أين اختفت جثّة آخر أسير صهيوني في غزة؟
لا يمكن إنكار حقيقة أن المقاومة في قطاع غزة لا تملك أي أدوات حديثة لتحديد هويات الجثث أو التعرّف إلى أصحابها، وهذا الأمر ينسحب على كل المؤسسات الصحية في القطاع الصغير والمحاصر.
-
في حالة الأسير "ران غويلي" هناك إمكانية بأن تكون جثّته وقعت في أيدي بعض المواطنين.
بعيداً عما إذا كانت مسألة عدم تسليم جثة آخر أسير صهيوني في غزة ستترك تداعيات سلبية على اتفاق التهدئة أم لا، وبغض النظر عن المواقف المتباينة بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال حول هذا الموضوع، فإن قضية جثة الأسير الإسرائيلي "ران غويلي" ما زالت تشغل بال الكثيرين، سواء في قطاع غزة أو في دولة الاحتلال.
بالرجوع إلى التصريحات العديدة لقادة دولة الاحتلال حول هذا الأمر، ومن بينها تلك المنسوبة إلى وزير الحرب "يسرائيل كاتس"، فإن المقاومة في قطاع غزة، وتحديداً سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، ما زالت تحتفظ بجثة أسير صهيوني حصلت عليها أثناء هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر من العام 2023، وأنها تماطل في تسليمها للجانب الصهيوني، كما ينص اتفاق التهدئة المعمول به منذ العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام المنصرم.
في تصريحات أخرى، نقلت القناة 12 الإسرائيلية الخاصة بتاريخ الحادي عشر من كانون الأول/ديسمبر الماضي، عن مصادر أمنية لم تسمّها: "جرى في الأيام الأخيرة بدء فحوص ميدانية مرتبطة بخيوط أولية عن مكان جثة "غويلي"، والفحوص تُجرى في منطقة يُعتقد أنها على ارتباط بحركة الجهاد الإسلامي التي نفّذت عملية أسر الجندي". وتحدثت القناة عن تقديرات تفيد بأن عناصر الجهاد الذين دفنوا "غويلي" ما زالوا على قيد الحياة .
آخر تصريحات الاحتلال في هذا الجانب هو ما ورد في القناة العبرية الثالثة عشرة قبل عدّة أيام، والذي يشير إلى أن الجثة باتت في عهدة حركة حماس بعدما تسلمتها في وقت سابق من حركة الجهاد، وأنها، أي حماس، تتحمّل المسؤولية عن تسليمها إلى الصليب الأحمر ليتم إعادتها إلى الجانب الإسرائيلي، كما جرت العادة مع باقي الجثث التي تم تسليمها سابقاً.
حركة الجهاد من جانبها قطعت الشك باليقين من خلال تصريح رسمي صدر عن الناطق العسكري باسمها "أبو حمزة" بتاريخ التاسع من كانون الأول/ديسمبر من العام المنصرم، والذي قال فيه: "السرايا أغلقت ملف أسرى العدو لديها بعدما قامت بتسليم آخر جثة كانت بحوزتها في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 2025 شمال قطاع غزة".
حماس بدورها شكّكت في وجود جثة الأسير الصهيوني لديها، وهو ما عبّر عنه القيادي في الحركة غازي حمد في الرابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر الماضي، إذ قال: "لا توجد معلومات دقيقة وواضحة حول الجثة الإسرائيلية الأخيرة. حاولنا خلال الفترة الماضية العمل في عدة مناطق من القطاع، لكننا لم نعثر عليها"، وأضاف حمد: "إذا توفرت المعلومات الأكيدة والصحيحة حولها، فلن نتردد في إعادتها".
على كل حال، وبغض النظر عن تأثير الاتهام الإسرائيلي والتداعيات التي يمكن أن تنتج منه، أو الردود الفلسطينية ونجاحها في سحب فتيل أزمة يريد الاحتلال إبقاءها مشتعلة، واستخدامها للاستمرار في تنصّله من استحقاقات اتفاق التهدئة، يبرز سؤال مهم يتبادر إلى أذهان الكثيرين: أين اختفت جثة الجندي الإسرائيلي "ران غويلي"؟ وهل هي بالفعل موجودة لدى المقاومة في غزة أم لا؟ وإذا كانت بالفعل موجودة، ما مصيرها؟ ولماذا لم تبادر المقاومة إلى تسليمها أسوة بباقي الجثث الأخرى؟
من خلال تجارب سابقة مشابهة لما يجري حالياً، وبالرجوع إلى حوادث وقعت في لبنان وغزة في سنوات خلت، يمكن لنا وضع 4 سيناريوهات حول هذا الموضوع، وهي قريبة من الحقيقة بدرجة أو بأخرى، وإن كانت مجرّد استنتاجات وتوقّعات، وليست نتاج معلومات.
أولاً /عدم وجود جثّة من الأساس:
يبدو هذا السيناريو واقعياً بعض الشيء، وخصوصاً في ظل نفي المقاومة امتلاكها أي جثة حالياً، أو على أقل تقدير عدم امتلاكها معلومات مؤكدة عنها أو عن مكان وجودها. هذا الأمر يفتح الباب أمام استنتاج يفيد بعدم وجود جثة من الأساس، وأن القضية عبارة عن مكيدة أعدّها الاحتلال ليستمر في خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، وتسويف وتأخير الانتقال إلى المرحلة الثانية منه، والتي ربط بعض قادة الاحتلال الانتقال إليها بمسألة تسليم الجثة.
ثانياً/ فقدان الجثّة داخل الأراضي المحتلة:
هذا السيناريو قابل للحدوث أيضاً، إذ إن إمكانية مقتل الجندي "غويلي" أثناء هجوم "طوفان الأقصى" داخل إحدى المستوطنات وبقاء جثته هناك لوقت معين واردة وممكنة، إذ تم في مرات سابقة اكتشاف جثث لقتلى صهاينة في أحراج المستعمرات التي تعرّضت للهجوم بعد وقت طويل من "الطوفان"، ويمكن أن تكون الجثة المفقودة حدث معها الأمر ذاته، غير أنها تعرّضت لهجوم من حيوانات مفترسة أدّى إلى اختفاء معالمها بشكل كامل.
ثالثاً/"ضياع" الجثة داخل القطاع:
بعد بدء هجوم "طوفان الأقصى" المفاجئ والساحق، وسقوط "فرقة غزة" التي كانت تشرف على تأمين وحماية الحدود بين قطاع غزة وأراضينا المحتلة عام 48، دخلت مجموعات من المواطنين الفلسطينيين العاديين إلى المستعمرات التي تم اقتحامها، مدفوعين بكثير من الفضول لرؤية أراضيهم التي يحتلها العدو منذ عشرات السنين، فيما كان البعض منهم يبحث عن أشياء أخرى تعينه على مواجهة أعباء الحياة الصعبة والقاسية نتيجة الحصار والتضييق الإسرائيلي.
البعض من هؤلاء المواطنين عاد إلى داخل القطاع بـ"غنيمة" أكبر وأكثر أهمية، ولا سيّما أولئك الذين عبروا بسياراتهم أو بدراجاتهم النارية، إذ عادوا ببعض الأسرى الإسرائيليين، سواء الأحياء أو الأموات، وقاموا لاحقاً بتسليمها إلى المقاومة لعدم رغبتهم في التورّط في مثل هذا الأمر الذي سيجلب عليهم تداعيات صعبة، أو لعدم قدرتهم على إخفائها لقلّة الإمكانيات وعدم توفّر الخبرة اللازمة.
في حالات معينة، تمكّن جيش الاحتلال من استعادة بعض هؤلاء الأسرى وهم أحياء، كما جرى في مخيم الشاطئ في الشهر الأول من الحرب. وفي حالات أخرى، استعاد بعض الجثث المدفونة في بعض المناطق نتيجة معلومات قدّمها أسرى مدنيون وقعوا في قبضته.
في حالة الأسير "ران غويلي"، هناك إمكانية بأن تكون جثّته وقعت في أيدي بعض المواطنين، والذين، كما يبدو، دفنوها في مكان ما دون اتخاذ أي إجراءات لتحديد إحداثيات ذلك المكان بشكل دقيق، وهو ما أدى في لحظة معينة إلى عدم التعرّف إلى ذلك المكان، سواء نتيجة ما أحدثه الاحتلال من خراب ودمار كبيرين في معظم مناطق القطاع أو بسبب موت أو استشهاد الأشخاص الذين قاموا بهذا العمل.
رابعاً/خطأ في التشخيص:
لا يمكن إنكار حقيقة أن المقاومة في قطاع غزة لا تملك أي أدوات الحديثة لتحديد هويات الجثث أو التعرّف إلى أصحابها، وهذا الأمر ينسحب على كل المؤسسات الصحية في القطاع الصغير والمحاصر، إذ بدا هذا الأمر جليّاً في عدم التعرّف إلى الكثير من جثامين الشهداء الذين سقطوا أثناء فترة الحرب الطويلة، ما أدّى في العديد من الحالات إلى دفن عشرات الجثث في مقابر جماعية، نظراً إلى عدم التمكّن من معرفة هوية أصحابها.
هناك سيناريو نراه أقرب إلى الحقيقة من سابقاته، وهو أن جثّة الجندي الإسرائيلي قد تم بالفعل إدخالها إلى قطاع غزة، سواء من قبل مقاومين أو مواطنين عاديين، ولسبب ما فشل الجميع في تشخيص هوية هذا الجندي نتيجة ضرر ما لحق بجثته، أو لقلّة الإمكانيات المشار إليها أعلاه، إذ تم اعتباره كما يبدو مواطناً فلسطينياً استشهد داخل الأراضي المحتلة كما جرى مع العشرات الآخرين، وبالتالي تم دفنه في أحد المقابر الفلسطينية كشهيد مجهول الهوية، وهو الأمر الذي يجعل التعرّف إلى جثّته بعد هذا الوقت الطويل مسألة شبه مستحيلة، وخصوصاً إذا ما عرفنا أن الاحتلال دمّر العديد من المقابر داخل القطاع، وبعثر معظم الجثث المدفونة بداخلها، وخلطها مع بعضها البعض بشكل يستحيل معه تفريق واحدة عن أخرى إلا من خلال إمكانيات حديثة ومتطوّرة.
على كل حال، يبدو أن هذه القضية ستستمر دون حل إلى فترة ليست بالقصيرة، نتيجة الكثير من التعقيدات التي تحيط بها، ونتيجة ضعف الإمكانيات والأدوات التي بحوزة المقاومة في قطاع غزة، والتي على الرغم من استعانتها ببعض الفرق من الصليب الأحمر أثناء عمليات البحث، والتي تركّزت خلال الشهرين الأخيرين شرق حي الزيتون جنوب مدينة غزة، إلا أنها لم تنجح في الوصول إلى مكان الجثة، أو تحديد المكان الذي توجد فيه، بل لم تصل إلى تأكيدات حقيقية بأن الجثة موجودة داخل أراضي القطاع.
خلال الفترة القادمة، وخصوصاً في حال انسحبت قوات الاحتلال من المنطقة الصفراء شرق وشمال القطاع، يمكن أن يحدث جديد في هذا الموضوع، ولا سيّما أن عمليات البحث التي أشرنا إليها أعلاه ترجّح إمكانية وجود الجثة خلف الخط الأصفر، وهو ما يمكن أن يساعد لاحقاً في الوصول إليها في حال تمت عمليات البحث في ظروف أفضل، ودون وجود قوات الاحتلال على بعد عشرات الأمتار منها.