هل لم يعد لدى إيران ما تخسره؟

إيران لا تعلن صراحة أهدافها النهائية ولا شروطها السياسية، لكن سلوكها الميداني يوحي بأنها تحاول كسر الطوق الاستراتيجي الذي فرضه الوجود الأميركي حولها، ورفع كلفة أي محاولة مستقبلية لمواجهتها.

  • المؤسسات الإيرانية ترى أن اللحظة الحالية فرصة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية (أرشيف).
    المؤسسات الإيرانية ترى أن اللحظة الحالية فرصة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية (أرشيف).

يقال إن الإنسان إذا لم يعد يملك شيئاً يخسره يصبح أكثر جرأة، بل وربما أكثر تحرراً، لأن الخوف من الخسارة لم يعد يقيّده. فهل وصلت إيران إلى هذه المرحلة؟ وهل باتت تتصرف وكأنها تخوض معركة أخيرة تستهدف فيها كل شيء وفي كل مكان؟

في حرب الاثني عشر يوماً، بدا واضحاً أن إيران تسعى إلى فرض معادلة جديدة عبر إجبار الكيان الإسرائيلي على القبول بوقف إطلاق النار بعد أن تكبد خسائر كبيرة. وقد انتهت تلك الجولة بقبول وقف إطلاق النار بعد أن نجحت طهران في إيصال رسالتها العسكرية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ما الذي تغير؟ ولماذا تبدو إيران أقل استعداداً لقبول الوساطات أو إعلان شروط واضحة لوقف التصعيد؟

المتابع للشأن الإيراني لا يمكنه القفز مباشرة من حرب الاثني عشر يوماً إلى ما يجري اليوم من دون التوقف عند حدث مفصلي وقع داخل إيران: محاولة الانقلاب الإرهابي التي شهدتها البلاد وأدت إلى مقتل أكثر من ثلاثة آلاف إيراني بين عناصر أمن ومدنيين ومهاجمين ومغرر بهم.

في تلك المرحلة، التف جزء كبير من المجتمع الإيراني حول القيادة، وامتزجت القومية بالدين في خطاب الدفاع عن البلاد في مواجهة الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، خصوصاً أن الضربات وقعت في ظل مفاوضات كانت ما تزال قائمة.

غير أن الاحتجاجات التي اندلعت لاحقاً بسبب الأوضاع الاقتصادية والغلاء سرعان ما تحولت إلى مواجهة عنيفة حاولت بعض الأطراف استثمارها لإحداث تغيير جذري في النظام. وقد لعب الإعلام الغربي دوراً مؤثراً في تضخيم الانقسامات الداخلية والتلاعب بالرأي العام، الأمر الذي أدى إلى شرخ اجتماعي واضح وصدامات مؤلمة بين أبناء المجتمع الواحد.

هذه التطورات دفعت صناع القرار في الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة إلى إعادة حساباتهم. فبرزت لديهم قناعة بأن ضرب رأس النظام والمراكز الأمنية قد يؤدي إلى انتفاضة داخلية سريعة تُسقط ما تبقى من النظام. غير أن هذه القراءة الصهيوأميركية تبدو أقرب إلى نماذج “دولة الرجل الواحد”، ولا تنطبق كثيراً على الواقع الإيراني القائم على شبكة مؤسسات سياسية وأمنية متعددة. ومع ذلك، نجح بنيامين نتنياهو في إقناع دونالد ترامب بالمغامرة بهذا السيناريو.

ربما لم تتوقع مؤسسات الدولة في إيران هذا المستوى من التصعيد المفاجئ، خصوصاً بعد مسار تفاوضي كان يبدو إيجابياً نسبياً. إلا أن التجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية منحتها قدرة عالية على التكيف مع الأزمات. فهذه دولة عاشت اغتيال قيادات كبرى، وفقدت شخصيات محورية مثل رجائي، والإمام الخميني، وقاسم سليماني، والسيد إبراهيم رئيسي، وخاضت حرباً طويلة في الثمانينيات، ومع ذلك استطاعت الاستمرار عبر إعادة ترتيب قياداتها بسرعة والحفاظ على عمل مؤسساتها من دون توقف.

ومع الضربة الأجنبية الأولى، عاد قدر كبير من التماسك الداخلي إلى المجتمع الإيراني. وكأن الخلافات التي ظهرت خلال محاولة الانقلاب تراجعت فجأة، ليعود الجميع إلى خندق واحد شبيه بما حدث في حزيران: إيران بهويتها الدينية والقومية في مواجهة ما تصفه بـ “الغدة السرطانية” وحلفائها الغربيين.

في هذا السياق، قد ترى مؤسسات الدولة الإيرانية أن اللحظة الحالية فرصة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية عبر رفع كلفة الوجود الأميركي في المنطقة، وربما السعي إلى تقليص القواعد العسكرية الأميركية ومنع عودة النفوذ الأميركي إلى بعض دول الخليج.

إيران لا تعلن صراحة أهدافها النهائية ولا شروطها السياسية، لكن سلوكها الميداني يوحي بأنها تحاول كسر الطوق الاستراتيجي الذي فرضه الوجود الأميركي حولها، ورفع كلفة أي محاولة مستقبلية لمواجهتها. ويبدو أنها تستخدم في ذلك ما يشبه “استراتيجية الرجل المجنون”، أي الضرب بقوة وبلا تردد لردع الخصوم.

ورغم حدة التصعيد، فإن إيران ما تزال تتحرك ضمن حدود محسوبة. فهي لم تستهدف حتى الآن البنى التحتية لدول الجوار، ما يشير إلى أنها ترسم خطوطاً حمراء جديدة: التلويح بضربات قاسية، مع ترك باب مفتوح أمام هذه الدول لخفض التصعيد عبر تقليص التعاون العسكري مع الولايات المتحدة.

ولا يمكن استبعاد احتمال أن يكون المرشد الأعلى الشهيد السيد علي خامنئي قد أعدّ مسبقاً سيناريو هذه المواجهة الكبرى، واضعاً في الحسبان حتى استشهاده. ففي منطق القيادات الثورية، يتحول الدم إلى عامل تعبئة كبرى يعيد ضخ الشرعية والطاقة في النظام وينتصر على آلة القتل، ويحوّل المواجهة إلى لحظة تأسيس جديدة.

طهران ترى أن هذه المواجهة ليست مجرد حرب عسكرية، بل محطة تاريخية تهدف إلى كسر الهيمنة الأميركية في المنطقة، وإعادة تشكيل التوازنات بحيث تفرض إيران نفسها قوة دولية مؤثرة، لا مجرد قوة إقليمية.