شيعة لبنان وصياغة المستقبل السياسي.. بين مشروع المقاومة والدولة ضمن إطار موضوعي
الاستفادة من نتائج التجربة الشيعية في إدارة المرحلة الراهنة، تستدعي الوقوف عند عدة متغيرات وعوامل، لا يمكن إغفالها عند الحديث عن مشروع المقاومة أو مشروع الدولة، ودور هذه المشاريع في تحديد مستقبل الشيعة والكيان اللبناني.
-
بين السيد الصدر والسيد نصر الله، تكامل المشروع في مراحل مختلفة (أرشيف).
تمثل حرب 2026 بين إيران وأميركا منعطفًا تاريخيًا، سيؤثر بنتائجه على مستقبل المنطقة والعالم. هذه النتائج والتي ستعيد رسم الجغرافيا السياسية في الإقليم، ستنعكس على المعادلات السياسية في كل دول المنطقة ومن بينها لبنان.
ولعل مستقبل لبنان الحاضر في تفاصيل الحرب الحاصلة عسكرياً ودبلوماسياً، بحاجة إلى مقاربة تتخطى التقليد اللبناني المعتمد على اعتبار أن التساؤلات التي تخص المستقبل السياسي اللبناني تتخطى زواريب السياسة اللبنانية لتصل إلى مسألة وجود الكيان اللبناني.
أمام هذا التحول المصيري، يبرز دور ومستقبل الشيعة في لبنان، لا لكونهم الجهة التي تتصدى للمقاومة اليوم، بل لما لدورهم من أثر على مستقبل الكيان اللبناني. إن دور ومستقبل الشيعة في لبنان بات بحاجة إلى مقاربة مختلفة تلحظ العوامل الجديدة التي باتت محددة لاستمرارية أدوار القوى السياسية من دول وحكومات وأنظمة وأحزاب، ما يجعل الفرز الداخلي الذي تعيشه الساحة اللبنانية والتي باتت تبدو منقسمة بين خياري المقاومة والدولة وكأنها خيارات متناقضة، غير ذي جدوى.
يشكل هذا التحول تحدياً أمام اللبنانيين، ولا سيما المكوّن الشيعي، والذي بات يحتاج إلى اعادة ترتيب لدوره ضمن إطار موضوعي يحفظ إنجازاته التاريخية، لكن يلحظ التحولات الجارية في المنطقة والسياق الجديد للقوة. من هنا تأتي أهمية قراءة دور الشيعة ومستقبلهم على ضوء مشروعي الإمام السيد موسى الصدر والسيد حسن نصر الله، حيث مثلت مرحلة كل منهما مرحلة مفصلية في تاريخ لبنان السياسي ودور الطائفة الشيعية. وفيما لا يلغي اختلاف المراحل التكامل بين المشروعين، فإن هذا التكامل يبقى من دون جدوى إذا لم يُستثمر وفق ما يلحظ العوامل الجديدة المحددة لاستمرارية القوى.
بين السيد الصدر والسيد نصر الله، تكامل المشروع في مراحل مختلفة
قبل الدخول في صلب التحليل، لا بد من النظر إلى مشروعي السيد الصدر والسيد نصر الله، لا بوصفها مشاريع متباينة، بل مشاريع مختلفة في المحطات الزمنيةن لكنها متكاملة لناحية الرؤية والمرجعية والأدوات. وهو ما لا يلحظه القيمون على الشأن الشيعي في لبنان، بل يقعون في شرك الفصل والتمييز بين المشروعين.
فبينما أظهر السيد الصدر لبنانية الشيعة وحركتهم نحو "المواطنة الكاملة" ضمن الدولة وفق منظوره للشيعية السياسية وإيمانه بالدولة، قاد السيد نصر الله مشروعًا مختلفًا في مرحلة مختلفة جعل فيها سلاح المقاومة والارتباط بولاية الفقيه محورًا استراتيجيًا للطائفة الشيعية.
ولعل إبراز هذا التكامل يستوجب تشخيص ميزة كل مشروع والعلاقة بينها ضمن إطار لا يرتبط بالشيعة فقط بل بالرسالة التي عبّرت عنها حركة كل من الزعيمين السياسين والتي هي واحدة ومشتركة.
ينادي السيد الصدر بحاجة لبنان إلى بناء دولة عادلة ومقتدرة أي ذات سيادة. وهو لم يطرح مشروع المقاومة اللبنانية كبديل عن الدولة بل أداة لتمكينها. وكان واضحاًً في خطاباته أنه يُحكم مسألة السلاح للمقاومة كثقافة تعبر عن رد فعل شعبي طبيعي ضد الاحتلال، وهي ثقافة أشمل من كونها تخص الشيعة أو لبنان بل تشمل كل إنسان يرفض الظلم. هنا يلتقي الشيعة مع أي إنسان حر ويلتقي مشروع الدولة مع الفعل المقاوم، على اعتبار أن مشروع بناء الدولة ليس سوى مسار يبدأ من تمكين الدولة من امتلاك كل عناصر القوة وفي مختلف المجالات والتي في مقدمتها القوة العسكرية.
من هذا المنظور نفسه انطلق السيد نصر الله في مرحلة كانت تستدعي إظهار وتأكيد أهمية المقاومة في تأمين شروط بناء الدولة ولا سيما الشرط العسكري الدفاعي. بل إن غياب هذا الشرط العسكري يلغي إمكانية قيام دولة في لبنان ولو توفرت كل الشروط الأخرى.
ولو أن لبنان امتلك عناصر قوة في مجالات التعليم والاقتصاد وغيرها من دون امتلاكه عنصر القوة العسكرية، فإنه لن يستطيع فرض مصالحه في كل مجال إن نجح في تشخيصها. وهو ما تقوم عليه فلسفة الأمن القومي في أي دولة.
وهنا، فإن طبيعة العمل السياسي في لبنان، والتي يطغى عليها نمط الزعامات السياسية لا المؤسسات السياسية، وغياب الدور النخبوي الحقيقي عن الساحة السياسية اللبنانية، أفرغ رؤية هذه الزعامات الشيعية من قيمتها الرسالية وأدخلها في الزواريب الضيقة للسياسة اللبنانية.
المرحلة اليوم والمقاربة المطلوبة للدور الشيعي
لا يمكن اختصار رؤية وتجربة السيدين الصدر ونصر الله في هذا المقال. لكن الهواجس والخلفية والغاية كانت واحدة، فالدولة تقوم على عناصر القوة الشاملة في مختلف المجالات والتي تمكّنها من تغيير مواردها لحماية مصالحها أمام الخارج، وفي مقدمة هذه العناصر تأتي القوة العسكرية. هذه المقاربة هي التي حكمت الفعل المقاوم لدى السيد الصدر والسيد نصر الله بغض النظر عن الكلفة ومن يتحملها.
يكفي ما تقدم، للتعبير عن العلاقة التكاملية الواضحة بين مشروع المقاومة ومشروع بناء الدولة، لكن المرحلة اليوم تحتاج إلى صياغة رؤية جديدة لا تلغي هذه العلاقة، بل تلحظ العوامل الجديدة التي باتت متحكمة في نجاح العملية السياسية في لبنان والمنطقة.
ثالثاً: الحاجة إلى إعادة صياغة التجربة الشيعية بواقعية المرحلة السياسية والعوامل الجديدة المحددة لاستمرارية القوى.
إن الاستفادة من نتائج التجربة الشيعية في إدارة المرحلة الراهنة، تستدعي الوقوف عند عدة متغيرات وعوامل، لا يمكن إغفالها عند الحديث عن مشروع المقاومة أو مشروع الدولة، ودور هذه المشاريع في تحديد مستقبل الشيعة والكيان اللبناني.
يسمح فهمُ هذه العوامل في إخراج كل مشروع من إطاره التقليدي والتحول به نحو أطر أكثر واقعية تفرضها التحولات، وبما يخرج النقاش من مستوى الشرعية وينقله إلى مستوى البحث عن مقومات استمرارية أي مشروع.
1- التغير الذي يطال ساحة الحرب التقليدية وسقوط الجغرافيا السياسية التقليدية للمشروع الإسرائيلي: فالكيان الذي كان يستخدم الساحة الفلسطينية كقاعدة لمشروعه بات يسعى إلى بناء جغرافيا سياسية أوسع تهدف لإقامة مشروع "إسرائيل الكبرى". وهو ما يطرح تساؤلات حول الفلسفة الجديدة للمقاومة (والتي يجب أن تلحظ فلسفة مشروع إسرائيل الكبرى كعدوان) والذي يستهدف عدة أنظمة ودولاً عربية وإسلامية وفي مقدمتها لبنان وسوريا وعلى عدة مستويات ومجالات.
2- التغير الذي يطال عناصر القوة العسكرية: لم يعد السلاح العسكري التقليدي الأداة المعتمدة وحدها في المعركة بل دخلت التكنولوجيا العسكرية إلى الميدان، وهي أداة تعيد تعريف السيادة من كونها سيادة جغرافية إلى كونها سيادة رقمية. وهو ما يفرغ نقاش الحدود الجغرافية من جدواه أمام مخاطر أخرى، وفي مقدمتها الأمن التكنولوجي وكيف سيؤثر هذا التحول على عملية إعادة رسم جغرافيا المنطقة.
3- التغير الذي يطال أطر تشكل العلاقات الإقليمية والدولية: حيث باتت المصالح الاقتصادية هي الحاكمة للعلاقات بين القوى، ما يفسّر الطبيعة المركبة لمشروع "إسرائيل" الكبرى ويبرز كيف أن الحرب العسكرية هي أداة لفرضه في محاولة لإعادة ترتيب المستقبل السياسي للمنطقة.
هذه العوامل، إضافة إلى عوامل أخرى ولا سيما القيم، تطرح تساؤلات جديدة على كل من المقاومة والسلطة في لبنان، من منظور أشمل من كون هذه المشاريع خاصة بطائفة أو دولة، بل تؤسس لنقاش أكثر موضوعية خارج الإطار الفئوي التقليدي والذي لا يلحظ السياق الجديد للقوة وتكاليفها ومن يمكنه تحمل هذه التكاليف.
إن مقومات استمرارية الأدوار باتت مختلفة عن السابق وهي لا تستهدف مشروع المقاومة أو الدولة، بل تعكس تبدلات بنيوية تؤثر على مسار أي مكون وأي دولة في ضمان مستقبله السياسي في ظل عوامل جديدة باتت تعيد تعريف معنى المقاومة والدول.