الاقتصاد الرقمي: هل تعم فوائده عالمياً، أم يبقى أداة هيمنة غربية؟
ما دامت مقاليد الاقتصاد الرقمي في أيدي شركات خاصة أميركية، فإن ما ينتج عن ذلك هو المزيد من التطور اللامتكافئ عالمياً، وإلى تحوّل المنظومة الرقمية إلى أداة هيمنة تعزز قدرة نخب الغرب الجماعي على الرقابة والسيطرة.
-
التجارة الدولية بين الرقمنة وحسابات الجغرافيا السياسية.
لعلّ السمة الأهم للاقتصاد الدولي اليوم، من زاوية تطوّر قوى الإنتاج، هي تحوّله الكبير باتجاه "الرقمنة" Digitalization، بمعنى انجذابه بقوة إلى حقل الاقتصاد الرقمي Digital Economy، كقطاعٍ قائد وريادي يدفعه الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية باطِّراد كي يصبح، في آنٍ واحد، عموداً فقرياً ودماغاً يعيد صياغة بيئة الاقتصاد العالمي برمّتها.
توفّر شبكات الإنترنت فائقة السرعة وتقنيات الجيل الخامس 5G وعناقيد الأقمار الاصطناعية، البنية التحتية المادية لعمليات التصنيع التي تتولّاها الشركات الكبرى على مستوى العالم، حتى باتت أشبه بجهاز عصبي يديرها ويربط أجزاءها معاً.
عولمة المنشأة الإنتاجية
يعني ذلك بالنسبة لسلاسل القيمة العالمية Global Value Chains أن العملية الإنتاجية، من التصميم الأولي وهندسة المُنتَج إلى معالجة المواد الخام إلى السلع نصف المصنّعة إلى التجميع إلى التسويق إلى التغذية الراجعة نحو الإدارة العليا، راحت تتخذ طابعاً مرقمناً ومعولماً، بدلاً من اتخاذها طابعاً إدارياً ووطنياً، وهو اتجاه بدأ يتراكم في ثمانينيات القرن الفائت، وشهد تحوّلاً نوعياً في تسعينياته.
بدلاً من أن تقوم الشركة الكبرى متعدّية الحدود بافتتاح مصنعٍ كاملٍ في دولة أجنبية، ينتج منتجاتها في البلد المضيف من الألف إلى الياء، كمصنع سياراتٍ أميركي مثلاً في المكسيك، أو مصنع هواتف أو تلفزيونات ذكية أو حواسيب أو أشباه موصلات يابانية في فيتنام، أو مصنع ألبسة وأحذية رياضية لشركة "نايكي" الأميركية، أو "أديداس" الألمانية، في بنغلادش، فإن العملية الإنتاجية ذاتها تصبح مرقمنة ومعولمة، مع بقاء الحلقات العليا لعملية التصنيع في الغرب الجماعي، في تقسيم دولي جديد للعمل.
ينطبق نموذج "عولمة المنشأة الإنتاجية"، أو تجزئة الخط الإنتاجي عالمياً، على كل الصناعات المهمة اليوم، وما سبق ذكره ينسحب على صناعة الأدوية والمعدات الطبية وغيرها، وحتى على التصنيع الزراعي بأشكاله.
ينطبق هذا على الفواكه المعلبة، الكمثرى أو الإجاص مثلاً، المشحون من الأرجنتين إلى تايلند، والسلطعون أو الروبيان (القريدس) المشحون من بحر الشمال إلى المغرب ثم إلى ألمانيا، وسمك التونا المشحون من المياه الدولية حول العالم إلى معلّبات تايلند، ثم إلى بريطانيا مثلاً، وحبوب القهوة المشحونة من البرازيل أو فيتنام أو كولومبيا أو إندونيسيا... إلخ.
لكنّ الشركة التي تهيمن على سوق القهوة عالمياً هي شركة "نستله" السويسرية، تليها شركات أوروبية أخرى وأميركية، لا شركات مسجّلة في البلدان المنتجة للقهوة.
أما سعر القهوة عالمياً، فيتحدد في بورصة ICE للعقود المستقبلية في نيويورك بالنسبة لصنف "أرابيكا"، وفي سوق ICE لندن بالنسبة لصنف "روبوستا"، أي إن ذلك السعر يتحدد، كما في حالة معظم السلع الأساسية في العالم، من طرف رأس المال المالي الدولي المضارب الذي ما زال يحكم الاقتصاد الدولي فعلياً.
وعموماً، ربما تُنتَج المواد الخام في بقعة ما، فيجري شحنها ومعالجتها في مكانٍ آخر، وتوضيبها في مكانٍ ثالث، وتغليفها ودمغها بالماركة المسجلة للشركة الكبرى في مكانٍ رابع، وتوزيعها كمنتج نهائي على تجار الجملة والمفرق من مكانٍ خامس، ثم تقرأ على غلافها: "صُنع في البلد الفلاني"!
خذ دراجة هوائية مثلاً، فقد تجد تصميمها ألمانياً، وهيكلها صينياً، ومكابحها يابانية، ومقعدها إيطالياً، أما مصانع تجميعها للماركات العالمية ففي أوروبا الغربية أو شمالي أميركا.
العبرة أن ما يربط هذه العملية المعولمة بات الشبكات الرقمية أكثر من أي وقتٍ مضى، وهي التي تتيح الرقابة والإدارة من بُعد، حتى لو انخفض مخزون سلعة ما في مستودعٍ في أقاصي الأرض وحدة واحدة، وأن تلك الرقابة والإدارة المرقمنة باتت رافعة لزيادة نفوذ الشركات متعدية الحدود.
الاقتصاد الرقمي كمنظومة عصبية للاقتصاد الدولي
أضف إلى السيطرة الرقمية على سلاسل القيمة العالمية وشبكات إدارة الإنتاج والشركات الكبرى أن الخدمات المصرفية العابرة للحدود، وشبكات أو سلسلة كتل "بلوكتشين"، وبوابات الدفع المؤتمتة، مثل منظومة "سويفت" و"فيزا" والمحافظ الرقمية، أي البنية التحتية المالية لتدفق الأموال في شرايين الاقتصاد الدولي كلها مرقمنة، ومدارة بالحواسيب، وأن تلك العملية تخضع لإشراف رأس المال المالي الدولي الذي تسيطر عليه النخب الحاكمة في الغرب حتى الآن.
ثم أضف إلى ذلك كله أن المنظومة الرقمية باتت تملك ما يشبه "الدماغ"، إذ تعالج البيانات، وتستخلص الرؤى أو الاستنتاجات، ويمكن أن تُفَعِّل الإجراءات المبرمجة بصورة ذاتية.
وتسيطر الخوارزميات الذكية اليوم على تصنيع الروبوتات مثلاً، وعلى تسعير المنتجات التي تتغير أساسيات السوق فيها بسرعة، وعلى تنظيم عمليات لوجستية معقدة من دون تدخّل بشري.
كثيراً ما يُقال هذه الأيام إن البيانات هي "النفط الجديد"، لكنّ حصد تلك البيانات ومعالجتها وقراءة مكنونها يتطلب القدرات الحاسوبية الضخمة للاقتصاد الرقمي.
وتستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم معالجة كمّيات مهولة من البيانات الخام، والتنبؤ باتجاهات السوق، ووضع قائمة خيارات لإدارة المخاطر أو توزيع الموارد.
فهل يتحول الذكاء الاصطناعي، كما يحذّر البعض، من مستشار مساعد إلى عقل مستقلٍ مدركٍ لذاته، وأن يمتلك، بالتالي، أجندة خاصة يفرضها على البشر؟ حتى الآن، ما زال الاقتصاد الرقمي تحت هيمنة شركات احتكارية كبرى تستخدمه كأداة، كما سنرى، لكنْ إلى متى؟
أهمية الاقتصاد الرقمي اقتصادياً
لا تقتصر أهمية المنظومة الرقمية في الاقتصاد الدولي اليوم على قيمته كدماغ وجهاز عصبي فحسب، بل تحوّل الاقتصاد الرقمي إلى المحرّك الأول للنمو الاقتصادي كمّياً.
وتقدّر قيمة الاقتصاد الرقمي حالياً عند أكثر من 20 تريليون دولار، يُتوقع أن تبلغ 28 تريليوناً مع نهاية العام الجاري، أي أكثر من 22% من الناتج المحلي الإجمالي، المتوقع أن يبلغ 126.3 تريليون دولار مع نهاية السنة الجارية.
ينمو الاقتصاد الرقمي بمعدل وسطي يقدّر بـ 9.5% سنة 2026، وهو معدل يفوق أي قطاع اقتصادي آخر. كما أن بعض قطاعات الاقتصاد الرقمي تنمو أسرع من غيرها، فقطاع الذكاء الاصطناعي مثلاً ينمو بمعدل يفوق 28% سنوياً، وقطاع التكنولوجيا الصحية ينمو بمعدل وسطي يفوق 18%، والتكنولوجيا المالية 16%، والأمن السيبراني نحو 13%، وقطاع البرمجة، وخصوصاً البرامج المصمّمة خصّيصاً لمعالجة مشاكل إدارة الشركات والمنظمات الكبرى، 11.3%... إلخ.
ولا يوجد قطاع ينمو بمعدل منافس لنمو قطاعات الاقتصاد الرقمي سوى قطاع إنتاج الطاقة من مصادر متجددة، مثل الشمس والرياح، الذي ينمو بمعدل يقارب 18%، وهو قطاع لم يعد من الممكن تصوّر نموّه بهذا التسارع من دون البيئة الرقمية التي يتطور في حضنها.
من يسيطر على الاقتصاد الرقمي وأجندته؟
تسيطر حفنة شركات احتكارية، أميركية غالباً، على كل جوانب الاقتصاد الرقمي.
ففي قطاع البنية التحتية للأجهزة وأشباه الموصلات تجد شركة "نفيديا" الأميركية، وشركة "بروودكوم" الأميركية، وشركة TSMC التايوانية.
وتصنع الأخيرة الشرائح الأكثر تقدماً التي تصمّمها شركات "نفيديا" وAMD وApple، وكلها أميركية. ويحاول ترامب حالياً أن يسحب TSMC تماماً إلى الولايات المتحدة، في خطوة لمّا تكتمل بعد.
وتمتلك "نفيديا" احتكاراً شبه كامل على الوحدات المتقدمة لمعالجة الرسومات (GPUs)، الضرورية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة جداً، وتُصَنِّع TSMC 90% من الشرائح المختصة بتلك الوحدات.
وفي قطاع البنية التحتية السحابية وفائقة النطاق، تجد 3 أسماء مألوفة هي: ألفابت (غوغل)، ومايكروسوفت، وأمازون، وكلها أميركية طبعاً.
وفي قطاع مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة ومطوّري النماذج، تجد 4 شركات أميركية هي: OpenAI، وAnthropic، وميتا (مارك زوكربيرغ)، وxAI (إيلون ماسك).
وفي قطاع منصات البيانات والمؤسسات والأدوات، تجد 3 شركات مهيمنة هي: Databricks، وPalantir، وScale AI، وكلها شركات أميركية.
وفي قطاع محرّكات البحث، تعود إلى شركة ألفابت (غوغل) 90% من عمليات البحث. وفي قطاع تشغيل الهواتف الذكية، تتقاسم شركة أندرويد التابعة لغوغل السيطرة مع شركة Apple.
وفي قطاع تشغيل الحواسيب، المحمولة والثابتة، تسيطر شركة ويندوز، التابعة لشركة مايكروسوفت، على 70% من السوق.
وما زالت شركة IBM الأميركية تسيطر على 100% تقريباً من سوق الحواسيب المركزية التقليدية (Mainframes).
ماذا يعني ذلك كله؟
هذا يعني أن تطوّر التكنولوجيا الرقمية يدفع باتجاه تكامل الاقتصاد عالمياً، لكنّ الطابع العالمي لتلك التكنولوجيا، وقدرتها على زيادة الإنتاجية من دون حدود، ومعها مستوى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، يتناقض أولاً مع الهيمنة الأميركية عليها، في تجلٍّ معاصرٍ للتناقض بين الطابع الاجتماعي للعملية الإنتاجية، والطابع الخاص لملكيتها.
بصورةٍ أدق، ما دامت مقاليد الاقتصاد الرقمي في أيدي شركات خاصة أميركية، فإن ما ينتج عن ذلك هو المزيد من التطور اللامتكافئ عالمياً، كمّياً ونوعياً، وإلى تحوّل المنظومة الرقمية إلى أداة هيمنة تعزز قدرة نخب الغرب الجماعي على الرقابة والسيطرة الشاملتين، وعلى فرض العقوبات، وعلى ممارسة القسر والتهميش بأدوات غير عسكرية، حتى داخلياً مع الشعوب الغربية.
نجد كذلك أن تطور المنظومة الرقمية يدفع باتجاه التكامل والتعاون، في حين تدفع النخب الغربية باتجاه تشقق العولمة على خطوط الجغرافيا السياسية، في سياق صراعها مع الأقطاب الصاعدة عموماً، ومع الجنوب العالمي خصوصاً، كما بيّنت في مادة "العولمة: هل ماتت، أم تباطأت، أم تشظّت إلى عولمات؟".
التجارة الدولية بين الرقمنة وحسابات الجغرافيا السياسية
لعلّ أكبر مثال على فرض الأجندة الجيوسياسية الغربية على مسار الاقتصاد الدولي هو ما يجري اليوم في حقل التجارة الدولية.
ينتج عن ظاهرة عولمة المنشأة الإنتاجية أن نسبة كبيرة، تراوح تقديراتها بين 40% و66%، من التبادل التجاري دولياً، يتكون من السلع الوسيطة، أي السلع التي تستخدم في تصنيع سلع أخرى. والاقتصاد الرقمي، كعمود فقري، بات يتحول إلى بنية تحتية للتجارة الدولية، يربط أطرافها، ويضفي عليها استقراراً هيكيلياً، ويتيح بقاءها ونموها.
على سبيل المثال، تشكل أنظمة التتبع الرقمي والخدمات اللوجستية السحابية العمود الفقري لحركة التجارة الدولية عبر الممرات الملاحية البحرية ومسارات الشحن عبر المحيطات. وتتمثل نقاط الاختناق الحرجة هنا بعوائق جيوسياسية محتملة، مثل مضائق ملقا وهرمز وباب المندب وباناما.
وعلى الرغم من أن 80% إلى 90% من حركة التجارة السلعية دولياً تبقى محمولة بحراً، فإن أنظمة التحكم الرقمي هي التي تربط بصورة متزايدة بين الشحن البحري من جهة، وبين الموانئ وشبكات السكك الحديدية الداخلية والطرق السريعة من جهة، وبالتالي بين بوابات الشحن البحري وبين مراكز الإنتاج وأسواق المستهلكين.
في غياب اعتبارات الجغرافيا السياسية، وبالتالي حسابات الأمن القومي، فإن الحوسبة الرقمية تتعامل مع الجغرافيا بمنطق الخطوط المستقيمة وحسابات تعظيم العوائد وتقليل التكاليف فحسب.
أما في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلّب موازين القوى، فإن شبكات الربط الرقمية تتخذ مسارات محسوبة جيوسياسياً، ومنها شبكة "الولايات المتحدة-المكسيك-كندا" البرية والجوية USMCA، والتي تركّز على تقريب سلاسل التوريد جغرافياً وزيادة المحتوى المحلي في التجارة البينية ودمج اقتصادات دول أميركا الشمالية.
ويُعدّ هذا الخط العمود الفقري اللوجستي للتجارة شمالي أميركا، وهو خط مرقمن بالكامل، وصولاً إلى تتبع الحركة والجمارك، كما أنه يُعد عصب حركة طرود التجارة الإلكترونية العابرة للحدود في أميركا الشمالية.
يتمّم هذا الخط الممر البحري الأطلسي Trans-Atlantic Corridor بين غربي أوروبا وشمالي أميركا، ولا سيما الساحل الشرقي للولايات المتحدة، الذي يُشحن عبره ما يعادل 600 مليار دولار من السلع سنوياً، وهو خط مرقمن بالكامل أيضاً، ويقع تحت الإشراف الأمني المباشر لحلف الناتو على مدار الساعة.
هناك، في المقابل، ما يسمّى "الممر الأوسط" Middle Corridor، والذي يربط الصين وجنوب شرق آسيا مع أوروبا عبر مسار الصين-كازاخستان-بحر قزوين (عبر الموانئ أو العبّارات)-أذربيجان-جورجيا-تركيا-أوروبا، متجنّباً روسيا وقناة السويس ونقاط الاختناق البحرية المحتملة، ومانحاً تركيا أهمية جيوسياسية متزايدة.
ازداد الطلب على استخدام هذا "الممر الأوسط" بعد حرب أوكرانيا والعقوبات على روسيا، كما ازداد بعد "طوفان الأقصى" والتوترات في البحر الأحمر، لكنه ما برح خطاً غير مرقمن بالكامل، ولا يخضع لإدارة ومقاييس رقمية موحدة بعد، كما أنه بحاجة لاستثمارات كبيرة في بنيته التحتية كي يصل إلى أقصى طاقته التشغيلية.
لكنّ ازدياد أهميته مؤخراً تُبرِز وزن الاعتبارات الجيوسياسية في الاقتصاد، ومن المرشح أن تزداد أهميته أكثر فأكثر وخصوصاً أن الخط البحري الأوسع والأهم من شرق آسيا إلى أوروبا، أو خط آسيا-أوروبا، يمر عبر مضيق ملقا، فباب المندب، فقناة السويس، المحفوف بالمخاطر.
يُلقي هذا ضوءاً آخر على أهمية سيطرة حكومة صنعاء على الساحل الغربي لليمن من منظور الاقتصاد العالمي، وهو محبس خطير دولياً، وربما يكون مع قناة السويس أخطر من مضيق هرمز، لأن الأخير هو "دخلة فرعية" تنبع أهميتها من أهمية الدول المشاطئة للخليج، مواردَ وأسواقاً، على أهميتها الكبيرة في الاقتصاد العالمي. أما باب المندب فمعبر رئيس بين آسيا وأوروبا، لا للدول المشاطئة له فحسب.
المشكلة أن البديل الآخر لخط آسيا-أوروبا يمر عبر المياه الروسية في المحيط المتجمد الشمالي من الموانئ الصينية إلى روتردام في هولندا وهامبورغ في ألمانيا... أو أنه يمر من موانئ المحيط الهادئ والموانئ الصينية من طريق الحرير الجديد برياً عبر روسيا وآسيا الوسطى مباشرة إلى محطات سكك الحديد الأوروبية.
لكنْ، ما دامت أوروبا تعاني كراهية مرضية لروسيا، أو ما يسمى Russo-phobia، وتصرّ على المضي في حظر التعامل معها وفرض العقوبات عليها، بغضّ النظر عن تكلفتها الاقتصادية على الأوروبيين، فإن تطوير "الممر الأوسط"، ورقمنته، يصبحان أولوية استراتيجية أوروبياً، وخصوصاً مع توجه إدارة ترامب لتخفيف العقوبات على روسيا، من بوابة صادرات الديزل أولاً.
أما الخط الآخر البديل الذي يتجنّب روسيا والصين في آنٍ واحد، والذي اتُفق على إقامته قبل شهر تقريباً من "طوفان الأقصى" سنة 2023، وهو الممر الاقتصادي من مومباي في الهند إلى جبل علي في الإمارات عبر السعودية والأردن إلى ميناء حيفا في فلسطين المحتلة فاليونان، المسمّى IMEC، فغمره الطوفان سياسياً، ثم جاءت توترات مضيق هرمز، ثم الصواريخ والمسيرات اليمنية عبر السعودية، فكشفت عوراته الاستراتيجية.
لذلك، حمى الله اليمن، لأن نطاق صواريخه ومسيّراته، حتى من دون أخذ باب المندب بعين الاعتبار، يعطل مشروعاً دولياً كبيراً لتكريس الأحادية القطبية، وكان من الأجدر بروسيا بالذات أن تأخذ ذلك في الحسبان لدى صياغة موقفها السلبي نوعاً ما من سعي اليمن لفك الحصار القاتل عن نفسه.
هناك، في الآن عينه، خط بحري كبير مفتوح لا توجد في طريقه محابس جيوسياسية سوى المحيط المفتوح، وهو الخط الرابط بين آسيا وغربي القارة الأميركية، المسمّى الممر العابر للهادئ Trans-Pacific Corridor، أكبر محيط في العالم، مع العلم أن نحو نصف الحمولات المارّة عبر مضيق باناما تتصل بالتجارة بين الساحل الشرقي للولايات المتحدة وآسيا، بدلاً من الذهاب من آسيا إلى شرقي الولايات المتحدة عبر منطقتنا أو روسيا.
وهذا الخط تجري رقمنته على قدمٍ وساقٍ حالياً، وهو خط يقدّر ما يمر عبره بـ 2.5 تريليون دولار سنوياً، وكثيراً ما يصبّ في مرفأ لوس أنجلس، أو مرفأ لوونغ بيتش Long Beach، المحاذي له مباشرةً، أو مرفأ سياتل، أو أنه يلتفّ عبر مضيق باناما إلى شرقي الولايات المتحدة.