لماذا لم تنفجر أسعار النفط رغم إقفال هرمز؟

كيف امتصّ الاقتصاد العالمي واحدة من أكبر صدمات الطاقة في تاريخه؟ وإلى متى تستطيع الأسواق الصمود؟

  • اذا لم تنفجر أسعار النفط رغم إقفال هرمز؟
    اذا لم تنفجر أسعار النفط رغم إقفال هرمز؟

إلى أي حد كان إغلاق مضيق هرمز يُهدد الاقتصاد العالمي ويشكّل رادعاً للحرب؟ هذا ما كان يُطرح سابقاً كسؤال عن سيناريوهات ممكنة، ولطالما ارتبط الحديث عن أي حرب محتملة في منطقة الشرق الأوسط بمخاوف من تعطّل إمدادات النفط والطاقة، وما قد يرافق ذلك من ارتفاع حاد في الأسعار واضطرابات تطال اقتصادات الدول حول العالم. ومن هنا، شكّل التهديد بإغلاق مضيق هرمز أحد أبرز أوراق الردع التي امتلكتها إيران، انطلاقاً من فرضية أن الكلفة الاقتصادية العالمية لإغلاقه قد تكون كافية للحدّ من احتمالات الذهاب إلى حرب واسعة. لكن الحرب وقعت بالفعل وأعادت طرح السؤال بصورة مختلفة: هل استطاع سلاح هرمز فعلاً أن يمنع الحرب، أم أن استخدامه قد يحوّله، مع مرور الوقت، من أداة ردع إلى عامل يدفع نحو مزيد من التصعيد والبحث عن خيارات أكثر عنفاً لإعادة فتح الممر وتأمين تدفقات الطاقة؟ أما السيناريو الذي كان يُنظر إليه باعتباره من بين الأسوأ، فتمثّل في اندلاع حرب إقليمية واسعة، وتعطّل شبه كامل لمضيق هرمز لأشهر، بالتوازي مع تراجع حاد في إنتاج دول الخليج، وهو ما كان من شأنه أن يدفع أسعار النفط، وفق السيناريوهات الأكثر تشاؤماً، نحو 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل.

أحد أكثر السيناريوهات خطورةً حصل بالفعل: حرب أميركية على إيران، استدعت إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل. لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر تعقيداً، وفي جوانب كثيرة مخالفاً للتوقعات.

فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، كان نحو 21.6 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية يمر عبر مضيق هرمز في الربع الأخير من 2025. وفي الربع الثاني من 2026، تراجع التدفق إلى 4.9 ملايين برميل يومياً فقط؛ أي بانخفاض يقارب 77%. أما النفط الخام والمكثفات وحدها، فانخفضت من 15.9 مليون إلى 3.7 ملايين برميل يومياً.

فكيف يمكن تعطيل الجزء الأكبر من أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، من دون أن يبقى النفط عند مستويات كارثية؟

الإجابة تبدأ بتصحيح السؤال نفسه. أسعار النفط انفجرت بالفعل لفترات محدودة. ففي 7 نيسان وصل النفط إلى نحو 138 دولاراً للبرميل، ثم تراجع مع تغير توقعات السوق. وفي 2 تموز انخفض إلى نحو 69 دولاراً بعد ارتفاع الآمال بالتوصل إلى تفاهم سياسي، قبل أن يقفز مجدداً إلى 105 دولارات في 23 تموز مع تجدد الهجمات على الناقلات.

لذلك، السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: لماذا لم يرتفع النفط؟ بل، لماذا لم يتحول ارتفاعه إلى انفجار سعري دائم ومتناسب مع حجم الصدمة؟ الجواب يكمن في مجموعة من أدوات الدفاع التي استطاع الاقتصاد العالمي استخدامها في الوقت نفسه.

أولاً: المخزونات النفطية (العرض)

ربما يكون هذا العامل أهم نقطة لفهم ما حدث. فقبل الحرب، لم يكن سوق النفط العالمي يعاني نقصاً في المعروض. على العكس، عام 2025، استطاع العالم زيادة مخزونه من النفط نتيجة ارتفاع العرض. ففي كانون الثاني 2026، وقبل اندلاع الحرب، كانت وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يرتفع العرض العالمي خلال السنة بنحو 2.5 مليون برميل يومياً، مقابل نمو متوقع في الطلب لا يتجاوز 930 ألف برميل يومياً. كما كانت المخزونات النفطية العالمية المرصودة قد ارتفعت خلال 2025 بنحو 470 مليون برميل، أو ما يعادل 1.3 مليون برميل يومياً كمعدل تراكم. بمعنى آخر، حصلت أزمة هرمز في وقت كان السوق مشبعاً بالنفط، مما كوّن مرونة في استيعاب الأزمة عند حصولها. وهذا التفصيل بالغ الأهمية. إذاً، لو حدثت الصدمة نفسها في سوق يعاني أساساً نقصاً في المخزونات وارتفاعاً في الطلب، لكانت الاستجابة السعرية أكثر تأثيراً.

ثانياً: تدمير الطلب

الآلية الثانية جاءت من الجانب الآخر للمعادلة. وفقاً لآلية العرض والطلب، يؤدّي ارتفاع الأسعار عادةً إلى تراجع الطلب، ما يدفع السوق تدريجياً نحو استعادة التوازن. لذا، ارتفاع أسعار النفط لا يؤدي فقط إلى زيادة كلفة الطاقة، بل يبدأ بعد مستوى معين في تقليص الاستهلاك نفسه، فيما يُعرف اقتصادياً بـ ”Demand Destruction“، أي تدمير الطلب.

وقد أظهرت أرقام وكالة الطاقة الدولية حجم هذا التحول. قبل الحرب، كانت الوكالة تتوقع نمو الطلب على النفط في 2026 بنحو 930 ألف برميل يومياً. أما في تقريرها شهر آب، فأصبحت تتوقع أن ينخفض الطلب العالمي بنحو 1.6 مليون برميل يومياً خلال 2026. أي أن الفارق بين التوقعين قبل الحرب وبعدها يتجاوز 2.5 مليون برميل يومياً. وتقدر الوكالة أن الطلب انكمش على أساس سنوي بنحو 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني، مع توقع استمرار انخفاضه بنحو 2.8 مليون برميل يومياً في الربع الثالث. وهنا تظهر إحدى أهم آليات التوازن في السوق.

هرمز خفّض العرض، لكن ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على الخام خفّضا الطلب أيضاً. وبالتالي لم يعد السوق مطالباً بتعويض كامل الكمية التي كان العالم يستهلكها قبل الحرب. جزء من نقص النفط عُوّض ببساطة عبر استهلاك نفط أقل. لكن لهذا التوازن في الأسواق كلفة اقتصادية واضحة تبدأ بتراجع النشاط الصناعي والنقل والاستهلاك، وصولاً إلى ارتفاع الضغط على النمو العالمي.

ثالثاً: المخزونات النفطية الاستراتيجية الطارئة

خط الدفاع الثالث كان النفط الذي أُنتج قبل الحرب وخُزّن لمواجهة يوم كهذا. تتوقع الدول الأزمات، وتبني خططاً للمواجهة. ومن أهم ما أوجدته الدول في مواجهة الاهتزازات في أسواق الطاقة، المخزونات الاستراتيجية. في 11 آذار، وافقت الدول الـ32 الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على طرح 400 مليون برميل من المخزونات الطارئة في أكبر عملية تحرير جماعي للاحتياطيات في تاريخ الوكالة.

وقتها كانت دول الوكالة تمتلك أكثر من 1.2 مليار برميل من المخزونات الحكومية الطارئة، إضافة إلى نحو 600 مليون برميل من مخزونات الشركات المحتفظ بها بموجب التزامات حكومية. وتُظهر اليابان بوضوح الدور الذي لعبته المخزونات الاستراتيجية كخط دفاع طارئ، إذ كانت من أكثر الاقتصادات انكشافاً على أزمة هرمز، حيث كان نحو 93% من وارداتها من النفط الخام يمر عبر المضيق في الظروف الطبيعية.

ومع تعطل الإمدادات، ساهمت اليابان بنحو 79.8 مليون برميل ضمن عملية السحب الجماعي من مخزونات دول وكالة الطاقة الدولية، منها 54 مليون برميل من المخزون العام و25.8 مليون برميل من المخزونات الإلزامية لدى الشركات. وقد مكّنها هذا الاحتياطي من تغطية جزء من النقص وشراء الوقت اللازم لتأمين مصادر ومسارات بديلة، خصوصاً أن اليابان كانت تمتلك احتياطيات طارئة تعادل نحو ثمانية أشهر من الاستهلاك.

وظيفة هذه المخزونات لا يمكنها استبدال نفط الخليج إلى ما لا نهاية. بل وظيفتها هي منع النقص المفاجئ من التحول فوراً إلى أزمة في السوق. أي أنها تشتري الوقت. لكن البيانات الحالية تكشف أن العالم يدفع ثمن هذا الوقت من مخزوناته. وهنا تكمن نقطة الضعف. المخزون يستطيع تأجيل الأزمة، لكنه لا يستطيع إلغاءها. لذا، كل شهر يمر مع استمرار نقص الإمدادات في مضيق هرمز يعني أن إحدى أهم أدوات احتواء السعر تصبح أضعف، وترتفع بذلك المخاطر المستقبلية.

رابعاً: الانتشار الجغرافي للإنتاج النفطي

خلال العقود الماضية ظهرت مراكز إنتاج ضخمة خارج الخليج، من الولايات المتحدة وكندا إلى البرازيل وفنزويلا والأرجنتين. بعد إغلاق مضيق هرمز وارتفاع الأسعار وتعطل الإمدادات الخليجية، استجابت هذه المناطق بزيادة الإنتاج والصادرات. في شهر أيار، قدّرت وكالة الطاقة الدولية أن توقعاتها لنمو الإمدادات من الأميركيتين خلال 2026 ارتفعت بأكثر من 600 ألف برميل يومياً منذ بداية السنة، لتصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً. كما زادت صادرات خام حوض الأطلسي بنحو 3.5 ملايين برميل يومياً منذ شباط، مع ارتفاع الشحنات من الولايات المتحدة والبرازيل وكندا وكازاخستان وفنزويلا باتجاه الأسواق الآسيوية الأكثر تضرراً.

وحدها الولايات المتحدة يُتوقع أن تنتج في 2026 نحو 13.8 مليون برميل من الخام يومياً، وفق أحدث توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. هذا لا يعني أن أميركا تستطيع تعويض هرمز. فالولايات المتحدة تستهلك جزءاً كبيراً من إنتاجها داخلياً، كما أن حجم النفط الذي كان يعبر المضيق أكبر من قدرة أي دولة منفردة على تعويضه. لكن وجود إنتاج ضخم خارج الخليج يعني أن الصدمة لم تعد تضرب نظاماً يعتمد على منطقة واحدة فقط. بعبارة أخرى، منع الإنتاج خارج دول الخليج من تحول الأزمة إلى احتكار للنفط ضمن جغرافية محددة للعرض.

خامساً: خطوط الإمدادات البديلة

إغلاق هرمز لا يعني أن كل النفط المنتج غرب المضيق أصبح محاصراً. السعودية والإمارات تمتلكان خطوط أنابيب تسمح بنقل جزء من الخام بعيداً عن هرمز. يمتلك خط شرق–غرب السعودي قدرة اسمية كبيرة تصل إلى ملايين البراميل يومياً، فيما يصل خط حبشان–الفجيرة الإماراتي إلى نحو 1.8 مليون برميل يومياً. لكن من المهم التمييز بين الطاقة الاسمية لهذه الخطوط وبين الطاقة الإضافية الفعلية المتاحة عند وقوع الأزمة.

فإدارة معلومات الطاقة كانت تقدر الطاقة غير المستخدمة القابلة فعلياً لإعادة توجيه النفط السعودي والإماراتي بنحو 2.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 20 مليون برميل كانت تعبر هرمز في الظروف الطبيعية. لذا، تُعتبر خطوط الإمداد البديلة ضعيفة نسبياً لتشكل بديلاً عن مضيق هرمز. لكنها تقلل حجم الفجوة بالفعل. فقد ارتفعت التدفقات النفطية عبر باب المندب من 5.4 ملايين برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى 8.1 ملايين في الربع الثاني من 2026، مع تحويل السعودية كميات إضافية عبر خط شرق–غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. لكن حتى هذا الحل ليس آمناً بالكامل. فالطرق البديلة أطول وأكثر تكلفة وأقل قدرة استيعابية، كما أن بعض البنى البديلة نفسها أصبحت معرضة للاستهداف. كذلك، فإن خط شرق–غرب ومنشآت في الفجيرة تعرضت للهجوم، ما يعني أن الالتفاف حول نقطة اختناق قد ينقل الخطر إلى نقطة اختناق أخرى بدلاً من إلغائه.

سادساً: إعادة توزيع تكاليف الصدمة تتخطى سعر النفط

التركيز على سعر النفط وحده قد يعطي انطباعاً مضللاً بأن السوق امتص الأزمة بسهولة. فجزء كبير من كلفة الحرب وإقفال المضيق انتقل من سعر السلعة إلى سعر نقلها وتأمينها. فبعدما كانت أقساط مخاطر الحرب تتراوح قبل الأزمة بين 0.15% و0.25% من قيمة السفينة، ارتفعت في ذروة التوتر إلى نحو 2–5%، ووصلت في بعض الحالات الأعلى خطورة إلى 10%. وبذلك تضاعفت كلفة التأمين بين 20 و33 مرة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أجور استئجار بعض ناقلات النفط العملاقة بنحو 300%، أي أصبحت تقارب أربعة أضعاف مستوياتها السابقة. وهذه نقطة أساسية لفهم الأزمة.

لذا، لا يمكن القول إن الأزمة انتهت أو إن الأسواق تكيّفت بالكامل مع إقفال مضيق هرمز مع وصول البرميل إلى 89 دولاراً فقط، بل أُعيد توزيعها. حيث ظهر جزء منها في أسعار النفط، وجزء في التأمين، وجزء في أجور السفن، وجزء في تكاليف التمويل والنقل وإعادة توجيه الشحنات. وهذا يعني أن التكلفة الاقتصادية الحقيقية لأزمة هرمز أكبر مما يوحي به سعر البرميل وحده، بل امتدت إلى سلسلة توريد النفط عالمياً.

سابعاً: هرمز لم يكن مقفلاً بشكل كامل

هناك أيضاً عامل أكثر تعقيداً؛ فالإغلاق لم يُطبّق بالتساوي على جميع السفن، بل اتخذ في بعض المراحل طابعاً انتقائياً. وتشير بيانات تتبّع الملاحة خلال فترات محددة من الأزمة إلى أن نحو ثلثي عمليات العبور المرصودة نفذتها سفن مرتبطة بإيران أو بأسطول الظل، إلى جانب عدد محدود من السفن الأجنبية التي حصلت على موافقة مسبقة من طهران. وهذا يعني أن إيران لم تستخدم المضيق للإغلاق الشامل فقط، بل لإعادة تنظيم حق العبور وفق اعتبارات سياسية وتجارية. هذا يعني أن إيران لم تقفل المضيق بشكل كامل ولم تمنع إمدادات الأسواق بشكل نهائي، بل حولت المضيق إلى ممر شديد التقييد وانتقائي في بعض الفترات. وهذا يترك في السوق كمية من النفط أكبر من سيناريو الإغلاق الكامل، وبالتالي يخفف نسبياً من الضغط الذي كان سيظهر في الأسعار.

ثامناً: السوق مبني على التوقعات المستقبلية

وهنا نصل ربما إلى العامل الأكثر وضوحاً في تفسير التقلبات الهائلة في السعر. ليس المهم في الأسواق عادةً كم ناقلة نفط عبرت المضيق بالفعل، بل ما التوقعات المستقبلية لحركة السفن في المستقبل. لذا، تتأثر الأسواق بالعوامل السياسية التي تحيط بعملية تصدير النفط بشكل مباشر، وينعكس ذلك في الأسعار. يمكن أن نرى ذلك، أنه بعد توقيع مذكرة تفاهم أميركية–إيرانية في حزيران وارتفاع توقعات استعادة التدفقات، هبط السعر حتى 69 دولاراً للبرميل في 2 تموز. لكن مع تجدد الهجمات وتراجع حركة الناقلات، وصل السعر إلى 105 دولارات في 23 تموز. وفي 17 آب، عاد النفط ليتداول قرب 89 دولاراً مع تعثر المحادثات وعودة علاوة المخاطر إلى السوق. لذا، لم تتغير احتياطيات النفط الجيولوجية العالمية بهذه السرعة. بل الذي تغير هو احتمال وصول النفط مستقبلاً. وهنا نفهم أهمية التصريحات عن وقف إطلاق النار، والمفاوضات، وخطط فتح المضيق.

هذا ما يفسر كثرة التصريحات الأميركية الإيجابية حول التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين. فالإدارة الأميركية تسعى للسيطرة على أسواق النفط وأسعاره من خلال إرسال إشارات إيجابية للأسواق بهدف طمأنة المستثمرين، وليست مجرد عملية إعلامية. بل إن لها تأثيراً مباشراً في السعر، لأن السوق يسعّر احتمالات المستقبل قبل أن يصبح المستقبل واقعاً.

تاسعاً: المرونة الأميركية في إدارة الأزمة

لم تتعامل الولايات المتحدة مع أزمة الطاقة بسياسات ثابتة، بل أظهرت مرونة واضحة في استخدام أدواتها الاقتصادية والمالية عندما أصبح التشدد الكامل يهدد بمضاعفة صدمة نقص الإمدادات. وظهر ذلك بصورة خاصة في ملفين: العقوبات النفطية وتأمين الملاحة البحرية.

فعلى الرغم من استمرار الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، منحت واشنطن في آذار إعفاءً مؤقتاً لمدة 30 يوماً يسمح بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية الخاضعة للعقوبات والموجودة بالفعل في البحر. وجاء القرار، وفق وزير الخزانة الأميركي، بهدف المساعدة في استقرار أسواق الطاقة التي تعرضت لاضطراب حاد نتيجة حرب إيران وتعطل الإمدادات عبر هرمز. واللافت أن المرونة امتدت حتى إلى النفط الإيراني نفسه. ففي 20 آذار، خففت واشنطن مؤقتاً القيود على النفط الإيراني الموجود على متن الناقلات لمدة 30 يوماً، في خطوة استهدفت إدخال كميات جاهزة من الخام إلى الأسواق في أسرع وقت ممكن. وقدّر أن الإعفاء أتاح التعامل مع نحو 140 مليون برميل من النفط الإيراني الموجود في البحر، رغم أن الولايات المتحدة كانت في الوقت نفسه تخوض حرباً مباشرة مع إيران.

تكشف هذه السياسة عن مفارقة مهمة: فالولايات المتحدة أرادت استمرار الضغط الاقتصادي على روسيا وإيران، لكنها لم تكن مستعدة لأن يؤدي التطبيق الأقصى للعقوبات، بالتزامن مع تعطّل هرمز، إلى إخراج المزيد من البراميل من سوق يعاني أصلاً من نقص حاد. لذلك جرى التعامل مع العقوبات بصورة انتقائية ومؤقتة؛ تُخفف عندما يصبح استقرار سوق الطاقة أولوية، ثم يمكن إعادة تشديدها عندما تتراجع الضغوط على الإمدادات.

وظهرت المرونة نفسها في الجانب المالي واللوجستي للأزمة. فارتفاع الخطر العسكري في الخليج لم يهدد النفط الموجود فقط، بل جعل نقل النفط نفسه أكثر صعوبة وكلفة، مع ارتفاع مخاطر الحرب وتردد شركات التأمين وأصحاب السفن في عبور المنطقة. لذلك أطلقت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية ”DFC“ في آذار برنامجاً لإعادة تأمين الملاحة بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار، قبل أن يُوسّع في نيسان إلى نحو 40 مليار دولار بالشراكة مع شركات تأمين أميركية كبرى، لتغطية مخاطر الحرب المتعلقة بالسفن والبضائع والمسؤوليات البحرية.

الهدف من هذه الخطوة كان معالجة مشكلة لا تقل أهمية عن نقص النفط نفسه: قد يكون النفط متوافراً، لكن إذا رفضت شركات الشحن أو التأمين تحمل مخاطر نقله، فإنه يصبح عملياً خارج السوق. ومن خلال تحمل الدولة والقطاع الخاص الأميركي جزءاً من هذه المخاطر، حاولت واشنطن تخفيض الكلفة المالية للملاحة وإعادة الثقة تدريجياً إلى حركة الشحن. إلا أن أثر البرنامج بقي محدوداً في مرحلته الأولى، إذ ظل الخطر العسكري الفعلي عاملاً أقوى من مجرد توفر التغطية التأمينية، ولم يؤدِ البرنامج وحده إلى إعادة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية.

وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية في إدارة واشنطن للأزمة: الهدف لم يكن الالتزام الجامد بكل أداة ضغط، بل منع أدوات الضغط نفسها من التحول إلى عامل يفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية. فعندما أصبح التشدد في العقوبات أو انسحاب شركات التأمين يهددان بتضخيم صدمة النفط، اختارت الولايات المتحدة قدراً من المرونة، حتى مع خصوم تخوض معهم صراعات مباشرة، بهدف شراء الوقت وتخفيف انتقال أزمة هرمز إلى الاقتصاد العالمي.

استطاعت واشنطن عبر مرونتها في التعامل مع الأزمة وسرعتها في اتخاذ قرارات تحدّ من تأثير إيران في إقفال مضيق هرمز، الحدّ من حجم الصدمة دفعة واحدة على الأسواق العالمية، وإرسال إشارات إيجابية للأسواق بوجود بدائل عن المضيق. إلا أن هذه الإجراءات بقيت محدودة التأثير فعلياً.

من امتصاص الصدمة إلى الاستنزاف: إلى متى تستطيع الأسواق الصمود؟

لكن، يبقى السؤال، كم تستطيع الأسواق أن تصمد في حال بقاء مضيق هرمز مقفلاً وفي ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط؟

كل ما سبق يفسر لنا كيف استطاع الاقتصاد العالمي استخدام خطوط الدفاع التي يمتلكها لمواجهة أزمة بحجم مضيق هرمز ومنع صعود النفط إلى 200 دولار. لكن الأرقام نفسها تكشف لماذا لا يمكن الاطمئنان كثيراً. فالعرض النفطي لا يزال متوقفاً، والحرب لم تنتهِ بعد، والمخزونات النفطية تُستهلك بشكل سريع ومتسارع، والأسواق العالمية الصناعية لا يمكنها طويلاً البقاء في حالة ترقب وجمود. تم امتصاص جزء من الصدمة في المرحلة السابقة. إذاً، ما الآتي؟ وما التوقعات؟ المسار المستقبلي للنفط يعتمد الآن بدرجة كبيرة على سؤال واحد: كم سيستمر تعطّل هرمز؟

السيناريو الأول: انفراج سياسي وعودة تدريجية للملاحة

هذا هو السيناريو الذي تبني عليه إدارة معلومات الطاقة الأميركية توقعاتها الأساسية حالياً. حيث تفترض استمرار القيود الحادة على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز خلال آب 2026، على أن تبدأ حركة الشحن والإنتاج بالتعافي تدريجياً في أيلول، وأن تعود معظم أنماط الإنتاج والتجارة النفطية إلى مستويات قريبة من مرحلة ما قبل الحرب بحلول أوائل 2027. وبناءً على هذا السيناريو، تتوقع الإدارة أن يبلغ متوسط سعر النفط نحو 85 دولاراً للبرميل في الربع الثالث من 2026، قبل أن ينخفض إلى حوالي 78 دولاراً في الربع الرابع، ثم إلى متوسط يقارب 69 دولاراً خلال عام 2027. لكن حتى مع إعادة فتح المضيق، لن تختفي آثار الأزمة فوراً؛ إذ يتطلب تعويض مئات ملايين البراميل المسحوبة من المخزونات وقتاً وإمدادات إضافية، كما تحتاج المنشآت النفطية المتضررة إلى الإصلاح وإعادة التشغيل تدريجياً. ومن المرجح أيضاً أن تُبقي شركات التأمين علاوة مخاطر مرتفعة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، إلى أن تستعيد حركة الملاحة استقرارها وتتراجع احتمالات تجدد التصعيد.

السيناريو الثاني: استمرار الإغلاق الجزئي

هذا السيناريو لا يعني غياب النفط بالكامل. ستستمر بعض الشحنات، وستعمل خطوط الأنابيب، وستنتج أميركا والأميركيتان كميات مرتفعة، وسيستمر انخفاض الطلب في تخفيف الضغط. لكن المشكلة ستتحول تدريجياً من صدمة إلى استنزاف. ستنخفض المخزونات أكثر، وسترتفع كلفة التأمين، وستعتمد الدول على مسارات نقل أطول مع تكاليف شحن أكبر، ومرونة أقل أمام أي هجوم جديد. وفي هذه الحالة، يمكن أن يبقى النفط مرتفعاً ومتقلباً لفترة طويلة، مع انتقال جزء متزايد من الكلفة إلى النقل والمنتجات النفطية والتضخم.

السيناريو الثالث: تصعيد واسع وإغلاق طويل

هذا هو السيناريو الأكثر خطورة. إذا ترافق استمرار تعطّل هرمز مع تضرر إضافي للمنشآت النفطية أو تعطّل الطرق البديلة عبر البحر الأحمر، فإن خطوط الدفاع المذكورة سابقاً ستصبح أضعف تدريجياً.

وعندها ستكون الدول أمام خيارات صعبة لتأمين النفط بشكل أو بآخر لتأمين احتياجاتها السكانية والصناعية. وفي ظل صعوبة تأمين النقص في الأسواق، إما سترتفع الأسعار بشكل كبير نتيجة ارتفاع الطلب على النفط، وإما ستعمل محركات الأسواق للسيطرة على الطلب وكبح صعوده نتيجة ارتفاع أسعار النفط.

وصل سعر النفط بالفعل إلى 138 دولاراً في 7 نيسان عندما كان الخوف من نقص الإمدادات في ذروته. لذا، لا شيء يمنع من عودة أسعار نفط من ثلاثة أرقام في حال حدوث تعطّل أوسع، وإن كان مستوى الأسعار سيعتمد على حجم الإنتاج المتوقف، والمخزونات المتبقية، والطلب العالمي، ومدة الأزمة. وهنا تتحول أزمة هرمز من مشكلة نفطية إلى مشكلة اقتصادية عالمية، تؤدي إلى تضخم مالي، والتأثير على القدرة الشرائية، والاستهلاك، والإنتاج، وتراجع الصناعة، وانخفاض في النمو الاقتصادي العالمي. هذا السيناريو ليس ببعيد، خصوصاً فيما إذا امتدت الأزمة إلى مضيق باب المندب وخطوط النقل في تلك المنطقة.

الخلاصة:

بناءً على ما تقدم، لا يمكن تحليل حجم أزمة مضيق هرمز من سعر برميل النفط في الأسواق فقط، فأداة القياس هذه لا تكفي ولا تعكس الأزمة بشكلها الواسع. استطاع النظام الاقتصادي العالمي، حتى الآن، تحويل واحدة من أكبر صدمات العرض النفطي إلى عملية استنزاف موزعة على عدة أسواق بدلاً من انفجار سعري واحد ومباشر. لكن، كل ذلك، رهن الزمن. فالبدائل لا تعوض مضيق هرمز، والطاقة الإنتاجية الفائضة محاصرة في المضيق، وتكلفة انخفاض الطلب لا يمكن للدول الاستمرار في تحملها كأنها لم تكن، بل تنعكس على نشاط اقتصاداتها وتستنزف قدراتها على التحمل.

في حال إطالة أمد الحرب، تكون قد تحوّلت حرب المضائق إلى حرب استنزاف للاقتصاد العالمي واختبار مكلف جداً على قدرته على الصمود أمام واحدة من أضخم الأزمات النفطية.

وسيبقى السؤال: كم سيستطيع الاقتصاد العالمي الصمود عبر أدواته الدفاعية، وكم من الوقت ستستطيع هذه الأدوات السيطرة على أسعار النفط قبل انفجارها؟