أحمد الشرع ..بين مطرقة إردوغان وسندان عبدي الأميركي
قيادات قسد تتهم أنقرة بمنع الرئيس الشرع من الالتزام بما وعد به في اتفاق١ آذار/مارس، وأهمّ ما فيه اعترافه غير المباشر باللامركزية التي تعني الاعتراف للكرد بالاستقلالية التامّة.
-
قيادات قسد تتهم أنقرة بمنع الرئيس الشرع من الالتزام بما وعد به.
بعد أن فشل الوفد التركي المؤلّف من وزيري الخارجية فيدان والدفاع جولار ورئيس المخابرات إبراهيم كالين في إقناع الرئيس أحمد الشرع خلال لقائهم به لآخر مرة في الـ 22 من الشهر الماضي بضرورة التهرّب من أيّ تنازلات قد يقدّمها لقسد، ألغى القائد العسكري مظلوم عبدي زيارته المقرّرة إلى دمشق للاتفاق على الصيغة النهائية لتطبيق اتفاق 10 آذار/مارس الماضي.
وجاءت تصريحات الرئيس إردوغان وبالتالي وزير الدفاع يشار جولار في 30/12/2025 حيث اعتبرا "موقف قسد مضرّاً بوحدة الأراضي السورية مع استمرار مطالبتها باللامركزية"، وقالا إنّ أنقرة مستعدّة لتقديم أنواع الدعم كافة إذا اتخذت دمشق أيّ قرار في أزمتها مع قسد لتعكس حالة الفتور أن لم نقل التوتر بين أنقرة وحكّام دمشق، وهم الآن بين مطرقة الرئيس إردوغان وسندان مظلوم عبدي المدعوم أميركياً بل وحتى أوروبياً وربما إسرائيلياً.
وربما لهذا السبب ناشد زعيم حزب العمال الكردستاني عبّد الله أوج آلان الموجود في السجن الدولة التركية "للعمل بإيجابية لمعالجة الأزمة بين دمشق وقسد" وأكّد "ضرورة حلّها بالحوار الإيجابي باعتبار أنّ ذلك هو الصيغة الوحيدة لمعالجة المشكلة الكردية في سوريا بانعكاسات ذلك على مسيرة السلام التي بدأت في 22 تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي"، بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني الذي يتزّعمه.
قيادات قسد تتهم أنقرة بمنع الرئيس الشرع من الالتزام بما وعد به في اتفاق 10 آذار/مارس، وأهمّ ما فيه اعترافه غير المباشر باللامركزية التي تعني الاعتراف للكرد بالاستقلالية التامّة في المناطق التي يوجدون فيها ويسيطرون عليها شرق الفرات.
وتقول هذه القيادات إنّ الرئيس الشرع وتحت الضغوط الأميركية قد وافق على مجمل التفاصيل الخاصة باتفاق 10 آذار/مارس بما في ذلك تشكيل ثلاث فرق عسكرية من المقاتلين الكرد تتبع إدارياً لوزارة الدفاع والأركان السورية التي سيعمل فيها قرابة 100 ضابط كردي برتب عليا.
ومن دون أن يسمح الكرد للجيش السوري بدخول المنطقة الكردية إلا بإذن مسبق من قيادات قسد المدعومة من القوات الأميركية باعتبار أنّ البعض من أطراف هذا الجيش ما زال محسوباً على الجماعات الإرهابية السابقة ذي الفكر الداعشي الذي سبق أن حارب الكرد للفترة من 2013-2017.
ومع انتظار عودة توم برّاك إلى المنطقة بعد انتهاء عطلة رأس السنة وستنتهي الاثنين ٥ كانون الثاني/يناير، استنفرت أنقرة كلّ إمكانياتها لمنع الرئيس الشرع من تلبية مطالب مظلوم عبدي، وهي في الأساس مطالب واشنطن والعواصم الغربية التي يبدو واضحاً أنها لا ولن تتخلّى عن حليف موثوق به بعد أن جرّبته في الحرب ضدّ "داعش" في سوريا والعراق.
وترى العواصم المذكورة في هذا الشريك الضمانة الرئيسية في حال تدهور الوضع الأمني في سوريا بعد المعلومات الاستخباراتية التي تتحدّث عن معارضة فصائل ومجموعات عديدة مقرّبة من الفكر الداعشي للتنازلات التي قدّمها الشرع للدروز جنوب البلاد وللكرد شرق الفرات وحلب أو مناطق أخرى من سوريا.
وجاءت اشتباكات حلب في الـ 23 من الشهر الماضي وبعد يوم من مغادرة الوفد التركي دمشق وما لحق بها من أحداث دموية في الساحل السوري وضدّ العلويين لتثبت هذا الرأي مع تحميل قيادات قسد فصائل الجيش الوطني المدعوم من تركيا مسؤولية هذه الاشتباكات التي قيل إنه لم يكن لوزارة الدفاع السورية علم بها.
ومع التذكير بموافقة أنقرة عام 1991 على مجيء ما يسمّى بقوات المطرقة التي كانت تضمّ طائرات أميركية وبريطانية وفرنسية وألمانية لحماية كرد العراق من أيّ عمل عسكري عراقي شمال خط العرض 36، وبعد هزيمة صدام حسين في حرب الكويت ومحاولات الرئيس الراحل تورغوت أوزال لضمّ الشمال العراقي إلى تركيا، لم يحالف الحظ أنقرة لتكرار التجربة في شمال سوريا على الرغم من دورها في إيصال أحمد الشرع إلى السلطة، وسبق ذلك مساعيها لإقناع كرد سوريا للتنسيق والتعاون معها بعد 2011 بعد أن وعدتهم آنذاك بحكم فدرالي في سوريا الجديدة.
وترى أنقرة في وحدات حماية الشعب الكردية الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي ذي الشعبية الواسعة بين كرد العراق الذين أصبح لهم كيان شبه مستقل بفضل الدعم التركي منذ أكثر من ثلاثين عاماً، خاصة بعد الغزو الأميركي - البريطاني للعراق وإقامة الدولة الفدرالية هناك، والتي ترفضها أنقرة الآن في سوريا باعتبار أنّ ذلك قد يشجّع كرد تركيا للمطالبة بكيان مماثل بفضل الدعم الأميركي والأوروبي في الوقت المناسب مع انتظار التطوّرات الإقليمية والدولية المناسبة لذلك.
ومع انتظار الموقف الأميركي ويبدو واضحاً أنه لا ولن يكن لصالح أنقرة إلا إذا استمر الرئيس إردوغان في تقديم كلّ التنازلات المطلوبة، فقد بات واضحاً أنّ الرئيس إردوغان قد يجد نفسه في وضع لن يحسد عليه أبداً إذا انحازت واشنطن إلى جانب مظلوم عبدي مع استمرار الانزعاج السعودي والمصري والإسرائيلي من الدور التركي في سوريا والمنطقة عموماً.
وستنعكس كلّ هذه المعطيات والتطوّرات المحتملة سلباً على حوار أنقرة مع عبد الله أوج آلان الذي سيرفع حينها من سقف مطالبه من الرئيس إردوغان الذي أثبتت كلّ استطلاعات الرأي الأخيرة تدهور شعبيته وشعبية حليفه زعيم حزب الحركة القومية دولت باخشالي بسبب التنازلات التي قدّماها حتى الآن لعبد الله أوج آلان.
وبات واضحاً أنّ خروجه من السجن سيكون المطلب الأخير من الدولة التركية وتواجه أساساً ما يكفيها من المشكلات على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيث الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي لا يحرّك الغرب ساكناً لمساعدة أنقرة فيها، يضاف إلى ذلك رفض اللاجئين السوريين في تركيا العودة إلى بلادهم.
وبالتالي، الفشل في السيطرة على القرار السوري أولاً لمواجهة "إسرائيل"، وثانياً لمنع الكرد من تحقيق أهدافهم. وبات واضحاً أنهم لن يتنازلوا عنها مع استمرار الدعم الأميركي الذي اكتسب طابعاً مثيراً خلال الأيام القليلة الماضية مع وصول العديد من طائرات الشحن العسكرية الضخمة إلى شرق الفرات وهي تنقل الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي.
ويعرف الجميع أنّ هدفها سيكون تركيا في حال هجومها على الكرد مع استمرار تهديدات المسؤوليين الأتراك لهم لشحن واستفزاز المشاعر القومية لدى اتباع الرئيس إردوغان ودولت باخشالي وباتا في مأزق صعب وخطير جداً.
إذ فشلا في تحقيق أهدافهما في سوريا وبالتالي تركيا وعلى الرغم من كلّ ما قدّماه لأحمد الشرع ومن معه من الفصائل المسلحة طيلة السنوات الماضية التي انتهت بإيصال هذه الجماعات إلى السلطة في دمشق.
واختلط الحابل بالنابل فيها بعد أن تحوّل "أحمد" كما سمّاه الرئيس ترامب إلى ورقة لم تعد تؤثّر بل تتأثّر بكلّ الرياح الإقليمية والدولية، وهي على وشك أن تتحوّل إلى عواصف رعدية يراد لها أن تدمّر سوريا وبعدها المنطقة، ووفق حسابات نتنياهو ونصوصه التوراتية وأساطيره التاريخية السخيفة التي نجح في تطبيقها وعلى الأقلّ حتى الآن بفضل كلّ من خدموه في سنوات ما يسمّى بـ "الربيع العربي" وهم ما زالوا كذلك بشكل مباشر أو غير مباشر وبعلم أو من دونه!