عشرون عاماً من الخداع: إلى أي مدى استطاع العدو تضليل المقاومة؟

التكنولوجيا قد تمنحك القدرة على الاختراق، لكنها لا تفسر وحدها بناء واجهات تجارية ومواقع وهمية وقصة منتج كاملة، ثم استخدام هذه البيئة لإنتاج ثقة زائفة لدى الخصم.

  • معرفة وجود الخطر شيء، ومعرفة مداه الحقيقي شيء آخر (أرشيف).
    معرفة وجود الخطر شيء، ومعرفة مداه الحقيقي شيء آخر (أرشيف).

ماذا لو أن أخطر ما فعله العدو خلال السنوات العشرين الماضية لم يكن ما عرفه عن المقاومة، بل ما استطاع أن يجعلها تعتقد أنه لا يعرفه عنها؟

فأن تعرف أن عدوك يتجسس عليك شيء، وأن تعرف مقدار ما وصل إليه من داخل منظومتك شيء آخر تماماً.

منذ انتهاء حرب تموز 2006، لم يتوقف الصراع بين المقاومة والعدو، وإنما انتقل إلى مستويات أخرى: الاستخبارات، العملاء، الاتصالات، المراقبة، الاغتيالات والحرب الإلكترونية. وفي هذا النوع من الحروب، لا تكفي معرفة أسرار الخصم؛ فالقيمة الحقيقية للمعلومة تظهر عندما تستطيع استخدامها من دون أن يدرك الخصم أنك حصلت عليها.

ومن هنا تبرز الإشكالية: هل استطاع العدو، خلال السنوات التي أعقبت حرب تموز، بناء اختراق استخباري متراكم تطور من جمع المعلومات إلى التأثير في تقديرات المقاومة لحجم ما يعرفه عنها، ثم إلى تضليلها؟ أم أن ما ظهر في السنوات الأخيرة لا يتجاوز حصيلة التفوق الاستخباري والتكنولوجي واستغلال الثغرات الأمنية؟

للإجابة، تكفي العودة إلى ثلاث محطات تكشف تطوراً لافتاً في طبيعة المعركة.

في شباط 2008، اغتيل عماد مغنية في دمشق. وبعد سنوات، كشفت صحيفة «واشنطن بوست»، استناداً إلى خمسة مسؤولين استخباريين أميركيين سابقين، أن العملية كانت نتيجة تعاون بين الـCIA والموساد، وأن أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية راقبت مغنية في دمشق لأشهر، وبنت نمطاً لتحركاته قبل تنفيذ العملية.

أهمية هذه الواقعة لا تكمن في الاغتيال وحده، بل في مستوى المعرفة الاستخبارية الذي تطلبه الوصول إلى شخصية كانت شديدة السرية والحذر. فالمصادر التي كشفت تفاصيل العملية تحدثت عن مراقبة لتحركاته وتأمين موقع قريب منه ودراسة روتينه قبل التنفيذ.

وبعد عامين، ظهرت قضية أكثر اتصالاً بالبنية الأمنية نفسها.

في عام 2010، أوقف مهندسا اتصالات في شركة «ألفا»، هما شربل قزي وطارق ربعة، للاشتباه في التجسس لمصلحة "إسرائيل". ووفق التقارير التي رافقت القضية، كان قزي يملك صلاحيات وكلمات مرور للوصول إلى أنظمة شبكة الهاتف، فيما اتُّهم ربعة بتزويد مشغليه بمعلومات عن خرائط الشبكة وتجهيزاتها وإعداداتها. والأهم أن التواصل الاستخباري معه كان قد بدأ قبل سنوات من توقيفه.

كما تحدث مسؤولون تقنيون لبنانيون في تلك الفترة عن اختراقات أوسع للشبكات وإمكان التلاعب ببعض بيانات الاتصالات. وبصرف النظر عن صحة كل التفاصيل التقنية التي وردت في حينه، فقد كشفت القضية حقيقة أكثر أهمية: وجود اختراق بشري وتقني داخل واحدة من أكثر البيئات حساسية.

بين اغتيال مغنية عام 2008 وقضية الاتصالات عام 2010، كانت الصورة تتغير: لم يعد الأمر مجرد تعقب لأشخاص، بل وصول إلى بيئة تقنية يمكن من خلالها جمع معلومات واسعة عن حركة الخصم واتصالاته.

ولا يعني ذلك أن المقاومة كانت غافلة عن الحرب الاستخبارية. على العكس، كانت تدرك أن الاتصالات تمثل نقطة ضعف، وكانت تخوض بدورها حرباً مضادة ضد شبكات التجسس.

لكن معرفة وجود الخطر شيء، ومعرفة مداه الحقيقي شيء آخر.

وهذا الفرق هو الذي يجعل ما حدث في أيلول 2024 بالغ الدلالة.

ففي عملية أجهزة الـPager، لم يقتصر الأمر على اختراق جهاز تستخدمه المقاومة، بل جرى بناء ثقة زائفة بالمنتج نفسه. كشف تحقيق «رويترز» أن العملية اعتمدت على إنشاء مواقع ومتاجر إلكترونية وحسابات وهمية لإعطاء الأجهزة هوية تجارية مقنعة، بحيث تبدو منتجاً حقيقياً وتتمكن من المرور عبر إجراءات التدقيق لدى حزب الله، فيما احتوت الأجهزة على متفجرات مخفية داخل البطاريات.

وهنا ننتقل من الاختراق إلى الخداع. فالاختراق يعني أن تعرف شيئاً عن خصمك.

أما الخداع فيعني أن تعرف، وأن تخفي معرفتك، ثم تستخدمها لصناعة واقع يثق به الخصم ويتصرف على أساسه.

وهذا هو العنصر الأكثر أهمية في عملية الـPager. فالمقاومة لم تتعامل مع جهاز بوصفه أداة مشبوهة تعرف أنها قد تكون ملغومة؛ بل دخل الجهاز إلى منظومتها باعتباره جزءاً من حل أمني لمشكلة كانت تعرفها أصلاً: خطر مراقبة الهواتف والاتصالات.

لقد تحوّل الإجراء الذي يفترض أن يزيد الأمان إلى مدخل للاختراق.

والأهم أن العملية لم تكن وليدة لحظة التنفيذ. فقد كشفت التحقيقات أن المشروع قام على بناء بنية تجارية كاملة، وأن التحضير له استغرق سنوات قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ في 2024.

وهنا لا تعود المسألة مجرد قدرة تقنية، بل تدخل في نطاق هندسة الخداع.

فالتكنولوجيا قد تمنحك القدرة على الاختراق، لكنها لا تفسر وحدها بناء واجهات تجارية ومواقع وهمية وقصة منتج كاملة، ثم استخدام هذه البيئة لإنتاج ثقة زائفة لدى الخصم.

ومع ذلك، لا تسمح الوقائع المتاحة بالقول إن "إسرائيل" وضعت عام 2006 خطة واحدة متصلة استمرت عشرين عاماً وانتهت بعملية الـPager. مثل هذا الاستنتاج يتجاوز ما يمكن إثباته.

لكنها تسمح باستنتاج أكثر دقة: أن سنوات ما بعد حرب تموز شهدت تراكم قدرة استخبارية على الوصول إلى الأشخاص والشبكات والاتصالات، وأن هذه القدرة تحولت، في مراحل لاحقة، إلى عمليات أكثر تعقيداً تستهدف ليس فقط معلومات الخصم، بل ثقته وتقديراته أيضاً.

وهنا تكمن المسألة الأخطر. لم تكن المقاومة تجهل أن العدو يتجسس عليها، ولم تكن عاجزة عن خوض حرب استخبارية مضادة.

لكن السؤال الذي تفرضه هذه الوقائع هو: هل كانت تعرف حجم ما استطاع العدو أن يعرفه عنها؟

فالاختراق الأمني يمكن مواجهته عندما تعرف أنه موجود.

أما الخداع، فمشكلته أنه يجعلك تتخذ إجراءاتك الأمنية على أساس صورة غير صحيحة عن خصمك.

ولذلك، قد لا تكون أخطر نتيجة حققها العدو خلال هذه السنوات أنه عرف أسراراً من أسرار المقاومة، وإنما أنه نجح، في لحظات معينة، في إخفاء حجم معرفته بها.

وهنا يصبح «عشرون عاماً من الخداع» أكثر من توصيف زمني؛ يصبح سؤالاً عن طبيعة الحرب نفسها.

فالحرب الحديثة لا تدور فقط حول من يملك السلاح الأكثر دقة، أو المعلومة الأسرع، أو القدرة الأكبر على الاختراق.

إنها تدور أيضاً حول سؤال أكثر خطورة:

من يستطيع أن يجعل خصمه يخطئ في تقدير ما يعرفه عنه؟

لأن أخطر اختراق ليس أن يعرف العدو أين تنظر.

بل أن ينجح في جعلك تنظر إلى المكان الخطأ، وأنت تظن أنك اتخذت كل احتياطاتك.