إيران.. من طرف في الصراع إلى رقم صعب في المعادلة
الرسالة التي قد تخرج بها المنطقة والعالم أجمع بعد انتهاء هذه الحرب، هي أنّ إيران ليست دولة يمكن تجاوزها عند رسم خرائط الأمن الإقليمي، بل أصبحت لاعباً رئيسياً لا يمكن استبعاده من أيّ معادلة استراتيجية تتعلّق بالشرق الأوسط.
-
الولايات المتحدة فشلت في استخدام تفوّقها العسكري في معادلات القوة الإقليمية.
لم يكن إعلان باكستان عن التوصّل إلى اتفاق ووقف الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرّد خبر سياسي عابر يضاف إلى سجل الأحداث المتسارعة في المنطقة، بل بدا وكأنه لحظة مفصلية تعيد رسم المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط بأكمله.
إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نجاح المفاوضات والتوصّل إلى هذا الاتفاق، وما تلاه من تصريحات وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي عن وقف فوري للحرب والعمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، بدا أنّ المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها ومعادلاتها عن كلّ ما سبقها.
فالشرق الأوسط الذي عاش لعقود طويلة تحت وطأة الحروب والصراعات المفتوحة والتحالفات المتغيرة، يجد نفسه اليوم أمام لحظة مفصلية، فالقضة ليست مجرّد قضية اتفاق وقف لإطلاق النار، بل إعادة تقييم لمرحلة كانت المواجهة العسكرية فيها هي العنوان الأبرز ومعها الأهداف التي سعى كلّ طرف إلى تحقيقها، ولشكل النظام الإقليمي الذي سيتشكّل بعد انقشاع غبار المواجهة هذه المرة.
السؤال الرئيسي اليوم بعد الإعلان عن اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، هو من نجح في فرض معادلته السياسية بعد توقّف إطلاق النار، فالحروب لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات المواجهة بل تقاس بالنتائج وبما تتركه من آثار استراتيجية تعيد تشكيل موازين القوى وتحدّد اتجاهات المستقبل.
تاريخياً، في الصراعات الكبرى عندما تتوقّف الحروب قبل تحقيق أهدافها، لا يكون الانتصار دائماً لمن يمتلك القوة الأكبر، بل لمن ينجح في تحويل توظيف المشهد ككلّ إلى نتائج سياسية ملموسة، ومن هذا المنظور، فإنّ الوصول إلى اتفاق يوقف الحرب قبل تحقيق الأهداف المعلنة يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حصاد هذه المرحلة من المواجهة التي شهدت أحداثاً مفاجئة لكثير من الأطراف.
لقد دخلت الولايات المتحدة الأميركية المواجهة وهي تمتلك تفوّقاً عسكرياً مع حليفتها "إسرائيل" واستخدمت قواعدها في كلّ المنطقة كي تحقّق أهدافها التي أعلنتها، وطيلة أيام المواجهة وهي تقول إنها ماضية في تحقيق ذلك، لكنها وصلت إلى لحظة أدركت فيها أنه من الصعب تحقيق ذلك بمنطق القوة العسكرية، وأنّ هذه الخيارات لن تجدي نفعاً مع إيران، فلجأت إلى خيار التفاوض، وهذا ما يدفع كثيرين إلى التساؤل بعد الإعلان عن التوصّل إلى اتفاق حول مدى نجاح واشنطن في تحقيق أهدافها الاستراتيجية لهذه الحرب.
النتيجة الأهمّ تقول بشكل واضح إنّ الولايات المتحدة فشلت في استخدام تفوّقها العسكري إلى تغيير جذري في معادلات القوة الإقليمية في حربها مع إيران، وإنّ اعتمادها في النهاية على المسار التفاوضي يعكس استسلاماً واضحاً واعترافاً بقوة إيران كدولة ورقم صعب في المعادلة في منطقة معقّدة مثل الشرق الأوسط، ويعطي نتيجة واضحة للإدارة الأميركية أنّ القوة العسكرية مهما بلغت ذروتها ستصل إلى لحظة العجز عن فرض الشروط والإملاءات.
منذ سنوات طويلة ومع كلّ مواجهة تعود "إسرائيل" لتعيش المأزق ذاته، وعلى مدار سنوات الصراع ارتبطت العديد من المشاريع السياسية والأمنية الإسرائيلية بفكرة إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، أو كما نسمع في كلّ مرة رسم شرق أوسط جديد بما يضمن تفوّقاً إسرائيلياً استراتيجياً طويل الأمد، ويحدّ من قدرة القوى المنافسة كإيران على التأثير أو التفوّق، لكنّ الوقائع التي أفرزتها هذه المرحلة تشير إلى أنّ تحقيق هذا الهدف كان صعب المنال بل وبات أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.
انتهت المواجهة مع إيران من دون إحداث تغيير جذري في موازين القوى كما كان يقول ترامب في كلّ إطلالة إعلامية له، وهذا يعني أنّ مشروع إعادة رسم المنطقة بمنطق القوة العسكرية لم يحقّق النتائج التي كان يأملها.
ثمّة نتيجة من المهم ذكرها في هذا المقام، أنّ الأحداث أثبتت أنّ الشرق الأوسط ليس مساحة فارغة يمكن إعادة هندستها بإرادة ورغبات "إسرائيل" أو حتى الإدارة الأميركية، بل منظومة شديدة التعقيد تتداخل فيها المصالح والهويات والتحالفات والتوازنات والاعتبارات التاريخية إضافة إلى موازين القوة والحسابات الأخرى، لذلك فإنّ أيّ محاولة لفرض واقع جديد بشكل أحادي تصطدم بحقائق الجغرافيا السياسية وبقدرة القوى الإقليمية على التكيّف والمقاومة وإعادة إنتاج هذه التوازنات.
ثمّة نتيجة أخرى يمكن استخلاصها بعد الإعلان عن التوصّل إلى اتفاق برعاية باكستانية أنّ إيران التي وصفها البعض بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية بطرف في الصراع باتت رقماً صعباً في المعادلة وستكون المستفيد السياسي الأكبر من هذه المرحلة، فطهران دخلت المواجهة وهي تواجه ضغوطاً هائلة وعقوبات اقتصادية وعزلة سياسية ومحاولات مستمرة لتقليص نفوذها الإقليمي، لكنّ مجرّد الوصول إلى اتفاق يوقف الحرب عبر التفاوض معها، وليس عبر فرض الشروط عليها، سيمنحها مكاسب سياسية ومعنوية يصعب تجاهلها في مرحلة ما بعد الحرب.
على الزاوية الأخرى من الصورة ، فإنّ الرسالة التي قد تخرج بها المنطقة والعالم أجمع بعد انتهاء هذه الحرب، هي أنّ إيران ليست دولة يمكن تجاوزها عند رسم خرائط الأمن الإقليمي، بل أصبحت لاعباً رئيسياً لا يمكن استبعاده من أيّ معادلة استراتيجية تتعلّق بالشرق الأوسط.
في السياسة الدولية، يعدّ البقاء والثبات والصمود أمام ضغوط وتحالفات كبرى شكلاً من أشكال القوة بحدّ ذاته، لذلك الأهمّ أنّ هذه المرحلة لم تظهر إيران كدولة نجحت في الصمود فحسب، بل أظهرتها كقوة إقليمية استطاعت أن تعزّز مكانتها، وتكرّس نفسها لاعباً رئيسياً في معادلات القوة الإقليمية، فعلى الرغم من سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعسكرية ومحاولات العزل، لم تنهَر الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتغلّبت على كلّ الضغوط، كما لم تتفكّك منظومة حلفائها الإقليميين وكانت قوية وواجهت بكلّ بسالة، بل خرجت من المواجهة محتفظة بقدرتها على التأثير والمناورة.
لقد أثبتت أحداث الحرب وتفاصيلها أنّ إيران لم تعد مجرّد دولة تسعى إلى دور إقليمي، بل أصبحت جزءاً من معادلة القوة التي لا يمكن تجاوزها أو رسم مستقبل المنطقة من دون أخذ مصالحها وحساباتها بعين الاعتبار، فالدول الكبرى قد تختلف معها حيناً أو تتصارع معها حيناً آخر، لكنّ النتيجة الواضحة أنها لم تعد قادرة على تجاهلها ولن يكون ذلك إلّا لأنها تحمل مشروعاً كبيراً.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إنّ طهران نجحت في انتزاع اعتراف عمليّ بمكانتها الاستراتيجية في المنطقة، ليس بمنطق الخطابات والشعارات، بل بموقع الفاعل المؤثّر عبر الوقائع التي فرضتها على الأرض طيلة المعركة مع "إسرائيل" والولايات المتحدة.
وإذا كانت الحروب تُقاس بنتائجها النهائية لا بشعاراتها الأولية، فإنّ مجرّد الانتقال من منطق كسر إيران وإضعافها إلى منطق التفاوض معها والتوصّل إلى تفاهمات تنهي المواجهة، يمثّل مؤشّراً على أنّ ميزان القوى في المنطقة لم يعد كما كان، وأنّ إيران رسّخت موقعها كأحد أبرز الفاعلين القادرين على التأثير في مسارات الأمن والاستقرار الإقليميين.
ومع ذلك، فإنّ تحويل هذا الإنجاز السياسي إلى مكسب استراتيجي دائم سيعتمد على قدرة إيران على استثمار المرحلة الجديدة بحكمة، وتجنّب الانجرار إلى مواجهات جديدة قد تستنزف ما حقّقته من مكاسب استراتيجية مهمة.
من أهمّ الدروس التي كشفتها هذه المرحلة أنّ العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف ولا بالشعارات، بل بالمصالح، لذلك أستطيع الجزم أنّ أحد أبرز تجلّيات هذه الحرب أنها سجّلت سقوطاً لأوهام الحماية الأميركية المطلقة في المنطقة، فكثير من دول المنطقة بنت سياساتها الأمنية لعقود على أساس الاعتماد على المظلة الأميركية باعتبارها ضمانة دائمة للأمن والاستقرار، لكن سرعان ما كشفت الحرب هشاشة هذه السياسة التي أعادت التذكير بحقيقة أساسية مفادها، أنّ "المتغطّي بأميركا عريان".
ربما هذا الإدراك قد يدفع العديد من الدول إلى إعادة التفكير في مفاهيم الأمن لديها، والبحث عن ترتيبات إقليمية جديدة أكثر استقلالية وأقلّ اعتماداً على أميركا، خصوصاً في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
قد يُطرح سؤال هنا، ماذا بعد هذا الاتفاق، هل سنكون أمام شرق أوسط جديد أم توازن جديد؟
المؤكّد وفق قراءتي أنّ المنطقة بعد الاتفاق تدخل مرحلة مختلفة عمّا كانت عليه قبل الحرب، فالمرحلة المقبلة لن تقوم على هيمنة مطلقة لطرف واحد، كما لن تقوم على إقصاء كامل لأيّ قوة إقليمية مؤثّرة، بل يبدو لي أنّ المنطقة تتجه نحو توازنات جديدة أكثر تعقيداً، تفرض على الجميع الاعتراف بحدود القوة وبحاجة الأطراف المختلفة إلى القبول بالآخر أو التعايش ضمن معادلات جديدة، وهنا أقصد قبول دول بعينها إيران كقوة يصعب تجاوزها كانت تتخذ سياسات ما سابقاً بحقّها، وفي هذا السياق، قد نشهد انتقالاً تدريجياً من منطق القناعة بخيار الحسم العسكري إلى منطق إدارة التوازنات، ومن الرهان على القوة العسكرية وحدها إلى توظيف أدوات السياسة في إدارة الصراعات.
لعلّ أدقّ ما يمكن توصيفه إزاء الإعلان عن اتفاق برعاية باكستانية، أنّ المنطقة مقبلة على مرحلة قد لا تنهي التنافس الإقليمي، لكنها قد تغيّر قواعده وأدواته، وما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في مجرّد اتفاق لوقف إطلاق النار أو في هدنة مؤقتة ،فالأحداث الأخيرة كشفت عن تحوّلات أعمق تمسّ بنية النظام الإقليمي نفسه، وأظهرت أنّ موازين القوى في الشرق الأوسط باتت أكثر تعقيداً من أن تُحسم بإرادة الرئيس دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو مهما بلغت قوتهما.
من المسلّمات التي يمكن تسجيلها أمام هذا الاتفاق أنّ الحرب على إيران دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في مسلّمات كانت تبدو راسخة، بدءاً من قدرة تفوّق القوة العسكرية على فرض نتائج سياسية دائمة، وصولاً إلى طبيعة التحالفات الدولية وحدود الاعتماد على القوى الكبرى في المنطقة، كما عزّزت قناعة متزايدة بأنّ أيّ ترتيبات في المنطقة لن تكون مقبولة إذا تجاهلت القوى الفاعلة على الأرض أو حاولت تجاوزها كإيران وحلفائها.
لعلّ الدرس الأهمّ في هذه الحرب أنها بدأت برغبة وإرادة أميركية إسرائيلية خالصة لكنها انتهت وفق ما سُرّب من بنود الاتفاق بمعادلات جديدة ستؤثّر على شكل المنطقة ككلّ، هذه المعادلات لن تعجب البعض وسيعمل آخر على تخريبها، وربما يبدأ صراع من نوع جديد يكون أكثر تأثيراً وعمقاً.
لهذا، فإنّ ما نشهده اليوم قد لا يكون نهاية الصراع برمّته بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه بلا شكّ نهاية مرحلة كاملة وبداية مرحلة مختلفة في تاريخ المنطقة، مرحلة ستُبنى فيها التوازنات الجديدة على الاعتراف بالحقائق التي فرضتها الوقائع لصالح إيران، لا على الأوهام التي سقطت تحت اختبار الأحداث والأوهام والرغبات.