أوروبا تدفع ثمن نفاقها: من فلسطين إلى غرينلاند
سقوط الجدار الذي نشأ بين أوروبا والشرق، وقيام شراكة أوروبية مع روسيا والصين وتركيا وإيران والدول الاسلامية والعربية، هو مسار طبيعي في حال أرادت أوروبا حفظ وجودها ومصالحها وتحقيق موقع مستقبلي لها في العالم الجديد.
-
في غرينلاند تجاوز ترامب حدود الابتزاز الاقتصادي.
«غرينلاند لأهلها»؛ عبارة وردت في بيان لسبع دول أوروبية، من بينها بريطانيا، وذلك في إطار التعليق على مساعي الرئيس الأميركي للاستيلاء على الجزيرة الدنماركية. ولا شك في أن هذا البيان يعكس مستوى عالياً من الاضطراب في حال الدول الأوروبية، التي تبدو شديدة الضعف أمام التحولات والمتغيرات العالمية، وكأن أوروبا التي كانت قبل مئة عام مجموعة من الدول الاستعمارية التي تحدد مصير العالم والشعوب، تظهر اليوم عاجزة عن تقرير مصيرها، حتى في مواجهة أقرب حلفائها، الولايات المتحدة الأميركية.
هذا الواقع هو نتاج طبيعي للسياسات الأوروبية التي لم تأخذ العِبر من حربين عالميتين كبيرتين أزهقتا حياة الملايين من البشر ودمّرتا مناطق واسعة من العالم، من بينها أوروبا نفسها. وبرغم ذلك، لم يتغير الكثير في أداء الأوروبيين. فقبل انتهاء الحرب العالمية الثانية، أطاح الأوروبيون، ولا سيما الفرنسيون والبريطانيون، حقوق الشعوب، واستعمروها وسيطروا على مواردها في أنحاء العالم كافة، من منطقتنا إلى أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
فبريطانيا، المشاركة في بيان الدول الأوروبية الذي وردت فيه عبارة «غرينلاند لأهلها»، هي نفسها صاحبة وعد بلفور الذي مكّن المشروع الصهيوني من وضع يده على فلسطين وسلبها من أهلها، عبر تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وبيوتهم وممتلكاتهم وأراضي أجدادهم التاريخية.
أما فرنسا، فقد استعمرت الجزائر وارتكبت فيها أبشع أنواع الجرائم، وحاولت «فرنسة» السكان وزرع المستوطنات، في صراع كلّف الجزائريين، على مدار أكثر من مئة عام، ما يقارب المليون شهيد.
أوروبا هذه التي طالما تشدّقت بالدفاع عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، مارست بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعلى امتداد العقود الماضية، سياسات اتسمت بالنفاق؛ إذ حمت الممارسات الاحتلالية الإسرائيلية، ودعمت القدرات العسكرية لكيان العدو، وساندت مواقفه ومنطقه في مواجهة السكان الأصليين. ولم يُخفِ المسؤولون الأوروبيون ذلك، وكان المستشار الألماني من أوضحهم وأصرحهم حين قال إن «إسرائيل تقوم بالعمل القذر الذي لا نقوم به».
هذه السياسات تركت، بطبيعة الحال، تداعيات عميقة على موقع أوروبا في النظام الدولي. وهي اليوم تدفع ثمن مساهمتها في تقويض القانون الدولي وحقوق الإنسان، إلى حد تلقيها الضربات «من بيت أبيها». فترامب، الذي يمارس تنمّراً شديداً على أوروبا، مطلقاً عليها أوصاف العجز والتخلّف، لا يتردد في اتخاذ قرارات لا تراعي مصالحها الاقتصادية ولا الأمنية، ووصل إلى حد تجاوز حرمة الأراضي الأوروبية والتلاعب بحدودها، كما تظهر قضية غرينلاند.
لقد حذر العديد من الباحثين ومنذ فترة طويلة من مسار أوروبي نحو الشيخوخة، وبدلاً من قيام المسؤولين الأوروبيين بإعادة تقييم جدية لسياساتهم التي أدت إلى ما أدت إليه، استمروا في دس رؤوسهم في التراب والسبات العميق في أحضان واشنطن التي قادتهم في عهد الرئيس السابق بايدن إلى صراع مع جارتهم الأقرب روسيا من البوابة الأوكرانية، ثم انقلبت عليهم في عهد ترامب الذي تجاوز مصالحهم ومخاوفهم وفرض عقوبات جماعية جمركية عليهم لإجبارهم على الخضوع الكامل.
في غرينلاند تجاوز ترامب حدود الابتزاز الاقتصادي ليبدأ في وضع يده على المسرح السياسي لأوروبا، في إطار السيطرة على مواردها الحالية والمستقبلية تحت شعار "الاحتياجات الأمنية" كما كان شعار مكافحة المخدرات هو شعار السيطرة على فنزويلا.
ويبدو من خلال تتبع مواقف وسلوك ترامب أن غرينلاند ليست سوى البداية. فجشع ترامب وغطرسته وأنانيته القائمة على شعار "أميركا أولاً" ستقوده حكماً إلى خطوات أخرى تؤدي إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي وتحويل دوله إلى مجرد بلدان ضعيفة عاجزة خاضعة بالكامل للإرادة الأميركية، من دون أي وزن أو دور على المستوى العالمي، وما تشجيع ترامب لأفكار اليمين المتطرف في أوروبا سوى إشارة إلى حقيقة السياسة الترامبية المضمرة.
فالرئيس الأميركي لا يرغب بشراكة أحد، وبما أن أوروبا بلا حيلة وبلا مخالب وبلا أوراق قوة، فهو يرى أنها يجب أن تكون تابعة بالكامل، من دون أي وزن ذاتي.
لا يخفي ترامب قناعته حول التعامل مع الأقوياء فقط، وأوروبا بحسب رؤيته ضعيفة، لذا يفضل التعاطي معها كمساحة مفتوحة أمام المصالح الأميركية من دون قيد أو شرط، ما يجعلها في هذه اللحظة التاريخية المفصلية التي تشهد مخاضاً صعباً لولادة نظام عالمي جديد ، الحلقة الأكثر ضعفاً ضمن القوى التقليدية، التي ساهمت بعد الحرب العالمية الثانية في صياغة الأمم المتحدة والجلوس إلى طاولة مجلس الأمن الدولي من جهة،
والطرف الأكثر ضعفاً أمام دول صاعدة من خارج النادي التقليدي مثل الهند والبرازيل من جهة ثانية.
على هذا الأساس لا مكان لأوروبا في المستقبل وفي نادي الدول الكبرى والعظمى، وضمورها بات مسألة حتمية طالما أنها لا تزال مستسلمة لسياساتها البالية التي أودت بها إلى هذا الدرك.
على هذه القاعدة تعتبر قضية غرينلاند مفصلاً تاريخياً حساساً بالنسبة للأوروبيين، الذين يقفون اليوم على مفترق طريق، إما أن تكون طريق الاندثار أو يحولون التهديد إلى فرصة لاستعادة المبادرة والنهوض الذي لن يتحقق إلا من خلال إصلاح عميق للسياسات التاريخية، والتخلي عن النفاق، والالتزام بدعم مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان بشكل غير انتقائي.
أما الساحة الأساسية التي يمكن للأوروبيين إجراء هذا التعديل الجذري من خلالها، فهي منطقتنا.
أوروبا مدعوة لاعتماد مقاربة جديدة وعادلة تجاه قضايا المنطقة، من خلال موقف أكثر صلابة وقوة يقوم على إعادة ترتيب مواقفها بنحو يدعم مساعي أهل الأرض الأصليين لاستعادة أراضيهم المحتلة وحقوقهم المشروعة.
فأوروبا لا يمكنها الاعتراض على سلب ترامب جرينلاند وهي تصمت على احتلال "إسرائيل" لفلسطين وأجزاء من سوريا ولبنان.
أما البيان الصادر عن الدول السبع، فيبقى مجرد زوبعة في فنجان أمام قرار واشنطن المدروس والمخطط له، والذي قد ينتقل أسرع مما يتوقع كثيرون إلى حيز التنفيذ.
لقد وضعت أوروبا أوراقها في السلة الأميركية، ما جعل خياراتها محدودة من دون أي هامش، أمام استراتيجية واشنطن الجديدة التي تقوم على الالتفاف نحو الغرب، ما يعني أن أميركا ستعمل على وضع يدها بالكامل على ضفتي الأطلسي، وهذا ما ينبئ به كلام ترامب حول ضم كندا والمكسيك.
أمام هذه السطوة الأميركية، ليس للأوروبيين إلا طريق واحد إذا أرادوا استعادة هامش المناورة، وهو إعادة فتح خطوطهم نحو الشرق وترميم علاقتهم بدوله، والخروج من وهم العداء، سواء تجاه روسيا أم تجاه الدول الإسلامية. ويجب على أوروبا أن تدرك أن كلفة إجراء مصالحة تاريخية مع الشرق بكامل مكوناته، هي أقل بكثير من كلفة البقاء في الحضن الأميركي.
إن سقوط الجدار الذي نشأ بين أوروبا والشرق، وقيام شراكة أوروبية مع روسيا والصين وتركيا وإيران والدول الاسلامية والعربية، هو مسار طبيعي في حال أرادت أوروبا حفظ وجودها ومصالحها وتحقيق موقع مستقبلي لها في العالم الجديد.
عدا ذلك، فإن أوروبا ستكون لاعباً سلبياً مساهماً فقط في تثبيت الأحادية الأميركية، كما أنها ستضيّع على العالم فرصة إعادة الاعتبار لمبادئ العدالة الدولية وحقوق الإنسان والقانون الدولي، من دون تحيز أو تمييز.