التحالف الثلاثي.. أين الرابع؟
التحالف الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان تحالفٌ تكتنفه تناقضاتٌ سياسية ومصالحٌ متباينة، ما يثير الشكوك حول قدرته على تحقيق أهدافه وتحوله إلى تحالفٍ فعّال.
-
التحالف الثلاثي.. أين الرابع؟
خلافًا لما كان متوقعًا، فقد غاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن القمة الثلاثية التي شارك فيها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف؛ حيث وقعوا معًا على ما يسمى بـ "وثيقة مكة للدفاع المشترك"، ولكن من دون أن يسموا العدو المشترك للدول الثلاث ومن معها، وحتى إن كانت تعادي بعضها بعضاً كما هي الحال بين السعودية والإمارات في اليمن، أو بين الجارتين باكستان وأفغانستان. وفي جميع الحالات، ومن دون الدخول في تفاصيل التحليلات الخاصة بمضمون التحالف وأبعاده وأهدافه، تعالوا نفكر معًا وبصوت عالٍ حتى نحكم على جدية هذا التحالف الذي لن يختلف في فشله عن التحالفات السابقة في المنطقة. فالزعماء الثلاثة الذين شاركوا في قمة مكة لم يتطرقوا إلى العدوان الصهيو-أميركي على البلد المسلم إيران، كما لم يتذكروا استمرار العدو الإسرائيلي على غزة ولبنان.
وهذا شيء طبيعي؛ لأن الزعماء الثلاثة وبإطلالتهم على الكعبة المشرفة، إنما هم أصدقاء وحلفاء استراتيجيون للرئيس ترامب الذي يرجح نتنياهو عليهم جميعًا. علمًا أن ترامب قال أكثر من مرة: "إنه يحب أردوغان كثيرًا لأنه يفعل كل ما يطلبه منه"، كما هو "معجب جدًا بشهباز شريف" الذي صدم الجميع عندما خاطب ترامب في قمة شرم الشيخ في أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي والخاصة بغزة وقال له: "إنك الزعيم الذي كان العالم ينتظره منذ زمن طويل". كما يعرف الجميع عمق العلاقة الشخصية والمتينة بين ترامب وولي العهد محمد بن سلمان، وكانت علاقته متوترة جدًا مع الرئيس أردوغان بسبب جريمة جمال خاشقجي في إسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول 2018. وأما شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير فكانا قد أطاحا في نيسان/ أبريل 2022 برئيس الوزراء عمران خان وبناءً على طلب واشنطن التي لم تخفِ آنذاك انزعاجها من علاقات خان الوطيدة مع موسكو وبكين.
وأما الرئيس أردوغان فقد قال عنه السفير توم براك: "إنه يستمد شرعيته الداخلية والخارجية من الدعم الأميركي له"، في الوقت الذي قال فيه ترامب أكثر من مرة إنه "لولا الدعم الأميركي له لما استطاع ابن سلمان أن يبقى في السلطة عشرة أيام؛ لذا عليه أن يدفع له مقابل هذه الحماية" التي دفعت ترامب إلى إهانة ابن سلمان في كل مناسبة، وآخرها عندما قال له: "ستأتي وتقبل مؤخرتي". وهنا، وبعد التذكير بأن الدول الثلاث تفتقر إلى أبسط معايير الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي، فهي جميعًا تحظى بدعم واشنطن التي لها وجود عسكري في هذه الدول، بالإشارة إلى علاقات التحالف الوطيد بين الرياض وإسلام آباد منذ فترة طويلة؛ عندما لعبتا دورًا أساسيًّا في دعم المنظمات الجهادية ضد الاحتلال السوفياتي في أفغانستان، وبعد ذلك في دعم أسامة بن لادن وطالبان، وكل ذلك بالتنسيق والتعاون مع المخابرات الأميركية والبريطانية والإماراتية. كما لعبت تركيا بالتنسيق والتعاون مع السعودية ودول الخليج الأخرى دورًا رئيسيًّا في مشروع الشرق الأوسط الكبير ومن بعده ما يسمى بـ"الربيع العربي"، وخصوصاً في سوريا حليفة إيران، وكل ذلك تحت إدارة وإشراف ورعاية واشنطن، الحليف الاستراتيجي للكيان العبري.
ومع أن الزعماء الثلاثة لم يتحدثوا عن "العدو المشترك" الذي سيتصدون له، وهو في هذه الحالة الحوثيون وإيران بالنسبة إلى الرياض، فالمعلومات تتحدث باستمرار عن الدعم التركي العسكري للسعودية في حربها ضد الحوثيين، كما تتحدث عن "تضامنها مع السعودية في مواجهة العدوان الإيراني عليها"، وخلافًا لمساعي إسلام آباد للوساطة بين واشنطن وطهران. ويقول البروفيسور إلهام أوزكال مستشار الحزب الجديد للسياسة الخارجية: "إن التحالف الجديد يستهدفها وبناءً على رغبة السعودية التي تستعد لمواجهة تطورات المرحلة القادمة في حال استمرار التصعيد العسكري الأميركي - الإسرائيلي ضد إيران" التي تتحدث السيناريوهات عن احتمالات اجتياحها آنذاك لدول الخليج. وتساءل أوزكال: "هل ستدخل تركيا في مغامرة خطيرة جديدة في حال أي حرب بين السعودية وإيران في اليمن، أو في حال أي توتر بين باكستان والهند، أو باكستان وأفغانستان؟"، في الوقت الذي يعرف فيه الجميع حجم المنافسة إن لم نقل العداء التقليدي التاريخي بين السعودية وتركيا والآن في ما يتعلق بسوريا وسيناريوهات المنطقة؛ حيث تتحالف أنقرة مع الدوحة منذ البداية وخصوصاً بعد التهديدات السعودية والإماراتية والمصرية لقطر في يونيو/ حزيران 2017، وهو ما أزعج الرياض وكل العواصم الخليجية التي تلتقي حسابات معظمها مع الحسابات المصرية الخاصة بالمنطقة، ولكنها تختلف وتتناقض مع الحسابات التركية التي قد تكون السبب في عدم مشاركة القاهرة في التحالف الثلاثي الجديد.
ومع التذكير بتاريخ العلاقات بين إسلام آباد والرياض التي موّلت المشروع النووي الباكستاني في بداياته، فقد تهربت الرياض دائمًا ومعها أنقرة من أي عداء مباشر مع الهند، وهي حليف الكيان الصهيوني والإمارات. في الوقت الذي لا تعترف فيه إسلام آباد والرياض بجمهورية شمال قبرص التركية، مع التذكير بعلاقات التحالف الاستراتيجي بين أثينا وجمهورية قبرص التي يمثلها القبارصة اليونانيون مع الكيان العبري، وهو في هذه الحالة العدو المشترك لدول التحالف الثلاثي، ولا يدري أحد كيف ستتفق فيما بينها لمواجهة الخطر الصهيوني في قبرص التي فيها قواعد بريطانية وأميركية وفرنسية. فعلى سبيل المثال، لو اعتدى القبارصة اليونانيون وهم عضو في الاتحاد الأوروبي بكل مؤسساته السياسية والعسكرية على القبارصة الأتراك في قبرص وحصلوا على دعم "إسرائيل" لهم؛ فحينها ستكون هناك مواجهة بين "إسرائيل" وتركيا وهي عضو في الحلف الأطلسي الذي يجب أن يدافع عن تركيا وفق المادة الخامسة من ميثاقه، وهو ما لا يصدقه أحد.
ومع التذكير بتصريحات الرئيس أردوغان الذي قال: "إن أبواب التحالف الجديد ستكون مفتوحة أمام الدول الأخرى"، وعلى سبيل المثال سوريا التي تتقاسمها تركيا و"إسرائيل" أو أذربيجان حليفة الكيان العبري، فالجميع يعرف أن ما تسعى إليه أنقرة يختلف عما تسعى إليه الرياض، والكل يجري خلف مصالحه وضمانها ليس إلا بيد الرئيس ترامب الذي كان عليه أن يكون "الرابع" في تحالف مكة وبدلاً من الرئيس السيسي؛ ولما له من علاقات مميزة مع الزعماء الثلاثة الذين لو كان قرارهم في التحالف فيما بينهم نابعًا من إرادتهم الوطنية الصادقة، لكان عليهم أن يدعوا إيران إلى قمة مكة لتكون لصلاتهم أمام الكعبة المشرفة معنىً استراتيجيًّا يحقق أهداف العالمين العربي والإسلامي.
وإلا فستبقى لقاءاتهم وتحالفاتهم في إطار التكتيكات التي تعودنا عليها، ولم تخدم في نهاية المطاف سوى الكيان العبري الذي حقق معظم أهدافه بفضل هذه التكتيكات التي فشلت دائمًا لسبب واحد ألا وهو افتقارها إلى القول والعمل الجاد والصادق، ومن دونهما سيبقى تحالف مكة كالتحالفات السابقة حبرًا وأحيانًا دمًا على ورق!