إدارة ترامب تفتح مضيق هرمز بالإعلام!

واشنطن تعمّدت إخفاء الحقيقة مقابل ترويجها لروايات غير صحيحة ومضللة، كالحديث عن تدمير كامل للقدرات والإمكانيات الإيرانية، وأن طهران تستجدي اتفاقاً بأي ثمن، وما إلى ذلك.

0:00
  • مضيق هرمز.. الخسائر سوف تزداد تعقيداً وتعمقاً على الجميع.
    مضيق هرمز.. الخسائر سوف تزداد تعقيداً وتعمقاً على الجميع.

انضم وزير الطاقة الأميركي إلى "جوقة" المضللين في الإدارة الأميركية، وذلك بإعلانه قبل بضعة أيام عن عودة الصادرات النفطية الخليجية إلى مستوياتها المسجلة قبل بدء الحرب. ولم يكتفِ بذلك، بل قدم أرقاماً مثيرة للجدل، أهمها أن الصادرات التي عبرت مضيق هرمز في اليوم الأخير من شهرآب/ أغسطس بلغت نحو 17 مليون برميل، يضاف إليها ما بين 4-5 ملايين برميل صدرت عبر بدائل خطوط الأنابيب، والتي لجأت إليها السعودية والإمارات.

ولا يحتاج المتابع لتطورات الحرب ومجرياتها اليومية إلى كثير عناء حتى يتبين له أن تصريح الوزير الأميركي لا يمت للحقيقة بصلة، وأنه جزء من الحملة الإعلامية التي تنظمها حالياً إدارة الرئيس ترامب للتغطية على فشلها في إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة. وقلنا حملة إعلامية لأن الرئيس ترامب خرج هو أيضاً على الإعلام، متحدثاً عن عودة صادرات الخليج النفطية إلى سابق عهدها، فيما كان سعر برميل النفط يرتفع إلى أكثر من 95 دولاراً، في إشارة واضحة إلى عدم صحة ما يردده المسؤولون الأميركيون.

الواقع شيء آخر

ليست هذه هي المرة الأولى التي تطلق فيها إدارة الرئيس ترامب تصريحات مشكوكاً في صحتها ومصداقيتها حيال مجريات الحرب على إيران. فالأشهر الماضية من عمر الحرب شهدت صدور تصريحات كثيرة، أثبتت التطورات المتلاحقة أن واشنطن تعمّدت إخفاء الحقيقة مقابل ترويجها لروايات غير صحيحة ومضللة، كالحديث عن تدمير كامل للقدرات والإمكانيات الإيرانية، وأن طهران تستجدي اتفاقاً بأي ثمن، وما إلى ذلك.

لكن الادعاء بأن مضيق هرمز فُتح أمام السفن المحمّلة بالنفط يمثل كذبة مفضوحة حتى بالنسبة إلى المواطن الأميركي، الذي يجد نفسه في وضع يقارن فيه بين هذه التصريحات، وبين محافظة أسعار المشتقات النفطية الأساسية، والبنزين منها تحديداً، على ارتفاعها المرهق بالنسبة له ولأفراد أسرته.

وإلى جانب وضع أسعار المشتقات النفطية في الولايات المتحدة، فإن هناك ثلاث حقائق تدحض مزاعم الرئيس ترامب ووزير طاقته، أولها ما يتعلق ببيانات الرصد الدولية المتداولة حول حركة الملاحة خلال الأيام القليلة الماضية، والتي تشير صراحة إلى أن المضيق شهد خلال الأيام الأولى من الشهر الحالي انخفاضاً حاداً، واستمراراً لحالة الانكماش في حركة الملاحة، إذ لم يسجل سوى عبور ما بين 6-12 سفينة فقط يومياً، وذلك مقارنة بالمتوسط الطبيعي التاريخي البالغ نحو 60-85 سفينة يومياً، أي بنسبة تدفق لا تتجاوز 7-10% من السعة المعتادة.

وتضيف تلك البيانات أن أغلب السفن التي تم رصد تحركها هي سفن إقليمية صغرى، أو سفن نقل للبضائع السائبة وخدمات الصيانة الإقليمية، بينما استمر التوقف التام تقريباً لخروج ناقلات النفط العملاقة، وناقلات الغاز الطبيعي المسال، والتابعة لشركات عالمية عبر الممرات الخارجية. وتظهر البيانات في هذا السياق أيضاً أن هناك ما بين 250-400 سفينة تجارية ترسو في مناطق الانتظار المفتوحة داخل الخليج وخارج الممر الإقليمي، بانتظار استقرار الأوضاع الأمنية أو الحصول على إذن وتنسيق للعبور.

أما الحقيقة الثانية فهي تتمثل في أسعار النفط، التي لا تزال تشهد تذبذباً يومياً، إلا أنها عموماً لم تنخفض منذ إعادة إغلاق المضيق إلى ما دون 90 دولاراً، في حين أن فتح المضيق خلال شهر تموز/يوليو الماضي بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران أسهم في خفض الأسعار إلى نحو 75 دولاراً.

فكيف يستقيم الحديث عن عودة الخليج إلى ضخ ما بين 21-22 مليون برميل يومياً في الأسواق العالمية، مع محافظة الأسعار على وضعها المرتفع؟ هذا مع الإشارة إلى أن ضخ مثل هذه الكمية يومياً يخلق فائضاً جيداً في الأسواق العالمية، في خضم ما شهدته هذه الأسواق من متغيرات خلال الأشهر الماضية، إذ زادت الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية من صادراتها النفطية، ونجحت دول أخرى في تنفيذ سياسات تقلل من حجم استهلاكها اليومي.

الحقيقة الثالثة تكمن لدى الدول الخليجية، التي تؤكد مصادرها أنه ليس هناك من جديد على صعيد صادراتها شبه المتوقفة من النفط والغاز، إذ باستثناء العراق الذي حصل على موافقة إيرانية للسماح بعبور بعض السفن المحمّلة بنفطه إلى الأسواق العالمية، فإن بقية الدول لا تزال تواجه مشكلة في تصدير إنتاجها من النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية وغيرها، خصوصاً أن الأيام الأخيرة شهدت استهدافاً مباشراً لبعض السفن التي حاولت عبور المضيق من دون تنسيق مسبق مع الجانب الإيراني، وهو ما ردت عليه واشنطن باستهداف ثلاث سفن نفطية إيرانية، وبالتأكيد فإن طهران لن تسكت عن ذلك الاستهداف أو تتراجع عن موقفها بإغلاق المضيق في وجه السفن التي لا تنسق معها.

خياران اثنان

يرتبط فتح مضيق هرمز، وعودة حركة الملاحة فيه إلى سابق عهدها قبل بدء الحرب، بأحد أمرين اثنين:

الأول: توصل طهران وواشنطن إلى اتفاق شامل ينهي حالة الحرب بشكل دائم، ويضع ترتيبات تضمن عودة حركة الملاحة عبر المضيق من دون أي عوائق أو صعوبات. وهذا الخيار هو الأفضل والأسلم لدول المنطقة والعالم، لكونه يختصر الوقت ويقلل من حجم الخسائر، لكن هناك صعوبات وعوائق ترتبط بالمشروع الأميركي في المنطقة، الساعي إلى الهيمنة، وإخضاع الآخرين لسلطته بالقوة.

والخيار الثاني يتمثل في انتصار أحد الطرفين بشكل حاسم. وعندئذٍ، فإن الطرف المنتصر سيفرض سيطرته على المضيق، وتسيير شؤونه بالطريقة التي تحقق مصالحه وعلاقاته مع دول المنطقة. ووفق المعطيات الحالية، فإن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أي من أهدافها المعلنة من حربها على إيران، لا بل إنها كشفت لإيران عن الأهمية الجيواقتصادية الكبرى التي يشكلها مضيق هرمز بالنسبة لها وللعالم. وهذا ما يجعل طهران تبدو مصممة على إبقاء سيطرتها على المضيق مهما كان الثمن.

في خضم غياب ذلك النصر الحاسم، واستمرار الضربات العسكرية المتبادلة، فإن إعادة مضيق هرمز إلى العمل فعلياً باستخدام الخيار العسكري والضغط الاقتصادي والاستعراض الإعلامي الخادع ستكون بعيدة المنال، والخسائر سوف تزداد تعقيداً وتعمقاً على الجميع.