الأمن القومي الإسرائيلي وأضرار ما بعد الطوفان (2/2)
منسوب القلق وعدم اليقين الذي كان يسود المستويين الأمني والسياسي في "إسرائيل" قد ارتفع بعد "طوفان الأقصى"، لا سيّما أن المنطقة ما زالت تعيش في واقع مضّطرب وغير مستقر.
-
مفهوم "الردع" تضرّر بصورة لافتة بعد انطلاق الطوفان.
على الرغم من كل التعديلات والإضافات التي أُدخلت على "نظرية الأمن الإسرائيلية"، فإنها لم تستطع حسب معظم الخبراء والمختصين التغلّب على جملة التطورات والمخاطر التي نشأت في السنوات الثلاثين الأخيرة على وجه التحديد، إذ أشارت الكثير من الدراسات لباحثين إسرائيليين إلى أن الواقع الأمني في "إسرائيل" استمر على هشاشته وضعفه، وأن هناك أزمة واضحة على صعيد عقيدة "الأمن القومي" للكيان العبري حتى مع وجود تحديثات وتعديلات مختلفة، وأنه لا توجد " نظرية " واضحة ومبلورة تستجيب لعديد المتغيّرات التي تشهدها المنطقة بشكل عام، أو التي يمر بها الكيان الصهيوني بشكل خاص، وقد كشفت بعض الدراسات عن وجود شقوق عميقة في مفهوم "الأمن القومي التقليدي لـ "إسرائيل" ، والذي تحوّل خلال سنين طويلة من عمر الكيان إلى عقيدة غير موضوعية، ساهمت في دخول "الدولة" العبرية بمؤسساتها كافة وفي المقدمة منها مؤسسة "الجيش" إلى مرحلة من "الانحطاط الاستراتيجي" ،حيث ازداد الفشل المتكرر سياسياً وعسكرياً وضوحاً، وانسحب هذا الفشل على الوضع الاقتصادي والاجتماعي داخل "الدولة" بشكل واضح وملموس.
وقد دفعت "إسرائيل" ثمناً باهظاً نتيجة ذلك الفشل، سواء على المستوى الاستراتيجي، أو على المستوى العملياتي،حيث كان أكثر وضوحاً عند اندلاع معركة "طوفان الأقصى"، والتي يمكن الاعتقاد بأنها نسفت نظرية الأمن الإسرائيلية من الأساس، وأسقطت كل مبادئها ومفاهيمها في أقل من ثلاث ساعات، في واحدة من أكثر المعارك حسماً في التاريخ الحديث، على الرغم من أن أحد طرفيها كان عبارة عن مجموعات قتالية قليلة العدد، متواضعة الإمكانيات، ولديها نقص كبير في الوسائل والأدوات إلا أنها استطاعت بكثير من الخداع الاستراتيجي، والذكاء العملياتي، والعقيدة القتالية الصلبة، إنزال هزيمة ساحقة بـ"جيش" تفاخر طوال تاريخه بأنه "جيش" لا يُهزم.
يمكن لنا مشاهدة حجم الضرر الذي ألحقته معركة "طوفان الأقصى" بالأمن القومي "للدولة العبرية"، وبما أحدثته من ندوب عميقة في جسد هذه "الدولة" التي كادت أن تسقط لولا تدخّل حلفائها من كل حدب وصوب، إذ سنشير في ما يلي إلى جزء من تلك الأضرار، مع التركيز بشكل خاص على أربعة مبادئ أساسية نرى أنها تضررت أكثر من غيرها، مستشهدين بنماذج محدّدة وقعت في ساحات مختلفة من تلك التي وصلتها تداعيات هذه المعركة المجيدة والفاصلة.
من الساحة التي أشعلت شرارة "الطوفان" نبدأ،حيث قطاع غزة الصغير جغرافياً، والذي لا تزيد مساحته الإجمالية على 365كلم2، والمتواضع على صعيد القدرات والإمكانيات، إذ كان قد مر على تعرّضه لحصار ظالم وشامل لحظة اشتعال "طوفان الأقصى" أكثر من ستة عشر عاماً متواصلة، حيث تمكنت المقاومة الفلسطينية التي كانت تعمل في ظروف استثنائية ومعقّدة من تنفيذ واحدة من أكبر وأهم العمليات العسكرية في التاريخ الحديث، إذ نجحت في هزيمة وإسقاط "فرقة غزة"، والتي كان يُنظر إليها قبل هذه المعركة بأنها من الفرق النخبوية المتكاملة في "جيش" الاحتلال، لا سيّما أنها كانت تتولّى حماية وتأمين المنطقة الممتدة على طول الحدود بين الأراضي المحتلة عام 48 وبين قطاع غزة، بالإضافة إلى كامل الحدود مع جمهورية مصر العربية.
هذه الفرقة التي تعمل تحت إطارها وحدات من مختلف التخصّصات القتالية، إلى جانب الوحدات الاستخبارية، والدعم اللوجستي، وقصاصي الأثر، وتقع تحت مسؤوليتها أيضاً واحدة من أهم قواعد التجسّس السريّة الإسرائيلية، سقطت في غضون ساعتين أو ثلاث، وتفكّكت كتائبها وانهارت في موجة الهجوم الأولى، بل وتم قتل وأسر عدد كبير من جنودها وضباطها خلال العملية، وهي المرة الأولى في تاريخ "الجيش" الإسرائيلي التي تتعرّض فيها إحدى وحداته لهذا الكم من الخسائر.
في هذا الهجوم الصاعق والمفاجئ سقط واحد من أهم أعمدة نظرية الأمن الإسرائيلية وهو مفهوم "الإنذار"، والذي وصف أحد الخبراء الإسرائيليين الفشل الذي مُنيَ به بأنه "فضيحة"، فيما وصفه آخر بأنه انهيار غير مسبوق، ويعبّر عن مدى "الانحطاط" الذي وصلت إليه أجهزة الأمن الإسرائيلية في ذلك الوقت.
من أجل ترسيخ مفهوم "الإنذار" وزيادة فعاليته، امتلكت "إسرائيل" أجهزة استخبارات تتمتّع بقدرات وإمكانيات كبيرة، وهي على الرغم من تعرّضها لكثير من الإخفاقات، لا سيما في السنوات الأخيرة، فإن هذه الأجهزة ظلّت جزءاً أساسياً من منظومة اتخاذ القرار في الكيان الصهيوني، وصاحبة اليد الطولى في تحديد شكل السياسات الإسرائيلية، تجاه العديد من الملفات الداخلية والخارجية.
جهاز "الشاباك" واحد من أكثر هذه الأجهزة حضوراً وتأثيراً، خصوصاً على مستوى عملية صنع القرار السياسي والعسكري داخل "إسرائيل"، وقد حاز على تلك المكانة الرفيعة ،كونه يُعنى بمهمات حسّاسة ومعقّدة على صعيد حفظ الأمن الداخلي الصهيوني، حيث تُعد حماية "الدولة" من أي أخطار تتهدّدها على المستوى الداخلي، سواء كانت هذه الأخطار من داخل المجتمع الصهيوني، او على مستوى الصراع مع الفلسطينيين من أهم واجباته، إلى جانب توفير الحماية لكبار الشخصيات السياسية والعسكرية، ورفع التوصيات حول التهديدات المحتملة وطريقة التعامل معها، وإحباط الهجمات التي يمكن أن تشكل تهديداً للجبهة الداخلية الصهيونية، والإشراف على عمليات التحقيق مع المعتقلين الفلسطينيين وغيرها من المهمات الأخرى.
هذا الجهاز إلى جانب شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، والتي تُعد أكبر وأضخم الأجهزة الاستخبارية وأكثرها كلفة لموازنة "الدولة" العبرية، وهي مسؤولة بشكل أساسي عن تزويد الحكومة الصهيونية بالتقييمات الإستراتيجية، إضافة إلى تقديم إنذارات ساخنة وعاجلة عن إمكانية شن حرب أو عمل عسكري ضد "إسرائيل "،سقطا سقوطاً مدوّياً وإلى جوارهما مفهوم "الإنذار "برمّته صبيحة السابع من تشرين الأول/أكتوبر من عام 2023، إذ فشلا في تقديم معلومات حاسمة حول نية المقاومة الفلسطينية شن مثل هذا الهجوم، أو توقّع شكله وحجمه ومداه، رغم ما كان يُعتقد بأنه إشراف أمني واستخباري كامل لهذه الأجهزة على قطاع غزة، وإحاطتها بكل صغيرة وكبيرة تجري فيه، وقد استمر هذا الفشل وإن كان بشكل أقل خلال شهور الحرب، وخصوصاً في ما يتعلّق بالوصول إلى أماكن احتجاز الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة.
مفهوم ثان تضرر بشدّة في معركة "طوفان الأقصى" وهو مفهوم "الدفاع"، والذي تمت إضافته إلى عقيدة الأمن الإسرائيلية بعد حرب تموز 2006 مع حزب الله، نتيجة انكشاف الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمام صواريخ المقاومة اللبنانية، حيث تم حينها نصب بطاريات دفاع جوي، ومنظومات إنذار مبكّر في معظم المدن الصهيونية للتصدّي للصواريخ القادمة من الخارج.
في "طوفان الأقصى" سقط هذا المفهوم بصورة دراماتيكية، ولكنه هذه المرة ليس نتيجة الصواريخ القادمة من لبنان أو غزة وإن كانت سبّبت له أضراراً كبيرة ولافتة، وإنما نتيجة الصواريخ القادمة من بعد 2000 كلم حيث الجمهورية الإيرانية، والتي ضربت عمق "الدولة" العبرية كما لم يحدث من قبل، وسبّبت لها خسائر مادية وبشرية هائلة، ما زالت الرقابة العسكرية العبرية تخفي أغلبها حتى وقتنا الحالي.
هذه الصواريخ التي سقطت أمامها منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية متعدّدة الطبقات، إلى جانب نظيرتها الأميركية، بالإضافة إلى منظومات دول إقليمية وعربية شتّى، أصابت مفهوم "الدفاع" في العقيدة الأمنية الإسرائيلية في مقتل، وكشفت مدى الترهّل الذي حلّ به رغم مليارات الدولارات التي أنفقت من أجل تحديثه وتطويره.
ثالث المفاهيم التي تضررت هو مفهوم "الحسم"، والذي كان يقع في صُلب العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وتم الاعتماد عليه خلال حروب "إسرائيل" السابقة في تحقيق نصر سريع وحاسم، وفي أقل مدة زمنية ممكنة، تجنباً لوقوع خسائر بشرية ومادية في صفوف الإسرائيليين، ولعدم امتلاك "إسرائيل" عمقاً استراتيجياً يمكن أن تلجأ إليه في أوقات الحروب والأزمات.
يمكن ملاحظة تضرر هذا المفهوم بشكل كبير في أكثر من ساحة من تلك التي تأثّرت بـ "طوفان الأقصى"، كان من بينها قطاع غزة، حيث فشل "جيش" الاحتلال المتفوّق عسكرياً في حسم المعركة ضد المقاومة الفلسطينية المتواضعة على صعيد القدرات والإمكانيات طوال عامين كاملين، ولكن الضرر كان أبرز وأكثر وضوحاً في المواجهة مع حزب الله في لبنان، حيث لم يستطع "جيش" الاحتلال حسم معركته هناك رغم كل ما استخدمه من إمكانيات وقدرات، ورغم كل الدعم المباشر الذي قُدّم له من حلفائه في محور الشر.
صحيح أنه في هذه الساحة تمكّن من توجيه ضربات مؤثّرة ولافتة للمقاومة اللبنانية، وصحيح أنه تمكّن من اغتيال معظم قادة الصف الأول فيها وفي المقدّمة منهم سماحة السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، وإخوانه في قوة الرضوان وغيرهم، إلا أن ذلك لم يمكنه من حسم المعركة لا سيّما في جانبها البري، والذي وعلى الرغم من دفعه بست فرق عسكرية ونخبوية لتحقيق الأهداف التي وضعها هناك، ورفعه شعارات عالية السقف مثل الوصول إلى الليطاني، وإقامة منطقة عازلة، ونزع سلاح المقاومة، إلا أن الفشل استمر حتى آخر الحرب، مع زيادة واضحة وملموسة في الخسائر البشرية التي لحقت بجنود الاحتلال خصوصاً أثناء المواجهات التي دارت في المناطق الحدودية مع لبنان،بل وزاد عليها تلقّي جبهته الداخلية خسائر فادحة نتيجة صواريخ ومسيّرات حزب الله، والتي ضربت مئات الأهداف الحيوية والحسّاسة التي كان من بينها بيت مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، بالإضافة إلى مجموعة من أهم القواعد العسكرية والاستخبارية.
مفهوم "الردع" هو الآخر تضرّر بصورة لافتة بعد انطلاق الطوفان، وكانت الساحة اليمنية أحد الشواهد المهمة على ذلك، إذ إن دولة فقيرة وشبه معدومة، وتتعرض لحرب عدوانية من تحالف دولي مجرم منذ سنوات عدة،تحدّت من دون خوف أو وجل أقوى "دولة" في الشرق الأوسط، وهاجمتها بالصواريخ البالستية والمسيّرات مئات المرّات، بل وفرضت عليها طوقاً بحرياً أدّى إلى إغلاق أحد أهم موانئها البحرية في "إيلات"، وإلى تعرّضه لخسائر مادية غير مسبوقة، إلى جانب منع حركة الملاحة الجوية من وإلى المطارات الإسرائيلية في كثير من الأوقات، وفي المقدّمة منها أكبر وأهم تلك المطارات مطار "بن غوريون".
وعلى الرغم من العدوان الإسرائيلي والأميركي والبريطاني على اليمن، واستهداف الأعيان المدنية من مطارات ومنشآت غاز وكهرباء، وقتل مئات المدنيين العزل، إلا أن ذلك لم يردع اليمنيين، ولم يدفعهم إلى التراجع عن دعمهم لغزة، ولا عن الوفاء بعهدهم الذي قطعوه على أنفسهم بالوقوف إلى جانبها ومساندتها مهما كلّف ذلك من ثمن.
باقي مفاهيم ومبادئ عقيدة الأمن الإسرائيلية تضرّرت أيضاً بصورة أو بأخرى، مثل الاستيعاب والمنع والتقويض والشلل، إلى جانب "الغطاء الدولي"، والذي تعرّض لانتكاسة حادّة نتيجة ما لحق بـ "إسرائيل" من إدانات واتهامات، وصلت لإدانتها من قِبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب، وإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس وزرائها ووزير حربها السابق لأول مرة في التاريخ.
ختاماً، يمكننا الاعتقاد بأن منسوب القلق وعدم اليقين الذي كان يسود المستويين الأمني والسياسي في "إسرائيل" قد ارتفع بعد "طوفان الأقصى"، لا سيّما أن المنطقة ما زالت تعيش في واقع مضّطرب وغير مستقر على خلفية ما جرى من أحداث، وهذا الأمر سيدفع من دون أدنى شك مراكز الدراسات الإسرائيلية إلى البحث عن حلول جديدة لمواجهة سيل الأزمات الحالية، ولتلك التي ستظهر خلال الأشهر أو السنوات القادمة، إلا أننا نعتقد وغيرنا الكثيرون بأن كل الحلول المُتوقعة، والتحديثات المحتملة لعقيدة الأمن في "الدولة" العبرية لن تكون قادرة على مواجهة العديد من التغيرات الاستراتيجية التي ما زالت تتشكّل وتتبلور، والتي سيكون معظمها في صالح قوى المقاومة في المنطقة.
نحن نعتقد أن الفترة القادمة على صعوبتها ستشهد صعوداً لقوى الأمة الحيّة، والتي رغم تلقيها ضربات موجعة، فإن بإمكانها تحويل هذا التهديد إلى مناسبة للبناء والنهوض، مستفيدة من تجربة غنيّة، فتحت أمامها أبواباً كانت مُغلقة، ومجالات كانت غائبة، وفرصاً كانت في كثير من الأوقات منسيّة ومُهدرة.