أفريقيا تُحاكم استعمارها: الجزائر تكسر الصمت القانوني
يعيد القانون الجزائري طرح سؤال مزعج على النظام الدولي والقوى الاستعمارية السابقة: كيف يمكن بناء شراكات متكافئة بين الشمال والجنوب العالمي من دون مساءلة الماضي؟
-
من إدارة الذاكرة إلى سيادة القانون: تجريم الاستعمار كتحوّل نوعي.
لا مبالغة في اعتبار تصويت البرلمان الجزائري على قانون تجريم الاستعمار، يوم الـ 24 من الشهر الجاري، محطة مفصلية في مسار تعامل الدول الأفريقية مع ماضيها الكولونيالي ومع الظاهرة الاستعمارية برمّتها، ناهيك بكونه انتقالاً واعياً من إدارة الذاكرة براغماتياً إلى مأسسة المسؤولية عنها على قاعدة القانون والعدالة.
من إدارة الذاكرة إلى سيادة القانون: تجريم الاستعمار كتحوّل نوعي
ممّا يعضد هذا الحكم، عدم انحسار مترتّبات هذه الخطوة على البعد الوطني الجزائري فقط، ولا على العلاقات الجزائرية ـــــ الفرنسية، بل فيما تحمله من دلالات أوسع تتجاوز الحدود الوطنية لتخاطب قارة أفريقية لا تزال تدفع كلفاً باهظة لاحتلال وحشيّ طالها تشهد الوقائع والأحداث أنّ ملفه لم يُغلق بعد.
لذا فإنّ القراءات المتسرّعة التي حصرت القانون في خانة التوتر مع باريس فقط أسقطت حقيقة أنّ هذا القانون يتجاوز دائرة الخلاف الثنائي ليدرج الاستعمار ضمن علاقات القوّة العالمية ويفتح ثغرة قانونية يمكن أن تمرّ منها ذاكرة أفريقيا والجنوب بأكمله.
ثمّ إنّ أهمية القانون الجزائري لتجريم الاستعمار ناشئة من عكوفه على صوغ الرواية التاريخية انطلاقاً من المنظور المستقلّ للضحية واضعاً بذلك حدّاً لمحاولات تكريس سردية المستعمِر بوصفها مرجعية معرفية أو سياسية مهيمنة.
وفقاً لهذا المعنى، لم يعد الاستعمار موضوعاً للذاكرة الانتقائية أو للتوظيف السياسي الظرفي، وإنما أُدرج ضمن الحيّز القانوني السيادي الذي لا يقبل التلاعب، بما يحمله من إمكانات للمساءلة وإعادة تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر.
من هذه الزاوية تحديداً، يسمو القانون الجزائري المستحدث إلى مصفّ رسالة سياسية وقانونية موجّهة إلى القوى الاستعمارية السابقة والدول الأفريقية على السواء، تفيد بأنّ زمن الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية قد استنفِد، وأنّ استعادة السيادة الكاملة على الماضي الجزائري تقتضي تحويل التاريخ الاستعماري إلى واقعة قابلة للتوصيف القانوني والجنائي.
لذا فإنّ هذا المسار، إن كتب له أن يُستلهم أفريقياً، سيفتح نقاشاً عالمياً حول العدالة التاريخية وحدود المصالحة غير المنصفة وغير المتكافئة التي أرسيت بعد خروج جيوش الاحتلال من القارة الأفريقية.
احتكار السردية.. وفجوة ما بعد الاستقلال
يصدر الحكم السابق عن حقيقة جوهرية لازمت مسار الاستقلال في القارة الأفريقية تتمثّل في الفجوة العميقة بين التحرّر السياسي والتحرّر السردي والقانوني. فإن كانت الدول الأفريقية قد استعادت استقلالها السياسي، فقد احتفظت القوى الاستعمارية السابقة بحقّين محوريّين: حقّ تعريف المفاهيم التاريخية، وحقّ توصيف طبيعة وجودها في الماضي، فأرست بهذا منظومة تقوم على الاعتراف الانتقائي، والاعتذار المؤجّل، وتحويل الجرائم التاريخية إلى مواضيع تقبل النقاشات الأكاديمية والإعلامية بدل كونها وقائع قانونية معلومة التفاصيل.
أمام هذا الواقع، يأتي هذا القانون ليكون بمثابة تأميم للسردية التاريخية وإعادة تعريف الاستعمار كمنظومة متكاملة استمرّت آثارها المدمّرة إلى ما بعد رحيل الجيوش. وناهيك بهذا، فإنّه يمكّن الجزائر من تغيير موقعها من الضحية التي تطالب بالاعتراف والاعتذار إلى الفاعل الذي يمتلك سلطة التوصيف القانوني والحكم على الأحداث، وهو تحوّل محوري يرفع سيادة الجزائر على تاريخها الوطني إلى مستواها الأقصى.
لا شكّ أنّ هذه القدرة على تسمية الأحداث وتصنيفها جنائياً هي خطوة نحو انتزاع احتكار السرد من المحتلّ لصالح المؤسّسات الوطنية تتيح للجزائر تقديم نموذج يمكن أن تتبنّاه الدول الأفريقية الأخرى لإعادة بناء سرديتها الخاصة بعيداً عن الهيمنة الخارجية.
وحريّ بنا أن ننوّه هنا إلى أنّ مضامين قانون تجريم الاستعمار الذي أقرّه البرلمان الجزائري بالإجماع هي في بعض فصولها تجسيد لتوصيات "المؤتمر الدولي لتجريم الاستعمار" الذي نظّمته وزارة الخارجية الجزائرية بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي يومي 30 تشرين الثاني/ نوفمبر و1 كانون الأول/ديسمبر 2025 في الجزائر، حيث جرى الإلحاح على وجوب تحويل التجارب الفردية لكلّ دولة إلى قاعدة تشريعية ووطنية تطلق مجدّداً النقاش حول العدالة التاريخية المتكاملة التي يجدر بها تجاوز مطالب الاعتراف الرمزي أو الاعتذارات الشكلية نحو تجريم الفعل الاستعماري والدأب على تصحيح آثاره.
وكما اعتلت الجزائر طليعة الثائرين ضدّ الاستعمار والمنافحين عن حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، يعلو صوتها اليوم في مـجال العدالة لتصوغ من تجريم الاستعمار نصّاً قانونياً، وفاء لعقيدة راسخة تذود عن حقّ الشعوب في استرداد سيادتها المنتزعة على قصة ماضيها، وتوثيقاً لنهج سيادي لدولة تأبى أن تنادي بالحقوق ما لم تكن أول المناضلين في سبيلها في سلوكيّاته.
تأميم التاريخ وإعادة تعريف موقع الضحية
سبق أن أشرنا إلى أنّ العلاقات بين الدول الأفريقية والقوى الكولونيالية السابقة قامت منذ الستينيات على توازن غير متكافئ وبراغماتي، يرتكز على اعتراف أخلاقي محدود من طرف المستعمر وصمت قانوني من طرف الدول المستقلة، مقابل استمرار المصالح السياسية والاقتصادية. بيد أنّ القانون الجزائري أتى لتقويض أسس هذه البنية من خلال نزع الطابع "النقاشي" عن الجرائم الاستعمارية.
إنّ الإقرار بأنّ الاستعمار جرم انبثقت عنه أشنع الجرائم وأكثرها وحشية، وإحالته إلى دائرة المساءلة القانونية ينزع عن القوى السابقة ترف استخدام ملف الذاكرة كأداة للمقايضة أو المساومة، ويفرض ـــــ استتباعاً ـــــ واقعاً جديداً في إدارة العلاقات الثنائية يقوم على الندية القانونية.
ومن هذا المنظور، تبرز المبادرة الجزائرية بوصفها سابقة قانونية تتجاوز إطارها الوطني، حاملة أبعاداً قارية بما تطرحه من نموذج مرجعي يمكن أن تحتذي به الدول التي لا تزال ترزح تحت ثقل التبعات الاستعمارية التي تعوق مساراتها التنموية وخياراتها السياسية. بهذا المعنى، يعتبر القانون الجزائري لتجريم الاستعمار نموذجاً يحتذى به في غرب القارة الأفريقية حيث تواجه دول مثل مالي، النيجر، والسنغال... عوائق جمّة تحول دون استرداد السيادة النقدية على سبيل المثال.
وفي وسط وجنوب القارة، تواجه دول مثل ناميبيا والكونغو الديمقراطية ملفات ضخمة تتعلّق بالإبادة الجماعية والنهب المنظّم ما زالت تنتظر إلى الآن استجابات قانونية وطنية شاملة، تتجاوز الاعترافات الجزئية التي تقدّمها بعض العواصم الأوروبية. أما في شرق أفريقيا، فيمكن للقانون الجزائري تحفيز تجارب مماثلة في دول مثل كينيا وتنزانيا، أين يمكن تحويل القضايا القضائية المحدودة المتعلقة بالمقاومة الاستعمارية، مثل قضية الماو ماو، إلى إطار تشريعي شامل يحدّد طبيعة الاستعمار كمنظومة إجرامية متكاملة.
أمام هذا المشهد، الذي يمكن أن نتعمّق أكثر في تفاصيله المأساوية، يمكن أن يصبح القانون الجزائري نقطة انطلاق تؤسس لتضامن أفريقي ينشد بناء سردية موحّدة للضحايا تتجاوز نزعات الشكوى أو التهميش نحو صياغة تشريعات وطنية تحدّد بوضوح الجرائم الاستعمارية ونتائجها القانونية، وتوفّر آليات للمساءلة على المستوى الوطني والدولي.
ومن المؤكّد أنّ هذا الهدف المشروع والطموح سيمنح القارة قدرة أكبر وقوة تخوّلانها إعادة صياغة علاقتها بماضيها مع تحويل العبء التاريخي المرهق إلى أداة تستثمر لتعزيز السيادة الوطنية، ومن ثمّ، إعادة تشكيل التوازن في العلاقات الدولية على أساس قانوني لا على أسس أخلاقية أو سياسية ظرفية فقط. كما ستوفّر التشريعات الوطنية ـــــ في حال أُقرّت ـــــ أداة لتعزيز المطالب السيادية بشكل يتفوّق في فعّاليته على التفاوض السياسي أو المناشدة الدولية.
هكذا إذاً، يفرض قانون تجريم الاستعمار نفسه إعادة تموضع استراتيجي للجزائر في المشهد الدولي بما ينطوي عليه من مواجهة للنظام العالمي بتناقضاته البنيوية حين يومئ إلى ذلك النظام العالمي "القائم على القواعد" مع استثناء الجرائم الكولونيالية من منطق المساءلة!
وفقاً لهذا التصوّر يعيد القانون الجزائري طرح سؤال مزعج على النظام الدولي والقوى الاستعمارية السابقة: كيف يمكن بناء شراكات متكافئة بين الشمال والجنوب العالمي من دون مساءلة الماضي؟ كما يؤكّد أنّ الجزائر لا تواجه بهذا القانون، والتصوّر الذي حمله، فرنسا وحدها، بل تواجه منظومة ما بعد الاستعمار التي حكمت علاقة أفريقيا بمستعمريها السابقين.. وبالتالي فإنّ كلّ من يطالب بنتائج فورية من هذا القانون يسيء فهم طبيعته لأنه في جوهره استثمار استراتيجي في المستقبل، لا مجرّد صفقة سياسية آنية.