مع "أرض الصومال".. يكتمل "القوس الإبراهيمي"!
بات بالإمكان رسم خريطة نفوذ جديدة متصلة بعضها ببعض، على شكل قوس، يمتد من اليمن إلى أرض الصومال مروراً بخليج عدن، ليصل إلى ولايات السودان الجنوبية عن طريق إثيوبيا.
-
"أرض الصومال" وإثيوبيا... رابطة العقد (خريطة).
هزّ اعتراف "إسرائيل" بـ "أرض الصومال" خرائط محيط البحر الأحمر، وهو بمنزلة ولادة خريطة نفوذ جديدة تبدأ من اليمن وتنتهي في السودان، وربما تمتد إلى مناطق أخرى، سواء في افريقيا أو في آسيا، على المدى البعيد أو المتوسط. ولمقاربة ما يحصل هناك، لا بدّ من استحضار الخرائط لفهم السياسة، وذلك على قاعدة المارشال شارل ديغول الشهيرة، "من لا يفهم بالخرائط لا يفهم بالسياسة".
بعد تحرك "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم من الإمارات، في شرق وجنوب اليمن، والسيطرة شبه الكاملة على تلك المنطقة التي توازي مساحتها ثلثي اليمن، ويبقى الثلث الثالث بيد "أنصار الله"، وذلك بالتزامن مع إعلان تل أبيب اعترافها عنوة عن كل دول العالم بـ"دولة" (أرض الصومال)، أو ما يُعرف ب"صومالي لاند"، ونيتها إقامة قواعد عسكرية هناك، عدا عن احتمال استقبال تلك الأرض للغزيين المنوي تهجيرهم، واحتمال دخول البلد الوليد في التطبيع الإبراهيمي.
بات بالإمكان رسم خريطة نفوذ جديدة متصلة بعضها ببعض، على شكل قوس، يمتد من اليمن إلى أرض الصومال مروراً بخليج عدن، ليصل إلى ولايات السودان الجنوبية (دارفور، وكردفان والنيل الأزرق... ) عن طريق إثيوبيا.
كيف تكوّن هذا القوس؟ وكيف اكتمل عقده بـ"صومالي لاند"؟
عادة ما تُرسم الأقواس على اليابسة أو في البحار، لا في الاثنين معاً، لكن القوس الجديد يجمع البر مع البحر، لأن أصل وأساس قيام هذا القوس، وبعده الاستراتيجي والجيوسياسي، هي في البحر قبل البر. وتتناوب على رسمه كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" ودولة الإمارات، بحيث تتولى الأولى الدعم الخفي، والبعيد عن الأنظار، وذلك بإعطاء الضوء الأخضر، فيما الثانية، ظلت في الظل حتى ساعة إعلانها الاعتراف ب"أرض الصومال"، أما الثالثة، فهي التي تتولى الشق التنفيذي في رسم خطوط الطول وخطوط العرض لخريطة النفوذ الجديدة بأيدي أهل الأرض، سواء في اليمن أم في السودان.
اليمن... الخطوة الأولى
في اليمن، استغلّت الإمارات انكفاء الدعم السعودي للقوى المحسوبة عليها داخل اليمن، ولا سيما لواء "درع الوطن"، وهو بالمناسبة، جلّه من التيارات السلفية، وقامت بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الوريث للحراك الجنوبي، والذي تأسس عام 2017، بكل الوسائل التي تسمح له بالسيطرة على معظم المناطق التي تقع تحت سلطة المجلس الرئاسي المدعوم من المملكة العربية السعودية. وراحت تُظهر تلك القوات استعدادها لإقامة جمهورية اليمن الجنوبية، التي كانت قائمة قبل الاتحاد عام 1990. وقبل أيام، أعلنت جهاراً نيتها تنظيم استفتاء عام بشأن تقسيم اليمن وقيام دولتها المزعومة.
وقبل ذلك، عام 2018، كانت القوات اليمنية المدعومة من أبو ظبي، تفرض سيطرتها على الجزر الاستراتيجية ذات المواقع الحاكمة لخليج عدن وباب المندب، ولا سيما جزيرتي سقطرى وميون، التي هُجّر سكانها إلى عدن (اليابسة) لمصلحة إقامة مطار عسكري وتجاري كبير.
ومنذ ذلك الحين، بدأت بذور التباين تظهر بين أهداف المملكة العربية السعودية من حرب اليمن وطموحات الإمارات التي تعدت الشأن البحري إلى اليابسة من دون أن تعير كبير اهتمام للسعودية أو لغيرها من دول المنطقة.
حصلت المعركة الأولى بين القوات التابعة لأبو ظبي وقوات الشرعية المدعومة من الرياض في صيف 2018، ومن ثم تكرر الأمر بصورة أخطر، في خريف 2019، مع تدخل المقاتلات الإماراتية على الحدود بين عدن وأبين، ما دفع طرفي النزاع إلى عقد اتفاق بينهما في الرياض من العام نفسه، والذي لم تُتَرجم بنوده على الأرض بالشكل المطلوب.
السودان... الخطوة الثانية
وليزيد الطين بلة، اندلعت حرب الجنرالات في السودان، عام 2023، ودعمت أبو ظبي قوات "الدعم السريع"، التي يرأسها محمد حمدان دقلو، والملقب بـ"حميدتي"، والتي أحكمت السيطرة مؤخراً على ولايات جنوبي السودان، التي تحدها من الجنوب دولة جنوب السودان وإثيوبيا، ومن الغرب أفريقيا الوسطى وتشاد وجزء من ليبيا.
وفي المقابل، دعمت الرياض الجيش السوداني. وربما مسار الحرب الدراماتيكي في السودان، ودعوة الأمير محمد بن سلمان للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أثناء زيارته الأخيرة إلى البيت الأبيض، للتدخل ووضع حد لحرب السودان لمصلحة رئيس الأركان عبد الفتاح البرهان، هي السبب الرئيس الذي دفع أبو ظبي إلى الإيعاز لحلفائها بالسيطرة على اليمن.
"أرض الصومال" وإثيوبيا... رابطة العقد
وعليه، تكون الإمارات، قد قطعت شوطاً طويلاً في رسم القسم الآسيوي من القوس (شمال وجنوب اليمن وخليج عدن)، ورسم جزء من القسم الأفريقي من القوس، بدءاً من السودان، فيما تتولى إثيوبيا و"أرض الصومال" عبر أراضيهما وصل القسم الأفريقي بالآسيوي، بحيث تشكلان معاً رابطة العقد، وبهما يكتمل رسم القوس، من اليمن إلى السودان، أو بالعكس من السودان إلى اليمن.
والمفارقة هنا، أن الدول التي تقف وراء هذا القوس، تتعدد مصالحها ومآربها، بحيث إن الإمارات، صاحبة الإمبراطورية المرفئية، تسعى قبل كل شيء، إلى أن تمتد استثمارات شركة "موانئ دبي العالمية" إلى كل العالم، ولا سيما على شواطئ الخليج ومضيق هرمز وصولاً إلى باب المندب والبحر الأحمر، ومروراً بكل الموانئ الموجودة على بحر العرب.
مع العلم أنها موجودة بقوة، منذ سنوات، في المرافئ الرئيسة في خليج عدن عن طريق ميناء مرمرة في أرض الصومال، كذلك في ميناء جيبوتي على باب المندب.
الولايات المتحدة... وعقيدة ماهان
أما الولايات المتحدة، فهي بطبيعة الحال، كدولة عظمى من الضرورة بمكان، ووفقاً لعقيدة الضابط في البحرية الأميركية والمؤرّخ الأميرال ألفريد ماهان (1660-1783)، لا بدّ من أن تسيطر على البحار، ولا سيما الممرات البحرية الرئيسة، والبالغة 16 ممراً، ويُعتبر ممر باب المندب من أبرزها، حيث يعبر من خلاله أكثر من 12% من التجارة العالمية.
إلا أن الموضوع مع "إسرائيل"، يدخل في صلب أمنها القومي من جهة، بعد فتح الجبهة اليمنية عليها نصرةً لغزة إثر عملية طوفان الأقصى في الـ 7 من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. بحيث تصبح على بعد أقل من 200 كلم من مناطق سيطرة "أنصار الله". وبالتالي، تصبح، وفقاً لتقديرها، عملية استكمال اجتثاث أعدائها في تلك المنطقة، في متناول اليد.
ومن جهة ثانية، ترى "إسرائيل" من خلال هذا القوس، فرصة لفرض هيمنتها على البحر الأحمر وكل الدول المتشاطئة عليه، ومواجهة "عدوتها" المستجدة تركيا، التي تعتبر الصومال مركز نفوذها في القرن الأفريقي. وبذلك تطبق عليها الطوق من خلال هذا القوس في البحر الأحمر، وفي البحر المتوسط عبر تحالفها مع قبرص واليونان، هذا فضلاً عن عمل تل أبيب الدؤوب على تعطيل مشروع أنقرة لجهة عودة الدولة في سوريا.
القوس... إبراهيمي!
وتبقى ملاحظة أخيرة، بحيث إنه يمكننا أن نطلق وصفاً على هذا القوس بأنه "القوس الإبراهيمي"، كون المنفذة له هي راعية التطبيع الإبراهيمي، والسودان طرف أصيل فيه منذ عام 2020، وإثيوبيا مطبّعة منذ زمن، و"أرض الصومال"، وبحسب تصريح صحافي لرئيس الصومال، حسن شيخ محمود، أن أحد شروط الكيان للاعتراف بـ "أرض الصومال" هو انضمام الأخيرة لاحقاً إلى العائلة الإبراهيمية.
وتبقى اليمن خارج السرب، لكن إذا ما قُيّض للمجلس الانتقالي الاستمرار في السيطرة على الجزء الشرقي والجنوبي من اليمن وإقامة جمهورية اليمن الجنوبي، فستكون مسألة تطبيع الأخيرة مع "إسرائيل" تحصيل حاصل.