهاء الحرب، والدخول في مفاوضات جادة لاتفاق نهائي وشامل خلال فترة ستين يوما.
نصّت المذكرة، التي تضمّنت 14 بنداً، على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات (بما فيها لبنان)، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ومهلة ستين يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي شامل، وإنهاء جميع أشكال العقوبات الاقتصادية على طهران، وخطة لإعادة إعمار إيران بـ 300 مليار دولار، وإحالة الاتفاق النهائي إلى مجلس الأمن بقرار ملزم. كما تضمنت التزام إيران بعدم حيازة أو تطوير أسلحة نووية، مع حلّ مسألة اليورانيوم المخصّب عبر تخفيفه في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن المذكرة تلزم الإدارة الأمريكية بضمان وقف الكيان الإسرائيلي للحرب واحترام السيادة اللبنانية، إلى جانب تفعيل ترتيبات أمنية مؤقتة لإدارة مضيق هرمز بالتنسيق مع سلطنة عمان.
وافق المرشد الأعلى الجديد، السيد مجتبى خامنئي، على المذكرة رغم تحفّظاته الواضحة، مشترطاً الالتزام بـ"الخطوط الحمراء" وعدم تقديم أي تنازلات جوهرية للعدو. وقد أكدت الخارجية الإيرانية أن جميع الخطوط الحمراء التي حددها قائد الثورة أُخذت في الاعتبار ضمن إطار الإشراف المستمر للمجلس الأعلى للأمن القومي. وأشارت مصادر إيرانية إلى أن أقوى ضمانة لتنفيذ الاتفاق هي القوة العسكرية وممر هرمز والصمود الوطني، لا الثقة بالطرف الآخر.
نقض المذكرة: انهيار الثقة وعودة التصعيد
غير أن الهدنة لم تدم طويلاً. فسرعان ما تبادلت واشنطن وطهران الاتهامات بخرق الاتفاق، على خلفية استهداف ناقلات تجارية في مضيق هرمز وضربات أمريكية على مواقع عسكرية إيرانية. وفي منتصف يوليو/تموز 2026، أعلنت الولايات المتحدة نقض المذكرة، وعادت الحرب بقوة. المذكرة كانت قوية جدا وتصب -بلا شك- في صالح إيران، وتثبّتت الإنجازات العسكرية والسياسية لطهران، وأثبتت فشل العدوان وعجز إدارة ترمب عن تحقيق أهدافها؛ وهو ما أحرج واشنطن وحلفاءها، ودفعها للتنصل من إلتزامتها ومحاولة الإلتفاف عليها، الأمر الذي تسبب في عودة الإشتباك مجددا.
وفي 17/07/2026 وصف السيد مجتبى الخامنئي التوقيع الأمريكي على مذكرة التفاهم بالتافه، وقال في بيان له: "أثبت نكث الشيطان الأكبر المتكرر للعهود إزاء مذكّرة التفاهم الموقّعة بين رئيسَي إيران وأمريكا، مرةً أخرى هذه الحقيقة للجميع، وهي مدى تفاهة توقيع الرئيس الأمريكي وافتقاره إلى المصداقية، وأنّ الغطرسة والاستئثار والوحشية أجزاء لا تنفصل عن النهج والمسلك الأمريكي". وأكد أن جرائم الولايات المتحدة ونقضها للعهود دليل على كذبها وعدم أهليتها للثقة، وأن لدى الشعب الإيراني و"محور المقاومة" دروس لا تُنسى مع الولايات المتحدة.
الحرب تعود: جبهات متعددة واستنزاف متبادل
مع عودة الحرب على إيران، شنت القوات الأمريكية هجماتها على المصالح والمنشئات الإيرانية والبنى التحتية والخدمية في هرمز وجنوب إيران، وأعلنت عودت الحصار البحري على السفن والموانئ والسواحل الإيرانية، وهاجمت عددا من الجسور والطرقات والمصالح المدنية، وقتلت وجرحت عددا من المواطنين الأمريكيين.
في المقابل، فقد وسّع الحرس الثوري الإيراني هجماته الصاروخية والمسيّرة لتشمل القواعد والمنشئات والمصالح الأمريكية في دول عدة:
- الكويت: وجهت طهران ضربات قوية استهدفت القواعد الأمريكية في الكويت، وتعرّضت محطتان لتوليد الكهرباء وتقطير المياه للقصف، إحداهما تعرضت لانفجار استمرت عملية إطفائه ست ساعات. وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية تعرّض أحد المواقع الحيوية في القطاع النفطي لهجمات إيرانية، نتج عنها إصابات وخسائر مادية جسيمة. كما تم استهداف قاعدة علي السالم الجوية ومستودعات الذخيرة فيها.
- البحرين: استهدف الحرس الثوري القواعد الأمريكية في البحرين وقاعدة الأسطول البحري الخامس، وكذلك قاعدة الشيخ عيسى الجوية، ودمّر "مركز الاستخبارات الاصطناعية الرئيسي" فيها بصواريخ باليستية ومسيّرات.
- الأردن: استُهدفت القواعد الأمريكية في الأردن بهجمات صاروخية ومسيرة قوية، ومنها حضائر الطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود، وبالذات في قاعدة الأزرق الجوية، ما أدى إلى تدمير عدد منها، وأسفر عن مقتل وإصابة عدد من الجنود الأمريكيين.
تقييم الموقف: هدنة مؤقتة لا سلام دائماً
خلص محللون إلى أن مذكرة التفاهم كانت مجرد "هدنة مؤقتة وتسوية مؤجلة"، وأن غياب آلية واضحة وفاعلة لمراقبة تنفيذها جعلها قابلة للانهيار. وأن واشنطن اتخذت منها استراحة مؤقتة لعودة الحرب والإلتفاف على المكاسب والإنجازات التي حققتها طهران في حرب الأربعين يوما.
هذا التطور الجديد أسقط أطروحات "نهاية الحرب" و"الانتصار الأمريكي"، وأكد أن الصراع لا يزال مفتوحاً، وأن المنطقة على أبواب مواجهة طويلة غير محسومة. كما رسّخ لدى المراقبين قناعة بأن أمريكا لم تنتصر، وإيران لم تنهزم، وأن المعادلة الإقليمية قد تغيّرت بشكل جذري، لتصبح أمريكا في موقف ضعيف يستنزف قواتها وقواعدها دون تحقيق نصر استراتيجي يُذكر