الإمبريالية المالية: صور من الهيمنة في عالمنا المعاصر

الوجه الآخر لمفهوم "الإمبريالية المالية"، فهو المتداول والرائج بشأنه، وهو يتصل بمظاهرها أو ببعض تجلّيات ذلك الجوهر، في صورة أدوات قسر أو تهميش أو عزل مالية، إضافةً إلى كل أدواتها الأخرى.

  • ماذا عن الحضور اليهودي في الثروات الفردية الكبيرة عالمياً؟
    ماذا عن الحضور اليهودي في الثروات الفردية الكبيرة عالمياً؟

يؤشر مفهوم "الإمبريالية المالية"، كمصطلح مركزي في علم الاقتصاد السياسي في زماننا، إلى وجهين محددين في ظاهرة الإمبريالية المعاصرة ككل، يتصل أولهما بجوهر الظاهرة، أي سيطرة رأس المال المالي، الربوي والمضارِب بالورق، على الاقتصاد المنتج، وإخضاعه لمصالحه وحساباته الطفيلية، داخل حدود الدول الرأسمالية وخارجها، باستثناء بعض "الدول المارقة". 

أما الوجه الآخر لمفهوم "الإمبريالية المالية"، فهو المتداول والرائج بشأنه، وهو يتصل بمظاهرها أو ببعض تجلّيات ذلك الجوهر، في صورة أدوات قسر أو تهميش أو عزل مالية، إضافةً إلى كل أدواتها الأخرى.

ومن بين تلك الأدوات الشائع استخدامها، هناك تجميد الأصول مثلاً، أو حظر استخدام منظومة "سويفت" لتحويل الأموال وتلقّيها دولياً، وهناك وضع شركات وأفراد بعينهم في قوائم سوداء تمنع التعامل معهم بتاتاً، أو حظر قطاعات اقتصادية مستهدفة في دولٍ بأكملها ومنعها من الوصول إلى قروض أو تمويل أو التداول في الأسواق الدولية.  

مثال الأموال الروسية المجمدة:

لعلّ من أبرز الأمثلة هنا تجميد نحو 300 مليار دولار من أصول روسيا بـ"شحطة قلم" سنة 2022 عشية الحرب في أوكرانيا، وروسيا تُعد دولة عظمى.  وبكل وقاحة، جرى تحويل 8.8 مليارات دولار من عائدات تلك الأصول لحساب أوكرانيا، بحسب "بوليتيكو" في 5/8/2026.  

الأطرف، بحسب المصدر ذاته، أن 95% من تلك العوائد المصادرة مخصص لخدمة ديون الاتحاد الأوروبي ومجموعة الـسبعة الكبار على كييف، أي إنها صودرت لحساب رأس المال المالي الدولي، بذريعة تمويل الحرب في أوكرانيا.    

مثال الأصول الإيرانية المجمدة:

أما مثال الـ 100 إلى 120 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، فيُظهر، أكثر من غيره، سطوة الأدوات المالية للهيمنة الإمبريالية عالمياً، إذ إن 3.6 مليارات دولار فقط من تلك الأصول كانت موجودة في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وهناك 1.5 مليار فقط مجمدة في اليابان. 

أما الباقي، ففي الصين والهند والعراق وتركيا وكوريا الجنوبية وقطر وغيرها.  والعبرة بالنسبة لموضوعنا هنا أن دولاً كبرى مثل الصين والهند، لا دول الجنوب العالمي فحسب، تنصاع لتلك الإجراءات التعسفية بحق إيران بوداعة، خوفاً من التعرض لعقوبات ثانوية أميركية إن لم تفعل.  

ومن المعروف أن 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة جرى تحويلها من كوريا الجنوبية إلى المصارف القطرية، بموجب صفقة الأسرى سنة 2023، جرى تجميدها، وما زالت إيران لا تملك الوصول إليها.

وتشكل هذه النقطة، إضافةً إلى مطالبة إيران بالإفراج عن 24 ملياراً من أصولها المجمدة، إحدى أهم المسائل العالقة في المفاوضات الإيرانية-الأميركية حالياً، 12 ملياراً عند توقيع الاتفاق، و12 أخرى خلال 60 يوماً من توقيعه.

ولا يمكن التقليل من شأن العقوبات الثانوية على الأطراف الثالثة التي تخرق القرارات التعسفية الأميركية والغربية عموماً، فهي الأداة التي عادت لاستعمالها وزارة الخزانة الأميركية في محاولة شلّ حركة الطيران الإيراني حتى في محيط إيران المباشر.

لمحة عن هوية رأس المال المالي الدولي اليوم:

المهم، يظهر مثال الانصياع لتجميد الأصول الإيرانية مدى سطوة النخب المالية الغربية على المنظومة المالية الدولية، على الرغم من أن الصين مثلاً تملك اليوم، في سنة 2026، أول أكبر 4 مصارف عالمياً من حيث قيمة الأصول، يليها مصرف JP Morgan Chase الأميركي في المرتبة الخامسة، وعلى الرغم من أن الصين تملك 21 من أصل أكبر 100 مصرف عالمياً.

لكنْ، لا يُقاس المشهد المالي دولياً بهذا المقياس وحده، على رغم أهميته، وما يظهره من اختراق صيني كبير.  فرأس المال المالي، أولاً، لا يقتصر على المصارف، إذ إن هناك مؤسسات مالية غير مصرفية، ومنها مثلاً شركات التأمين وصناديق الاستثمار والصناديق السيادية وصناديق التقاعد وشركات الرهن العقاري.   

وهناك أيضاً صناديق تمويل الشركات الناشئة، وخصوصاً في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التي تتربع على رأسها عالمياً 3 شركات أميركية هي Insight Partners، وAndreessen Horowitz، وSequoia Capital. 

لنأخذ، فضلاً عن ذلك، أحد أهم مراكز القوى في رأس المال المالي الدولي: صناديق الاستثمار Investment Funds، التي قد يدير الصندوق الواحد منها أصولاً تبلغ مقادير فلكية.  

سنجد هنا أن أكبر صندوقين من بينها أميركيان: صندوق Blackrock الذي يدير وحده أصولاً بقيمة 14 تريليون دولار، ثم صندوق Vanguard الذي يدير أصولاً تفوق الـ 8 تريليونات من الدولارات، في حين يبلغ حجم أصول أكبر صندوق استثمار صيني (SAFE) نحو 2 تريليون دولار.  

حتى مصرفياً، تبلغ قيمة أصول أكبر مصرف صيني، وهو "مصرف الصين الصناعي والتجاري" (ICBC)، أكبر مصرف في العالم، 7.65 تريليونات دولار سنة 2026.  في المقابل، يملك الغرب الجماعي 77 من أصل أكبر 100 مصرف عالمياً، في حين تملك الصين 21 مصرفاً، كما سبقت الإشارة، والهند مصرفين.  

وهذا يعني أن هوية رأس المال المصرفي عالمياً ما زالت غربية أيضاً، بدلالة أن قيمة أصول أكبر 100 مصرف في العالم تبلغ نحو 138 تريليون دولار تملك المصارف الصينية منها 20 تريليوناً فحسب.

لمحة عن أهم مالكي الثروات الفردية عالمياً:

هنالك، أيضاً، الكتل أو الثروات المالية الضخمة التي يملكها أفراد، أو عائلات بعينها، وسنجد هنا أن 9 في قائمة أكبر 10 أصحاب مليارات في العالم هم أميركيون، والعاشر إسباني.  

ويبلغ عدد أصحاب المليارات عالمياً 3428 فرداً يمثل الأميركيون 989 مليارديراً منهم، والصينيون (مع 71 في هونغ كونغ) 610 مليارديرات، والهنود 229، والألمان 212، والروس 147، والإيطاليون 89، والكنديون 82، والبرازيليون 70، والتايوانيون 66. 

ثمة ثروات فردية هائلة في منظومة "بريكس" إذاً، لكنْ إذا اعتمدنا على إحصاءات مجلة "فوربس" في 11/3/2026 مثلاً، سنجد أن التركز الكلي للثروات الفردية عالمياً يبقى غربياً، مع صعود بارز لمليارديرات "البريكس".  على سبيل المثال، يملك أصحاب المليارات الأميركيون الـ 989 معاً نحو 8.4 تريليونات دولار، في حين يملك أصحاب المليارات الصينيون الـ 610 معاً نحو 2.45 تريليون دولار.    

نلاحظ هنا أن كمية الثروات الفردية في الغرب أعلى كقيمة مطلقة، وأن تركيزها فردياً أعلى، كأن الملياردير الأميركي يملك في المتوسط نحو 8.5 مليارات دولار، في حين يملك الملياردير الصيني نحو 4 مليارات، لو قسّمنا مجموع الأصول على عدد أصحاب المليارات في كلٍ من الولايات المتحدة والصين.  

ونجد النمط ذاته لتركز الثروة عند المقارنة بين الهند وألمانيا، إذ تبلغ قيمة ثروة أصحاب المليارات نحو تريليون دولار في كلٍ من البلدين، تتوزع على عدد أكبر نسبياً في الهند منها في ألمانيا.          

نبذة عن الحضور اليهودي في الثروات الفردية الكبيرة عالمياً:

وعلى الرغم من أن البعض يتوتر عند تناول موضوع عدد اليهود بين أصحاب المليارات، لا بد من القول إنهم 319 مليارديراً، يملكون فيما بينهم تريليوني دولار، بحسب الإحصاءات المعلنة، ومنها "فوربز إسرائيل"، أي نحو 6.27 مليارات دولار بالمتوسط للواحد منهم.  

ولو أن تلك الإحصائية لا تنصف حضورهم في الثروات الكبيرة، وليست مقنعة تماماً، لأن 6 من أكبر 10 مليارديرات في العالم من اليهود، وهم: لاري بايج (غوغل، 290 مليار دولار)، لاري أليسون (أوراكل، 194 مليار دولار)، مارك زوكربيرغ (ميتا، 254 مليار دولار)، سيرغي برين (غوغل، 267 مليار دولار)، مايكل ديل (شركة Dell، 279 مليار دولار)، ستيف بالمر (المدير العالم التنفيذي لشركة مايكروسوفت سابقاً، 157 مليار دولار). 

ويعني ذلك أن أولئك الـ 6 وحدهم يملكون 1.441 تريليون دولار!  

لا حيّز هنا إذاً لتجاهل الوجه اليهودي في ظاهرة رأس المال المالي الدولي، مع أنها، كظاهرة اقتصادية-اجتماعية، لا يصحّ اختزالها في ذلك الوجه وحده.  وهناك مثلاً إيلون ماسك، أكبر ملياردير في العالم، الذي يملك 962.5 مليار دولار، وجيف بيزوس، ثاني أكبر ملياردير، الذي يملك 374.3 مليار دولار، بحسب مجلة "فوربز" في 23/9/2026، وآخرون كثر من غير اليهود. 

وإنما لا يصح أيضاً القفز من فوق خصوصية الكتلة اليهودية المندمجة كندٍّ وازنٍ في الحلقات العليا للنخب المالية الدولية، ولا القفز من فوق أجندتها الخاصة، وتعويم المسألة تحت عنوان "القوانين العامة لحركة رأس المال عالمياً".  

وسيكون من السذاجة بمكان التصور أن الكتلة المالية اليهودية الضخمة تدير الـ "بيزنس" بحيادية مرهفة، بعيداً عن أي حسابات سياسية أو أيديولوجية (تذكروا معاناتكم مع مارك زوكربيرغ في "فيسبوك" و"إنستاغرام" مثلاً)، حتى لو شغلها ذلك الانشقاق العميق الممتد من "تل أبيب" إلى نيويورك بين الليبراليين واليمينيين.

عودة إلى تحديد الفرق بين مفهوم "الإمبريالية" ومفهوم "الإمبريالية المالية":

تمثل الإمبريالية منظومة هيمنة دولية قد تتضمن أو لا تتضمن احتلالات عسكرية مباشرة، بل إنها قد لا تلجأ بالضرورة إلى استخدام القوة العسكرية عبر الحدود، ولو بصورة "عمليات خارجية خاصة" أو قصف من بعيد، مع أن التهديد باستخدامها يبقى ماثلاً في جميع الأحوال.    

الإمبريالية إذاً منظومة هيمنة عابرة للحدود، فهي مجموعة مؤسسات وعلاقات دولية يتمثل دورها الوظيفي في تعظيم أرباح رأس المال المالي الدولي عبر المعمورة بأسرها، وفي إتاحة الموارد والأسواق والسكان لتحقيق ذلك الغرض، وفي هندسة الجغرافيا السياسية لكوكبنا، والآن القمر والمريخ وأبعد، بما يتناسب مع مصالح واستراتيجيات النخب المالية المهيمنة دولياً.

تختلف الإمبريالية عن مفهوم الاستعمار إذاً في أن الثاني جرت ممارسته عبر العصور، قبل الرأسمالية الحديثة وبعدها.  أما الإمبريالية فمفهوم يرتبط بصعود الرأسمالية الحديثة تحديداً، وبحاجتها الملحّة لاستثمار الكوكب وما تحته وما عليه، وأن الأمبريالية قد تعتمد سياسات استعمارية وقد لا تعتمدها، وهي خطاطة تحليل طورها المفكر هاري ماغدوف في كتابه المعنون "إمبريالية بلا مستعمرات" (2003)، Imperialism without Colonies. 

ولا يعني القول إن الإمبريالية قد لا تتبع سياسات استعمارية أنها تحولت إلى ظاهرة مسالمة، بل تقتات الإمبريالية على الحروب، على خوضها وإشعالها وتمويلها، وتمثل شركات المجمع العسكري الصناعي أحد أهم رافعاتها، كما تمثل تلك الشركات مكوناً رئيساً في نخبها، وتمثل تجارة السلاح أحد أهم روافدها، ويمثل السباق المحموم على تطوير التكنولوجيا العسكرية إحدى أهم أدوات بسط هيمنتها كمنظومة عبر الاقتصاد الدولي والجغرافيا السياسية.

وللإمبريالية عدة وجوه، قد تكون بديلة أو مكملة بعضها لبعض، ويبرز وجهها المالي في زماننا كإحدى أبرز ركائزها.  وإن هذا الوجه، الذي يبرز بذاته الجوهر المالي لمفهوم الإمبريالية ككل، بكل ما يملكه من سطوة وأدوات، يوصف أحياناً بمصطلح "الإمبريالية المالية".       

وعند تناول تلك الأدوات، فلننسَ، هنيهةً، الدولار الأميركي، الذي ما زال مهيمناً، في المبادلات الدولية، وأن السلع الأساسية عالمياً مسعّرة بالدولار، من الذهب إلى القمح إلى النفط... إلخ. 

لنتجاوز، للحظة، باع واشنطن الطويل في المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل "صندوق النقد الدولي" أو "البنك الدولي" أو "منظمة التجارة العالمية".

ولنضع جانباً "فخ الديون" وما يستجلبه من رهن للأصول المحلية للخارج ومن سياسات تقشفية ترفع مستويات الفقر والبؤس.   

لننسَ، كذلك، الدور الوازن للسندات الحكومية وأذونات الخزينة الأميركية في الأسواق المالية والرأسمالية دولياً، وهو دورٌ يتراجع، لكنه ما زال مهيمناً. 

لنتفحص حالياً، عوضاً عن ذلك كله، طريقة تحويل الأموال دولياً.  لنفترض أن تاجراً في ماليزيا أراد أن يحوّل أموالاً إلى حساب مصنع في تايلند المجاورة.  ربما يبدو الأمر بسيطاً: بإمكان التاجر أن يذهب إلى مصرف في ماليزيا كي يحوّل الأموال إلى الحساب التايلندي عبر مؤسسة مالية، مصرفية أو غير مصرفية، هناك.  

لكنّ الأمور ليست بتلك البساطة، إذ على المصرف الماليزي الذي يتعامل معه التاجر أن يجد عبر منظومة "سويفت"، التي تضم أكثر من 11500 مؤسسة مالية عالمياً، مصرفاً غربياً، أميركياً على وجه الخصوص إذا كان التعامل بالدولار، كما هي الحال عادةً، كي يؤدي دور "بنك مراسل" Correspondent Bank يمثل "جسراً" بين المصرفين أو المؤسستين الماليتين.

يتقاضى ذلك البنك المراسل عمولةً طبعاً، والأهم أنه يتأكد قبل إتمام المقاصة من توافقها مع القوانين الأميركية، وعلى رأسها "تمويل الإرهاب" طبعاً، أو لوائح الحظر والعقوبات... أي أنه يقرر أن تمر العملية أو لا تمر.   

ربما يبدو للوهلة الأولى أن الحل بسيط: لماذا لا تنشأ مؤسسات بديلة أو منافسة لمنظومة "سويفت"؟  أليس كذلك؟  وهناك أنظمة تحويل أموال بديلة فعلاً، مثل CIPS الصينية، أو SPFS الروسية، وغيرها.  لكنّ ذلك يبقى مشروعاً للمستقبل، لعالم متعدد الأقطاب.  أما حالياً، فإن 80% إلى 90% من حركة رؤوس الأموال دولياً تمرّ عبر "سويفت"، وتبقى منظومة CIPS الصينية، أهم منافس لها، عند 1% إلى 2%!   

تنبع قوة شبكة "سويفت" إذاً من أنها شبكة رأس المال المالي الدولي المعتمدة، وهو رأس مال غربي أساساً، وأميركي ويهودي خصوصاً، كما رأينا أعلاه، أي إن قوته تكمن في حجمه المطلق والنسبي.   

وما دامت المصارف والمؤسسات والكتل المالية المهيمنة عالمياً لا تريد أن تؤسس بديلاً لـ "سويفت"، فإن البقاء خارج "سويفت" يعني الانفصال عن المنظومة المالية الدولية، و"مئة عام من العزلة" مالياً (من بعد إذن الروائي ماركيز).  

وحتى عندما يجري الترويج بقوة لمفهوم "الاشتمال المالي" Financial Inclusion، أي ربط كل مواطن في العالم بالمنظومة المالية والمصرفية، فإن المقصود هو ربطه برأس المال المالي الدولي عبر "سويفت" ومؤسساته.  

أما التحدي الجديد للمنظومة الآن فيأتي من العملات الرقمية Crypto Currencies، التي ما زالت بحاجة إلى وقتٍ طويل قبل أن تصبح بديلاً أو منافساً جاداً لـ "سويفت"، مع العلم أن المنظومة باتت الآن تسمح بتحويل نظام سجلات "البلوكتشين" التي تتداولها البنوك الكبرى المشاركة تحديداً.

المهم، ما دام مركز ثقل رأس المال المالي الدولي غربياً، رأسمالاً ومؤسسات، وما دامت دول "بريكس" تتبع استراتيجيات دفاعية فحسب، وحتى تلك بأدنى الحدود، فإن وزارة الخزانة الأميركية ستبقى تحكم وترسم في المنظومة المالية الدولية.

وسنظل نلاحظ، من جراء ذلك، صوراً من الهيمنة المالية في عالمنا المعاصر يندى لها الجبين، ومن ذلك مثلاً لا حصراً:

1) مثال ليبيا: تجميد ما يراوح بين 150 إلى 200 مليار دولار من الأصول الليبية عشية عدوان الناتو على ليبيا سنة 2011، يعود بعضها إلى البنك المركزي الليبي، وبعضها الآخر لسلطة الاستثمار الليبية، وبعضها لمؤسسات أو شخصيات ليبية أخرى.  ومن بين أصول سلطة الاستثمار الليبية، مثلاً، المقدّرة اليوم بما يراوح بين 62.8 و80 مليار دولار، ثمة 40 إلى 43 مليار دولار تحت الحظر، وتبقى 9.5 مليارات تحت رخص خاصة، و20 إلى 23 ملياراً ليست محظورة.  ويبقى ما ضاع، أو جرى تجميده، أو فك تجميده، أو أنفق، أو سرق، شأناً غامضاً تغيب معالمه في متاهات منظومة رأس المال المالي الدولي.  والله غالب، كما يقول الإخوة الليبيون.

2) مثال العراق: وضع عائدات النفط العراقية تحت الوصاية الأميركية منذ الاحتلال سنة 2003، بموجب قرارات تنفيذية جددها كل رئيس أميركي منذ جورج بوش الابن، وجددها ترامب مجدداً في أيار/ مايو الفائت.  ولا يستطيع العراق التصرف بتلك الأموال فعلياً من دون إشراف ووصاية أميركيين، الأمر الذي يصبح رافعة لفرض تقيد العراق بالإجراءات الأميركية وإلا...  وكان من ذلك، مثلاً لا حصراً، حظر تصدير الدولارات التي يملكها العراق في حسابين في فرع الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى العراق منذ بدء العدوان على إيران حتى بداية شهر تموز/ يوليو.  وبينما يتلهّى البعض بإعلانات انسحاب الولايات المتحدة عسكرياً من العراق، فإن الهيمنة المالية الأميركية على عوائد العراق النفطية، وبالتالي موازنة حكومته، وقوة الدينار، وما يمكن أن يستورده أو لا يستورده وممن، لا يُناقش!

3) مثال فنزويلا: وضع عائدات النفط الفنزويلي تحت إشراف وزارة الخزانة الأميركية مباشرة في حساب لا يحق لفنزويلا الوصول إليه في مصرف "سيتي بانك" Citibank، أحد أكبر المصارف الأميركية طبعاً، وأحد قلاع رأس المال المالي الدولي.  ويأتي ذلك في ظل غياب كامل للشفافية بشأن مليارات الدولارات التي مرت عبر ذلك الحساب، الأمر الذي دفع عدداً من نواب الحزب الديمقراطي في الكونغرس إلى تقديم مطالبة رسمية لوزير الخارجية ماركو روبيو كي يقدم كشف حساب واضحاً، كما وعدت إدارة ترامب منذ أشهر ولم تفِ.  فرحمة الله على القائد الأممي هوغو تشافيز!