من طهران إلى بيروت… كيف أعاد الاتفاق الأميركي الإيراني رسم خرائط الصراع؟
التاريخ العسكري يبين أن الانتصار لا يُقاس بعدد الأهداف التي دُمرت، وإنما بقدرة كل طرف على تحويل إنجازاته الميدانية إلى مكاسب سياسية دائمة.
-
كيف أعاد الاتفاق الأميركي الإيراني رسم خرائط الصراع؟ (أرشيف).
لم يكن الاتفاق الذي أوقف المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مجرد نهاية لجولة قتال، بل مثل بداية مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، انتقلت فيها المعركة من ميدان الصواريخ والطائرات إلى ميادين السياسة والاستخبارات والاقتصاد. فالحروب الكبرى لا تنتهي عادة عند إعلان وقف إطلاق النار، وإنما تبدأ بعدها معركة أكثر تعقيداً، عنوانها تثبيت نتائج الحرب أو تغييرها على طاولة التفاوض.
خلال أيام المواجهة، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة "وإسرائيل" اعتمدتا على استراتيجية تقوم على تحقيق تفوق عسكري سريع يسمح بفرض معادلة سياسية جديدة في المنطقة. فالضربات الجوية استهدفت مراكز القيادة، والمنشآت العسكرية، والبنية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، في محاولة لتقليص قدرة طهران على المناورة، ودفعها نحو قبول ترتيبات أمنية جديدة تعيد رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط.
وعلى المستوى العسكري، لا يمكن إنكار أن إيران تلقت ضربات مؤلمة أثرت في جزء من قدراتها الدفاعية، وألحقت أضرارا بمنشآت استراتيجية. لكن قراءة الحرب من زاوية الخسائر العسكرية وحدها تبدو قراءة ناقصة، لأن الهدف النهائي لأي عملية عسكرية ليس تدمير المواقع فحسب، وإنما فرض إرادة سياسية على الخصم. وهنا تحديداً بدأت تتكشف صورة مختلفة عن تلك التي رسمتها الأيام الأولى للمعركة.
فالقيادة الإيرانية، رغم الضغوط غير المسبوقة، حافظت على تماسك مؤسسات الدولة، ولم يحدث الانهيار الداخلي الذي كان يراهن عليه بعض المراقبين. كما أن الحرب توقفت قبل أن تتحول الإنجازات العسكرية إلى واقع سياسي دائم، وهو ما أبقى الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والصواريخ البالستية، والنفوذ الإقليمي، خارج دائرة الحسم النهائي.
هذه النتيجة أفرزت معادلة معقدة ، إذ يمكن القول إن الولايات المتحدة "وإسرائيل" حققتا تفوقاً تكتيكياً في الميدان، لكنهما لم تتمكنا من تحويله إلى انتصار استراتيجي كامل. وفي المقابل، خسرت إيران جزءاً من قدراتها العسكرية، لكنها احتفظت بعناصر القوة التي تمنع خصومها من فرض شروطهم بصورة كاملة، لتنتقل المواجهة من حرب مفتوحة إلى صراع طويل على شكل النظام الإقليمي الجديد.
غير أن أهمية الاتفاق لا تكمن في ما أنجزه داخل إيران فقط، بل في تأثيره على ساحات النفوذ المرتبطة بها، وفي مقدمتها لبنان، الذي ظل طوال العقود الماضية إحدى أهم جبهات التوازن بين "إسرائيل" ومحور المقاومة. فمنذ اللحظة الأولى لوقف إطلاق النار، بدأ الاهتمام يتجه إلى السؤال الأهم: ماذا بعد؟ وهل ستكون بيروت المحطة التالية لمحاولة استثمار نتائج الحرب؟
وفق قراءة يتبناها أنصار المقاومة، فإن الضغوط العسكرية التي لم تحقق أهدافها كاملة ستفسح المجال أمام ضغوط سياسية واقتصادية أكثر اتساعاً. فبدلاً من المواجهة المباشرة، قد تسعى واشنطن وحلفاؤها إلى إعادة تشكيل التوازنات اللبنانية عبر أدوات مختلفة، تشمل العقوبات، والضغوط المالية، وربط المساعدات الدولية والإصلاحات الاقتصادية بإعادة صياغة المشهد السياسي الداخلي، بما يؤدي إلى تقليص نفوذ حزب الله وإضعاف حضوره في مؤسسات الدولة.
ويستند هذا التصور إلى أن الحزب يمثل، بالنسبة لـ "إسرائيل"، الحلقة الأكثر تقدماً في منظومة الردع الإيرانية. لذلك فإن أي تغيير في موقعه داخل لبنان سيؤثر مباشرة في ميزان القوى على الحدود الشمالية لـ"إسرائيل"، وهو ما يجعل الساحة اللبنانية امتداداً طبيعياً للمواجهة التي دارت مع إيران، حتى وإن تغيرت وسائلها.
في المقابل، ترى بيئة المقاومة أن الحرب الأخيرة أثبتت أن امتلاك أدوات الردع لا يُقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضاً بقدرة الأطراف على منع خصومها من فرض إرادتهم السياسية. فمن هذا المنظور، فإن مجرد انتقال واشنطن من خيار التصعيد العسكري إلى خيار التفاوض يعد مؤشراً على أن القوة العسكرية، رغم فاعليتها، لم تكن كافية لإنتاج تسوية بالشروط التي سعت إليها الولايات المتحدة و"إسرائيل".
كما تنطلق هذه القراءة من أن حزب الله لم يعد مجرد تشكيل عسكري، بل أصبح جزءاً من البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية، وأن أي محاولة لإقصائه لن تكون مسألة أمنية فقط، وإنما ستصطدم بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة. ولهذا، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعداً في الضغوط السياسية والإعلامية والاقتصادية، في محاولة لإضعاف الحزب من الداخل بعدما أثبتت المواجهة العسكرية حدود قدرتها على تحقيق ذلك.
وفي الوقت نفسه، يدرك محور المقاومة أن الحرب كشفت عن بعض الثغرات العسكرية والاستخبارية التي لا يمكن تجاهلها، وأن الحفاظ على معادلة الردع يتطلب مراجعة شاملة لأساليب القيادة والسيطرة، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وحماية البنية القيادية، بما يقلّل من آثار أي مواجهة مقبلة. ولذلك، فإن ما بعد الاتفاق لن يكون مرحلة ركود، بل مرحلة إعادة بناء واستعداد على المستويين العسكري والسياسي.
ومن جهة أخرى، لا تبدو "إسرائيل" بعيدة عن مراجعة حساباتها. فعلى الرغم من النجاحات التي تعتقد أنها حققتها عملياتها العسكرية، فإن استمرار وجود قوة قادرة على تهديد عمقها الاستراتيجي يعني أن البيئة الأمنية المحيطة بها لم تتغير جذرياً، وأن أي مواجهة مستقبلية قد تحمل تحديات أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تمكن محور المقاومة من معالجة نقاط الضعف التي كشفتها الحرب الأخيرة.
لهذا، فإن الاتفاق الأميركي الإيراني لا يمكن النظر إليه بوصفه نهاية للصراع، بل باعتباره نقطة انتقال بين مرحلتين. فقد انتهت جولة السلاح، وبدأت جولة تثبيت النتائج، وهي جولة قد تكون أطول وأكثر تعقيداً من الحرب نفسها، لأنها تتعلق بإعادة رسم موازين القوى في الإقليم، وتحديد موقع كل لاعب في النظام الذي يتشكل بعد الحرب.
وفي قلب هذه التحولات، يبقى لبنان الساحة الأكثر حساسية. فمصير حزب الله لن يتحدد فقط بحجم الضغوط الخارجية، ولا بقدرته العسكرية وحدها، وإنما بمدى نجاحه في التكيف مع البيئة السياسية الجديدة، والحفاظ على شرعيته الداخلية، ومواصلة أداء دوره ضمن معادلة الردع التي يرى أنصاره أنها ما زالت تشكل الضمانة الأساسية في مواجهة "إسرائيل".
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد مَن ربح الحرب ومَن خسرها، بل من يمتلك القدرة على استثمار نتائجها. فالتاريخ العسكري يبيّن أن الانتصار لا يُقاس بعدد الأهداف التي دُمرت، وإنما بقدرة كل طرف على تحويل إنجازاته الميدانية إلى مكاسب سياسية دائمة. وحتى الآن، لا يبدو أن اميركا "وإسرائيل " قد نجحتا في حسم هذه المعركة النهائية، الأمر الذي يجعل الاتفاق الحالي بداية مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي، لا نهاية للصراع في "الشرق الأوسط" ...