هدنة بلا سلام.. "إسرائيل" لا تتخلى عن نيتها السيطرة على قطاع غزة

ربع سكان هذا القطاع الفلسطيني على حافة الموت بسبب الأمراض والمجاعة. وستبلغ تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة نحو 70 مليار دولار، وستستغرق عشر سنوات.

  • يعاني القطاع من نقص حاد في المياه والأدوية، في حين تنتشر أعمال النهب والعنف (أرشيف).
    يعاني القطاع من نقص حاد في المياه والأدوية، في حين تنتشر أعمال النهب والعنف (أرشيف).

يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يخوض معركة من أجل بقائه السياسي، الإعلان عن عزمه السيطرة على 70% من أراضي قطاع غزة، وهو ما يعد، وفقًا لهذا الطرح، انتهاكًا لشروط الهدنة الهشة. وكانت الولايات المتحدة قد رعت في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي اتفاقًا لوقف إطلاق النار، انسحبت بموجبه القوات الإسرائيلية من خط التماس، الذي كان يضمن لـ"تل أبيب" أصلًا السيطرة على نحو 53% من الأراضي المحتلة في القطاع.

ومنذ ذلك الحين، واصلت القوات الإسرائيلية تقدمها تدريجيًا نحو الغرب، موسعةً ما يسمى بـ"المنطقة العازلة". كما استمرت عمليات القصف والغارات الصاروخية. فقد قُتل منذ إبرام الهدنة أكثر من ألف فلسطيني، بينما يسقط يوميًا عشرات الأطفال واليافعين في قطاع غزة.

ويعاني القطاع من نقص حاد في المياه والأدوية، في حين تنتشر أعمال النهب والعنف، ولم يعد بالإمكان شراء حتى أبسط المواد الغذائية إلا من السوق السوداء. وبعد تصاعد المواجهة مع إيران، خفضت "إسرائيل" عدد شاحنات المساعدات الإنسانية المسموح بدخولها إلى قطاع غزة إلى النصف. كما مُنع إدخال الأدوية حتى للأغراض التجارية، وكذلك مواد البناء.

وبات انتقال السكان من القطاع إلى دول أخرى أمرًا مستحيلًا، إذ لا توجد أي دولة في المنطقة مستعدة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين. كما فرض "الجيش" الإسرائيلي سيطرته على المنطقة الفاصلة بين غزة ومصر، الأمر الذي جعل الفلسطينيين محاصرين داخل شريط ضيق من الأرض، حيث دُمِّر نحو 88% من المباني، وأصبح نحو 90% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة. ويخلص النص إلى أن "إسرائيل" حوّلت قطاع غزة إلى منطقة غير صالحة للحياة.

من الجدير بالذكر أيضاً أنه منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وخلال العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، شنّ "الجيش" الإسرائيلي هجمات على أكثر من 10 آلاف هدف في قطاع غزة، ما أسفر، وفقاً لمسؤولين إسرائيليين، عن مقتل 2000 مسلح من حركة حماس وأكثر من 70 ألف فلسطيني، وإصابة أكثر من 170 ألفاً. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد سكان قطاع غزة عشية المرحلة الحادة من الصراع بلغ مليوني نسمة.

أما اليوم، ووفقاً للأمم المتحدة، فإن ربع سكان هذا القطاع الفلسطيني على حافة الموت بسبب الأمراض والمجاعة. وستبلغ تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة نحو 70 مليار دولار، وستستغرق عشر سنوات.

أشارت اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة للتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تؤثر على حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني وغيره من العرب في الأراضي المحتلة بعناية شديدة في تقريرها الصادر في نوفمبر 2024 إلى أن تصرفات السلطات الإسرائيلية منذ بداية تصعيد الصراع "يمكن وصفها بأنها إبادة جماعية".

إن كلمة "إبادة جماعية"، سواءً نُطقت أو كُتبت عن "إسرائيل"، تُثير استنكارًا واسعًا في أرض الميعاد. ويتزايد استخدامها يومًا بعد يوم، إذ تجد اتهامات الإبادة الجماعية الموجهة ضد "تل أبيب" والشعب الفلسطيني تأييدًا واسعًا على ضفتي الأطلسي: في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط. علاوة على ذلك، يُعلن النشطاء المُحتجون على سياسات "إسرائيل" في الشرق الأوسط، بشكل متزايد، عن أوجه تشابه بين أفعالها وأساليب ألمانيا النازية.

اندلعت فضيحة حقيقية في "إسرائيل" إثر اعتقال مجموعة أخرى من "أسطول صمود العالمي"، التي كانت تحاول كسر الحصار المفروض على غزة حاملةً مساعدات إنسانية. في 19 مايو/أيار، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية اعتقال المتظاهرين ونقلهم إلى الأراضي الإسرائيلية. وزارهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ونشر مقطع فيديو يُظهر تعرض الناشطين المعتقلين للإهانة.

ويقول المشاركون في الأسطول إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار عليهم في 19 مايو، بينما أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الذخيرة الحية لم تُستخدم أثناء عملية السيطرة على السفن. وبعد اعتقال النشطاء، نُقلوا إلى ما وصفه النص بـ"سجن عائم"، قبل أن يتم اقتيادهم إلى ميناء أشدود الإسرائيلي.

وبعد زيارته للمعتقلين، نشر بن غفير عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أثارت جدلًا دوليًا واسعًا. وفي أحد المشاهد، بينما كان يتجول داخل مركز الاحتجاز المؤقت برفقة حراسه، صرخت إحدى الناشطات: "الحرية لفلسطين!"، لتقوم قوات الأمن بإسقاطها أرضًا وإجبارها على الجلوس. وعندها قال بن غفير: "عمل ممتاز"، ثم خاطب النشطاء قائلاً: "مرحبًا بكم في إسرائيل. هنا نحن أصحاب الأرض."

أثارت هذه المشاهد موجة واسعة من الانتقادات الدولية لـ"إسرائيل"، شملت أيضًا أصواتًا من الولايات المتحدة، واضطر بنيامين نتنياهو إلى تقديم تبريرات علنية، إلا أن ذلك لم يغير موقف الرأي العام العالمي من الحادثة.

بحسب عدد من الخبراء، فإن أساليب "إسرائيل" وجرائم الحرب العديدة التي ارتكبتها تتناقض مع الأهداف المعلنة في بداية العملية العسكرية: تدمير حماس، والقضاء على التهديد الإرهابي، واستعادة الرهائن. في الواقع، كانت "إسرائيل" تنوي بسط سيطرتها على قطاع غزة، والقضاء على القطاع، والاستيلاء على أراضيه.

وحتى الآن، لم يظهر أي قوة في المجتمع الدولي قادرة على منع الدولة اليهودية من تحقيق ذلك..