بين كواليس مسقط وجبهات اليمن: هل فَصَلت واشنطن أمنها عن أمن الرياض؟

هل تكشف كواليس مسقط تغيراً في قواعد التحالف الأميركي–السعودي؟ أم أنها تكشف، بصورة أدق، الحدود التي كانت موجودة دائماً في هذا التحالف، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً تحت ضغط الحرب؟

  • ما الذي طلبته الرياض؟ (أرشيف).
    ما الذي طلبته الرياض؟ (أرشيف).

شهدت العاصمة العُمانية مسقط خلال الأيام الماضية تطوّراً يتجاوز في دلالاته مجرد فتح قناة اتصال جديدة في أزمة اليمن. فقد كشفت وكالة رويترز، استناداً إلى خمسة مصادر مطلعة، عن اجتماع غير معلن رسمياً عُقد بين مسؤولين أميركيين وممثلين عن حركة "أنصار الله" داخل السفارة الأميركية في مسقط، بوساطة عُمانية.

وبحسب المصادر، أبلغ ممثلو أنصار الله الجانب الأميركي أنهم يعتزمون الالتزام بتفاهم عام 2025 الذي أوقف المواجهة المباشرة بينهم وبين واشنطن وعدم استهداف السفن الأميركية، وقالت المصادر إنّ التعهّد شمل السفن الإسرائيلية والسفن التجارية الأخرى، مع استثناء السفن السعودية. ولم تؤكّد وزارة الخارجية الأميركية انعقاد الاجتماع أو مضمون هذه التفاهمات، واكتفت بالتشديد على أهمية أمن الملاحة في البحر الأحمر.

أهمية هذا التواصل لا تكمن في وجود قناة خلفية بين خصمين فقط، بل في توقيته؛ فاللقاء يأتي بعدما حقّقت القوات المسلحة اليمنية تقدّماً عسكرياً واسعاً على الساحل الغربي لليمن، ووصلت إلى مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب، بينما تعرّضت السعودية مجدداً لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، ووصل التهديد إلى خط "الشرق–الغرب" النفطي الذي يشكّل أهم طريق سعودي لتجاوز مضيق هرمز.

كلّ ذلك يجري داخل حرب إقليمية أوسع بدأت بالعدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، وردّت عليها طهران باستهداف "إسرائيل" وقواعد تستضيف قوات أميركية، فيما تعرّضت الملاحة في مضيق هرمز للألغام والهجمات على الناقلات، ما أدّى إلى انهيار حادّ في حركة النفط عبره مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

وأمام عمليات القوات المسلحة اليمنية، طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دعماً عسكرياً أميركياً مباشراً، لكنّ الرئيس دونالد ترامب لم يوافق حتى الآن على تنفيذ ضربات أميركية ضد أنصار الله، فيما واصلت واشنطن تقديم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في الاستهداف للسعودية.

وهنا تظهر المفارقة التي تختصر الأزمة: الولايات المتحدة تفاوض القوة التي تهدّد حليفها، وتساعد هذا الحليف استخباراتياً وعسكرياً، لكنها لا تريد أن تخوض حربه.

فهل تكشف كواليس مسقط تغيّراً في قواعد التحالف الأميركي–السعودي؟ أم أنها تكشف، بصورة أدق، الحدود التي كانت موجودة دائماً في هذا التحالف، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً تحت ضغط الحرب؟

ما الذي طلبته الرياض؟

لا يكفي النظر إلى اليمن باعتباره ساحة صراع محلية. فالتقدّم الأخير لـ القوات المسلحة اليمنية لا يمثّل مجرّد تبدّل في خطوط التماس، بل تغيّراً في الجغرافيا العسكرية المحيطة بواحد من أهمّ الممرات البحرية في العالم. وسيطرة القوات المسلحة اليمنية (التابعة لحكومة صنعاء) على المخا وتقدّمها على ساحل البحر الأحمر ووصولها إلى جزر ومواقع قريبة من باب المندب رفعت قيمة الحركة الاستراتيجية بما يتجاوز حدود اليمن.

وجاء هذا التقدّم في أسوأ توقيت ممكن بالنسبة إلى الرياض. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، كان يعبر مضيق هرمز نحو 21.6 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية في الربع الأخير من 2025، وانخفض الرقم إلى 14.9 مليوناً في الربع الأول من 2026، ثم إلى 4.9 ملايين في الربع الثاني. وفي المقابل، ارتفعت التدفّقات عبر باب المندب من 5.4 ملايين إلى 5.6 ملايين ثم إلى 8.1 ملايين برميل يومياً خلال الفترات نفسها.

هذه الأرقام تختصر تحوّلاً جيوسياسياً مهماً: كلما تراجعت القدرة التشغيلية لهرمز، ارتفعت قيمة الطرق التي تستطيع تجاوز جزء من مخاطره، وكلما تحوّلت كميات إضافية نحو البحر الأحمر، ارتفعت أهمية باب المندب والقيمة الاستراتيجية للجغرافيا الواقعة ضمن قدرة أنصار الله على التهديد.

لهذا لم تعد الرياض تتعامل مع حكومة صنعاء باعتبارها مشكلة يمنية فقط، بل باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها الوطني وبنيتها النفطية وموقعها في البحر الأحمر وقدرتها على تصدير الطاقة في زمن الحرب.

ماذا رفضت واشنطن؟

طلب محمد بن سلمان من ترامب مساعدة عسكرية أميركية مباشرة، لكنّ واشنطن اختارت مساراً مختلفاً: الاستخبارات والمساعدة في تحديد الأهداف والتنسيق العسكري، من دون دخول حملة هجومية جديدة.

هذا التفريق هو مفتاح فهم الموقف الأميركي. فالولايات المتحدة لم تقل للسعودية إنها ستتركها تواجه القوات المسلحة اليمنية وحدها، لكنها قالت عملياً: سنساعدك، لكننا لن نحوّل كلّ تهديد تتعرّض له إلى حرب أميركية.

وهنا ينبغي التمييز بين التحالف والضمان العسكري التلقائي. فالعلاقة الأميركية–السعودية عميقة تاريخياً، وتشمل الدفاع والطاقة والاستخبارات والتسليح والتعاون الإقليمي، لكنها لم تكن يوماً نسخة مطابقة للمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي بحيث يصبح أي اعتداء على السعودية ملزماً تلقائياً بردّ أميركي.

لذلك فإنّ ما يتغيّر ليس تحالفاً كان قائماً قانونياً على "ضمان شامل"، بل التوقّعات المتعلقة بحدود الحماية الأميركية. والأزمة الحالية تكشف أنّ واشنطن أصبحت أكثر تشدّداً في الفصل بين حماية مصالحها المباشرة، ومساندة الحليف، وخوض الحرب نيابة عنه.

مسقط وتقسيم ساحة الردع

لا يبدو اختيار مسقط مصادفة. فقد حافظت سلطنة عُمان على قنوات اتصال مع واشنطن وطهران والرياض وحكومة صنعاء، ما جعلها أشبه بـ"بنية تحتية دبلوماسية" للمنطقة.

وبحسب مصادر Reuters، شارك محمد عبد السلام، رئيس الوفد الوطني المفاوض لـ أنصار الله، في الاجتماع. ورغم عدم وجود إعلان أميركي رسمي يؤكّد مضمون اللقاء، فإنه يحمل دلالة استراتيجية: واشنطن تحاول تحديد الخط الفاصل بين ما تعتبره تهديداً مباشراً لمصالحها وما تعتبره جزءاً من الصراع السعودي مع حكومة صنعاء.

أما أنصار الله فيحاولون بدورهم تقسيم ساحة الردع: تجنّب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، والإبقاء على الضغط العسكري والاقتصادي على السعودية، وعدم دفع باب المندب إلى مستوى من الاضطراب يؤدي إلى نشوء تحالف دولي واسع ضدهم.

فـأنصار الله لا يحتاجون إلى مواجهة الولايات المتحدة عسكرياً؛ يكفي أن يجعلوا واشنطن ترى أنّ تكلفة البقاء خارج الحرب أقل من تكلفة الدخول فيها. وإذا نجحوا في تحييدها نسبياً مع استمرار الضغط على السعودية، فإنهم يكونون قد حقّقوا مكسباً استراتيجياً أكبر من مكسب ميداني محدود.

أمن الملاحة أم أمن السعودية؟

بالنسبة إلى الرياض، يمثّل أنصار الله تهديداً مباشراً للحدود والمدن والمنشآت النفطية ولموقع السعودية في اليمن والبحر الأحمر. أما واشنطن، فتتركّز أولوياتها على حماية قواتها وسفنها، والحفاظ على حرية الملاحة، ومنع إغلاق الممرات البحرية واضطراب أسواق الطاقة، وتجنّب توسّع الحرب بطريقة تستنزف قدراتها.

المصلحتان تتقاطعان، لكنهما لا تتطابقان دائماً، وهذه هي المسافة التي يتحرّك فيها أنصار الله.

وهناك سبب إضافي للحذر الأميركي: واشنطن جرّبت العدوان ضد أنصار الله من قبل؛ فقد شنت حملات جوية واسعة استهدفت منصات إطلاق ومخازن ومواقع قيادة، لكنها لم تقضِ على الحركة أو تجرّدها نهائياً من قدراتها الصاروخية والمسيّرة.

وهنا يظهر السؤال: ماذا يحدث في اليوم التالي للقصف؟ يمكن للغارات تدمير منصة أو مخزن، لكن هل تزيل القوات المسلحة اليمنية من الساحل؟ وهل تضمن أمن باب المندب؟ تجربة اليمن توحي بأنّ التفوّق العسكري قادر على التدمير والإنهاك، لكنه لا يتحوّل تلقائياً إلى نظام سياسي وأمني مستقر.

إيران: قوة الشبكة الجيوسياسية

يزداد الحساب تعقيداً لأنّ الولايات المتحدة منخرطة أصلاً منذ أواخر شباط/فبراير في حرب مباشرة مع إيران، بينما تنتشر عشرات الآلاف من قواتها في المنطقة. وفتح جبهة واسعة ضد أنصار الله يعني استنزافاً إضافياً للطيران والبحرية والذخائر والدفاعات الجوية في وقت تواجه فيه واشنطن أصلاً تحدّيات إيران وأمن هرمز وحماية قواعدها وحلفائها.

لكنّ العلاقة الإيرانية بـأنصار الله أكثر تعقيداً من وصف الحركة بأنها مجرّد ذراع لطهران. فلا شكّ في عمق العلاقة والدعم العسكري والتقني الإيراني، خصوصاً في الصواريخ والمسيّرات والحرب غير المتكافئة، لكنّ اختزال الحركة في أداة تنفيذية يغفل جذورها اليمنية ومشروعها الداخلي ومصالحها الخاصة.

والمفارقة أنّ هذه الاستقلالية النسبية لا تعني ضعف إيران، بل قد تكون أحد مصادر قوتها. فطهران لا تحتاج إلى إدارة كلّ قرار ميداني كي تستفيد من وجود قوة مسلحة حليفة قادرة على تهديد خصومها.

تكمن قوة النموذج الإيراني في شبكة من الحلفاء والشركاء المحليين في محور المقاومة الذين يمتلكون مصالح وقدرة متفاوتة على اتخاذ القرار، لكنهم يلتقون مع إيران عند خصوم ومصالح مشتركة. وبذلك تحوّل طهران دعمها العسكري والتكنولوجي إلى قوة مضاعفة تعمل بعيداً عن حدودها من دون كلفة الانتشار العسكري الإيراني المباشر.

وفي الحالة اليمنية تصبح الجغرافيا عنصر القوة الأهم؛ فوجود القوات المسلحة اليمنية الحليفة لإيران وقدراتها الصاروخية والمسيّرة قرب البحر الأحمر وباب المندب يمنح طهران نفوذاً غير مباشر بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية، بالتوازي مع قدرتها المباشرة على التأثير في أمن الملاحة عبر هرمز.

وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية لشبكة محور المقاومة: طهران لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على حلفائها لكي تستفيد من أفعالهم، فيما يحتاج خصومها إلى التعامل مع كلّ ساحة من ساحات هذه الشبكة على حدة. وهكذا نجحت إيران في جعل نفوذها الإقليمي أكبر من حدود سيطرتها المباشرة.

من هرمز إلى باب المندب: جبهات الإسناد والتكامل

الحرب أعادت توزيع قيمة الجغرافيا. فالسعودية تستطيع تجاوز هرمز جزئياً عبر خط الشرق–الغرب إلى ينبع، والإمارات تملك منفذاً في الفجيرة، لكن كلما ازدادت أهمية الطرق الواقعة خارج هرمز ازدادت قيمة البحر الأحمر، ومعها أهمية أمن باب المندب كإحدى جبهات الإسناد الحيوية.

وبذلك لم يعد اليمن ساحة منفصلة عن أزمة هرمز، بل جزءاً من منظومة واحدة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم الضغوط: أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من إنتاج الخليج ظل خارج الخدمة في آب/أغسطس بسبب المخاطر الأمنية، فيما هبطت المخزونات العالمية المرصودة 95 مليون برميل خلال الشهر، ليبلغ الانخفاض التراكمي منذ شباط/فبراير 507 ملايين برميل.

لذلك فإنّ فتح جبهة أميركية واسعة ضد أنصار الله بالتزامن مع الحرب الإيرانية يعني زيادة احتمالات التصعيد حول ممرين استراتيجيين في وقت واحد: هرمز وباب المندب. وهذا تحديداً ما تحاول واشنطن تجنّبه.

هل اهتز التحالف السعودي–الأميركي؟

ما يحدث لا يعني نهاية التحالف أو انسحاب واشنطن من الخليج. فالولايات المتحدة ما زالت تقدّم الدعم الاستخباراتي والتعاون العسكري، لكنّ الأزمة تكشف حدود العلاقة.

فالقرار بخوض حرب أميركية يبقى قراراً تحدّده واشنطن وفق تعريفها لمصالحها، وليس نتيجة تلقائية لكلّ تهديد يتعرّض له حليفها.

وهذا الواقع يضع الرياض أمام خيارات متوازية: تعزيز دفاعاتها الذاتية وحماية منشآتها النفطية، وإعادة تنظيم المجموعات الموالية للتحالف (حكومة عدن)، وتوسيع شبكة الشركاء الإقليميين، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، مع الاستمرار في العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن ضمن فهم أكثر واقعية لما تستطيع تقديمها وما هي مستعدة للقتال من أجله.

وتندرج في هذا السياق اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لكنّ الاتفاق لا يعني وجود آلية تلقائية للحرب؛ فقد أكدت باكستان أنّ أيّ ردّ عسكري بموجبه على هجمات أنصار الله لم يكن قد نوقش.

حدود التحالف لا نهايته

ما تشهده العلاقة الأميركية–السعودية ليس نهاية للروابط التاريخية، ولا انسحاباً أميركياً من الخليج، بل تحوّل من توقّع حماية أميركية واسعة إلى دعم أميركي انتقائي تحدّد واشنطن مستواه في كلّ أزمة، في ظل حربها مع إيران وقدرة طهران على التحرّك عبر شبكة حلفائها.

وهنا يصبح اجتماع مسقط أكثر من لقاء سري؛ إنه اختبار عملي لنموذج أمني تتحدّد فيه العلاقة مع واشنطن وفق طبيعة الأزمة ومصالحها المباشرة.

فالمنطقة أمام واقع جديد: هرمز مضطرب في الشرق، والبحر الأحمر أكثر أهمية في الغرب، والقوات المسلحة اليمنية أقرب إلى باب المندب، وواشنطن تساعد الرياض لكنها لا تريد فتح جبهة جديدة.

لذلك فإنّ السؤال المركزي الذي يواجه السعودية اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال حليفاً؛ الجواب ما زال نعم.

السؤال الأصعب هو: متى تعتبر واشنطن أنّ أمن السعودية جزء من أمنها هي، ومتى تعتبره مسؤولية سعودية تدعمها من الخلف؟

قد تكون الإجابة عن هذا السؤال أهمّ لمستقبل التحالف من أيّ إعلان سياسي عن متانته.