من هضبة الجولان.. "إسرائيل" تواصل تهديد سيادة سوريا
"إسرائيل" تستغل التوترات الطائفية في جنوبي سوريا لتوسيع وجودها العسكري خارج الجولان المحتل، وترسيخ منطقة سيطرة دائمة تهدد السيادة السورية ووحدة أراضي البلاد.
-
من هضبة الجولان.. "إسرائيل" تواصل تهديد سيادة سوريا
على مدى سنوات، تواصل "إسرائيل" خلق المشكلات لسوريا، إذ تعمل على تأليب الأقلية الدرزية ضد دمشق، كما تحتل جزءاً من الأراضي السورية، وتهدد العاصمة دمشق بصورة مباشرة. وقد تصاعد التوتر بين سوريا و"إسرائيل" مجدداً عقب تغيير النظام في البلاد، في وقت أصبحت فيه قضية العلاقات بين المكونات الإثنية والدينية داخل الدولة السورية شديدة الحساسية.
ففي كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة الواقعة شرقي هضبة الجولان، في نطاق سلسلة جبل الشيخ. وتقطن هذه المنطقة مجموعات من الدروز السوريين، الذين يُقدّر عددهم في سوريا بنحو 700 ألف نسمة. وقد أكدت الأمم المتحدة أن دخول القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة يخالف اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974.
ويُعدّ الدروز من أقدم الطوائف الدينية التي تعيش في "الشرق الأوسط"، وينتشرون في كل من سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة. ويحيطون أسس عقيدتهم الدينية بالسرية، ولا يُعرف عنها سوى أنها تقوم على التوحيد.
وخلال فترة حكم بشار الأسد، كانت لدى الدروز السوريين تشكيلات محلية للدفاع الذاتي تتمتع بتسليح جيد. ومع وصول الحكومة الانتقالية، برزت خلافات بين الطائفة الدرزية والسلطات الجديدة، وتطورت إلى مواجهات مفتوحة.
وفي منتصف عام 2025، اندلع نزاع مسلح بين الدروز والبدو، وأسفرت أعمال العنف عن مقتل أكثر من 300 شخص. وعلى إثر ذلك، دفعت القيادة السورية بقوات الأمن العام إلى محافظة السويداء.
التدخل الإسرائيلي بذريعة "حماية الدروز"
في تلك اللحظة، تدخلت "إسرائيل" بصورة نشطة في مجريات الأحداث. ويُذكر أن الاتصالات بين الدروز في "إسرائيل" والدروز في سوريا كانت قد تكثفت قبل هذه التطورات.
ومع اندلاع الاشتباكات بين المكونات المحلية في سوريا، طالبت الطائفة الدرزية في "إسرائيل" سلطات الاحتلال بوقف ما وصفته بـ"الإسلاميين". وهنا بدأ التصعيد، إذ شنّت الطائرات الإسرائيلية غارات على مواقع للجيش السوري في المناطق التي شهدت الاشتباكات، كما استهدفت "تل أبيب" مبنى وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة في دمشق ومحيط القصر الرئاسي.
وأعلن بنيامين نتنياهو أن جيش الاحتلال "يعمل على إنقاذ إخواننا الدروز"، مؤكداً استعداده للتحرك في جنوبي سوريا. وقد جرت هذه الأحداث في تموز/يوليو 2025.
وكانت هضبة الجولان، التي احتلتها "إسرائيل" من سوريا عام 1967، منطلقاً لهذه العمليات. وتعدّ سوريا هذه المنطقة أرضاً محتلة، وهو توصيف تؤكده قرارات الأمم المتحدة. ويعيش في الجولان أيضاً دروز، وتستغل "إسرائيل" هذا العامل لتوسيع المنطقة العازلة بصورة استباقية في محيط الهضبة المحتلة، والسيطرة على أراضٍ جديدة.
وفي تموز/يوليو من العام الماضي، لم تُقدم القيادة السورية على الدخول في مواجهة عسكرية مع "إسرائيل". وقال الرئيس أحمد الشرع: "لن نسمح لهم بجر بلادنا إلى حرب يريدون إشعالها على هذه الأرض. سوريا ليست ساحة للمؤامرات الأجنبية، ولا لتحقيق طموحات الآخرين على حساب أطفالنا ونسائنا".
وبعد ذلك، سُحبت قوات الأمن العام السورية من محافظة السويداء، حيث دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وأُوكلت مهمة حفظ الأمن إلى لجنة تضم ممثلين عن السلطات المحلية والقيادات الدينية. وتقع هذه المنطقة على بعد نحو 70 كيلومتراً من هضبة الجولان.
توسيع منطقة السيطرة الإسرائيلية
بحسب هذا الطرح، لم يعد هناك شك في أن خطط التوسع الإسرائيلية تتجاوز حدود هضبة الجولان المحتلة. فقد صرح بنيامين نتنياهو قائلاً: "لقد وضعنا سياسة واضحة تقوم على نزع السلاح من المنطقة الواقعة جنوبي دمشق، من هضبة الجولان وحتى منطقة جبل الدروز".
وكان نتنياهو قد أعلن أن "إسرائيل" لن تسمح للقوات السورية بالانتشار جنوبي دمشق، مطالباً بنزع السلاح من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء. واليوم، تسيطر "إسرائيل"، وفق تقديرات مستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية ومواقع انتشار القوات، على نحو 235 كيلومتراً مربعاً في جنوبي سوريا، حيث تعمل على إنشاء شبكة من المواقع العسكرية والبنية التحتية الدفاعية. ولا يمثل هذا الرقم حدوداً معلنة رسمياً، بل تقديراً لمساحة السيطرة الفعلية.
ويشير اتساع نطاق السيطرة الفعلية الإسرائيلية على أجزاء من الأراضي السورية إلى أن معايير وجودها العسكري في المنطقة لم تعد تستند فقط إلى اتفاق عام 1974، بل أيضاً إلى الكيفية التي يغيّر بها جيش الاحتلال قواعد الوصول إلى المنطقة، وينشئ التحصينات الهندسية والمواقع الدائمة، ويقيّد عودة السكان المحليين.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن ذلك يعني ترسيخ واقع عسكري جديد في المناطق الحدودية، إذ تعمل "إسرائيل" تدريجياً على تحويل الخطوط الأمنية المؤقتة إلى خطوط سيطرة دائمة.
إن هذه السياسة تزيد مخاطر احتلال طويل الأمد، يشبه ما حدث في هضبة الجولان، وتزيد احتمالات حدوث موجات نزوح جديدة وتصاعد الضغوط على الدول المجاورة لـ"إسرائيل"، وتؤكد أن الاحتلال يمثل اليوم تهديداً مباشراً لاستقرار سوريا.
آلية اتصال برعاية أميركية
في كانون الثاني/يناير 2026، توصلت "إسرائيل" وسوريا، عقب اجتماع ثلاثي في باريس بمشاركة الولايات المتحدة، إلى اتفاق على إنشاء آلية اتصال مشتركة، بهدف التنسيق لخفض التصعيد، وتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية، ومواصلة التواصل الدبلوماسي، وبحث القضايا والفرص التجارية تحت إشراف أميركي.
إلا أن الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن، في نيسان/أبريل، استعداده للنظر في إجراء مفاوضات طويلة الأمد مع "إسرائيل" بشأن هضبة الجولان، شريطة انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة العازلة.
وقال: "إذا توصلنا إلى اتفاق، فسنتمكن من الدخول في مفاوضات طويلة الأمد بشأن هضبة الجولان المحتلة". كما أكد أن أي اعتراف بادعاء السيادة الإسرائيلية على الجولان باطل، وأن الحق في هذه الأرض يعود إلى الشعب السوري. وهكذا، لا تزال الهضبة تُوصف بأنها محتلة، كما ينبغي، وفق هذا الطرح، أن تنسحب قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي من المنطقة العازلة.
استراتيجية "تحالف الأطراف"
إن هذا لا يتوافق مع الاستراتيجية الإسرائيلية المعروفة منذ أكثر من نصف قرن باسم "تحالف الأطراف"، والتي تقوم على أن "إسرائيل"، بوصفها محاطة بدول عربية تعدّها معادية، ينبغي أن تبحث عن تحالفات مع الدول غير العربية في المنطقة، وكذلك مع الأقليات الإثنية والدينية، مثل الأكراد والمسيحيين والدروز. وعلى الرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً، فإن السياسة الإسرائيلية في المنطقة لم تشهد تغيراً جوهرياً.