هل أطلقت "الحرب الترامبية" رصاصة الرحمة على الأمم المتحدة؟
عندما يرى العالم أن المنظمة الدولية عاجزة عن حماية المدنيين أو فرض القانون على الأقوياء، فإن الحاجة لوجودها تتلاشى، وتصبح مجرد ذكرى تاريخية لنظام دولي فشل في منع الكارثة.
-
شبح عصبة الأمم: الفيتو كغطاء للعدوان (أرشيف).
بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، لم يعد هناك حاجة لوجود عصبة الأمم، التي وُلدت من رحم مُثل الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، لتُدفن تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية.
كان فشل العصبة درساً قاسياً في التاريخ: أن المنظمة الدولية لا يمكن أن تصمد أمام "منطق القوة" عندما يقرر الكبار تجاهل "قواعد القانون". اليوم، ومع تصاعد حدة الصراعات الجيوسياسية، والعودة الصريحة للسياسات الإمبريالية، وتآكل شرعية المؤسسات الدولية، يطرح سؤال وجودي نفسه بإلحاح: هل أصبحت منظمة الأمم المتحدة، بمؤسساتها ومحاكمها، مجرد نسخة مطولة من عصبة الأمم، تنتظر إعلان وفاتها الرسمي في خضم ما يمكن تسميته بـ "الحرب العالمية الترامبية"؟
إن التطورات الأخيرة، المدفوعة بالسياسة الأميركية الإمبريالية وتصاعد فرض القوة للتوسع الاستعماري في غرب آسيا وجنوب أميركا اللاتينية، يشيران بوضوح إلى أن النظام الدولي الذي تأسس عام 1945 قد وصل إلى نقطة اللاعودة. لقد أفرغت القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، المنظمة الدولية من محتواها، محوّلة إياها من هيئة ضامنة للسلام إلى مجرد "منتدى للخطابة" يشرعن في أحسن الأحوال، أو يتفرج في أسوَئها، على الجرائم الدولية.
شبح عصبة الأمم: الفيتو كغطاء للعدوان
كانت عصبة الأمم تعاني من عيبين قاتلين: غياب قوى كبرى مؤثرة كالولايات المتحدة، وعجزها عن فرض قراراتها على الدول المعتدية. اليوم، تعاني الأمم المتحدة من عيب أكثر فتكاً: **حضور القوى الكبرى كأطراف في النزاع**، واستخدامها حق النقض (الفيتو) ليس لحفظ السلام، بل لتوفير غطاء قانوني للعدوان.
في خضم الحروب الإجرامية الأخيرة في غرب آسيا، أظهر مجلس الأمن الدولي شللاً تاماً، حيث جرى استخدام الفيتو الأميركي مراراً وتكراراً لتعطيل أي قرار يهدف إلى وقف إطلاق النار أو محاسبة "إسرائيل" على جرائم الحرب. هذا الاستخدام المتعسف لحق النقض ينسف المبدأ الأساسي الذي قامت عليه الأمم المتحدة، وهو **الأمن الجماعي**. فإذا كانت أداة الأمن الجماعي تُستخدم لحماية المعتدي، فإنها تفقد كل مبرر لوجودها.
الإمبريالية الترامبية: العودة إلى شريعة الغاب
إن مفهوم "الحرب العالمية الترامبية" لا يشير بالضرورة إلى صراع عسكري شامل، بل إلى تحول جيوسياسي عميق يتمثل في التخلي الصريح عن مبادئ النظام الليبرالي الدولي، والعودة إلى "الإمبريالية التبادلية" (Transactional Imperialism).
لقد أعلنت استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025، التي صاغتها الإدارة الجديدة، نهاية عصر "السلام عبر القانون" وبداية عصر **"السلام عبر القوة"**، معلنة أن المصالح الوطنية الأميركية فوق أي التزام دولي.
يتجلّى هذا التحول في محورين رئيسيين:
1. التوسع الاستعماري في غرب آسيا: حيث تحوّل الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" من تحالف استراتيجي إلى **شراكة في مشروع استعماري مباشر** يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بالقوة. إن الدعم المطلق الذي قدمته واشنطن للحروب الإسرائيلية الأخيرة، وتجاهلها الصارخ لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، يمثل تقويضاً متعمداً لكل جهود الأمم المتحدة ومؤسساتها الإنسانية والقانونية.
2. "إحياء مبدأ مونرو في أميركا اللاتينية": لقد عادت واشنطن لتؤكد **الهيمنة المطلقة** في نصف الكرة الغربي، معتبرة إياه فناءها الخلفي. التدخلات الأخيرة، مثلما حدث في فنزويلا في كانون الثاني/ يناير 2026، والتي وصفتها التحليلات السياسية بـ **"الإمبريالية العارية"**، هي دليل على أن الولايات المتحدة لم تعد ترى في المنظمات الإقليمية أو الدولية أي رادع لسياساتها التوسعية.
تهميش القضاء الدولي: محكمة العدل بلا عدل
لم يقتصر التآكل على مجلس الأمن، بل امتد ليشمل المؤسسات القضائية الدولية، وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الجنائية الدولية (ICC). لقد أدت الضغوط الأميركية والإسرائيلية إلى تهميش هذه المحاكم، وإفراغ قراراتها من أي قيمة تنفيذية.
عندما ترفض دولة ما، مدعومة من قوة عظمى، الامتثال لأوامر محكمة العدل الدولية بوقف الأعمال العدائية أو اتخاذ تدابير مؤقتة لمنع الإبادة الجماعية، فإن ذلك لا يمثل فشلاً للدولة المعتدية فحسب، بل يمثل **انهياراً لمفهوم القانون الدولي** برمته. إن وجود محكمة العدل الدولية يصبح بلا معنى عندما لا تجد قراراتها طريقاً للتنفيذ، تماماً كما كانت حال محكمة العدل الدائمة التابعة لعصبة الأمم.
التموضعات الجديدة: البحث عن بديل للأمم المتحدة
إن العالم اليوم لم يعد يقبل بالهيمنة الأحادية أو النظام الغربي-المركزي. لقد أدت سياسات القوة إلى ظهور **تموضعات جديدة** وبدائل تسعى لملء الفراغ الذي خلّفه ضعف الأمم المتحدة.
• صعود البريكس+: يمثل توسع مجموعة البريكس (BRICS+) وكتل أخرى مثل منظمة شنغهاي للتعاون، محاولة جادة لإنشاء نظام موازٍ متعدد الأقطاب، يهدف إلى كسر احتكار الغرب للقرار الدولي. هذه الكتل لا تسعى لإصلاح الأمم المتحدة، بل لتجاوزها وإنشاء آليات تعاون جديدة لا تخضع للفيتو الأميركي.
• فشل الإصلاح البنيوي: مبادرات الإصلاح داخل الأمم المتحدة، مثل مبادرة "UN80" التي أطلقها الأمين العام، بقيت حبيسة الإجراءات الإدارية والبيروقراطية، ولم تجرؤ على الاقتراب من الجذور السياسية للأزمة، وعلى رأسها حق النقض والتمثيل غير العادل للجنوب العالمي.
في الختام، يمكن القول إن الأمم المتحدة لم تعد ضرورة، بل أصبحت عبئاً يشرعن القوة ويمنحها غطاءً دولياً زائلاً.
إن "الحرب العالمية الترامبية"، التي تعتمد على الإمبريالية الصريحة وتجاهل القانون، قد وضعت الأمم المتحدة على المسار نفسه الذي سارت عليه عصبة الأمم.
وعندما يرى العالم أن المنظمة الدولية عاجزة عن حماية المدنيين أو فرض القانون على الأقوياء، فإن الحاجة لوجودها تتلاشى، وتصبح مجرد ذكرى تاريخية لنظام دولي فشل في منع الكارثة.
إن مصير محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة، في ظل هذه التحولات، لن يختلف عن مصير عصبة الأمم: **الانهيار أمام منطق القوة الذي لم تستطع احتواءه**.