الشرق الأوسط بين التصعيد والقرار

المسؤولية الوطنية تفرض على اللبنانيين، وخصوصًا على المستوى الرسمي، الانتقال من منطق إدارة الانقسام إلى منطق إدارة الخطر، عبر موقف وطني واضح وموحّد.

  • الجبهة اللبنانية تُعدّ الساحة الأكثر قابلية للتوظيف في استراتيجية
    الجبهة اللبنانية تُعدّ الساحة الأكثر قابلية للتوظيف في استراتيجية "التصعيد دون الانفجار" (أرشيف).

ما شهدته الفترة الأخيرة يتجاوز كونه تتابعًا أمنيًا عابرًا، ولا يمكن التعامل مع عمليات تدمر وبراون وسيدني بوصفها أحداثًا منفصلة عن سياقها السياسي الأوسع. نحن أمام مشهد مركّب تُستخدم فيه العمليات بوصفها أدوات إقناع استراتيجي، لا أفعال ردٍّ تقليدية.

فالهدف لا يكمن في تغيير موازين ميدانية محدودة، بقدر ما يتمثل في التأثير المباشر على قرار سياسي أميركي يُفترض أن يتبلور بعد اجتماع بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب في التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول.

الرسالة التي تُبنى خلال هذه الأيام القليلة واحدة: الشرق الأوسط، وفق هذا المنطق، لا يصلح للسلام، ولا يستجيب لمنطق الازدهار، فيما تبقى الحرب الخيار الأكثر "واقعية" لإدارته. هذا الطرح ليس جديدًا، لكنه يُعاد إنتاجه اليوم بزخم أعلى، مستفيدًا من لحظة انتقالية في واشنطن، ومن رئيس أميركي محتمل ينظر إلى العالم من زاوية القوة والصورة والصفقات، أكثر مما ينظر إليه من زاوية التوازنات الدقيقة.

ضمن هذا المشهد، يتحرك نتنياهو كمن يقدّم عرضًا سياسيًا–أمنيًا متكاملًا أمام شريك أميركي يحتاج إلى تبرير خياراته المقبلة. فالعمليات المتباعدة جغرافيًا والمتقاربة زمنيًا تؤدي وظيفة مزدوجة: ترسيخ فكرة الترابط العضوي بين الساحات، وإسقاط وهم القدرة على عزل الشرق الأوسط عن الأمن العالمي. تدمر تستدعي الجرح السوري المفتوح، وبراون تنقل القلق إلى قلب المجتمعات الغربية، فيما تؤكد سيدني أن النار الإقليمية قادرة على القفز فوق القارات. ليست هذه رسائل ردع بقدر ما هي رسائل إقناع موجهة مباشرة إلى صانع القرار الأميركي.

منذ سنوات، يسعى نتنياهو إلى تثبيت معادلة واحدة في العقل السياسي الأميركي: كل تهدئة ليست سوى تأجيل للمواجهة، وكل خطاب عن السلام إنكار لطبيعة المنطقة. هذا التصور يستعيد، بصيغة معاصرة، أطروحات ترى الشرق الأوسط ساحة أزمات دائمة تحتاج إلى إدارة قسرية لا إلى حلول سياسية. غير أن الجديد اليوم يكمن في تقديم هذه الأطروحات لترامب لا كتحليل نظري، بل كخريطة طريق عملية للمرحلة المقبلة.

وبعد الاجتماع المرتقب، يبدو السيناريو الأرجح هو الانتقال إلى مرحلة تصعيد محسوب لا حرب شاملة. تصعيد يُدار بذكاء عبر عمليات نوعية، وضغوط أمنية، وفتح جبهات رمادية لا تستدعي إعلان حرب رسمي، لكنها تُبقي المنطقة في حالة توتر دائم. هذا النموذج يخدم الطرفين: يمنح نتنياهو هامش حركة أوسع، ويتيح لترامب تفادي صورة الرئيس الذي جرّ بلاده إلى حرب كبرى، من دون التخلي عن خطاب القوة.

وفي هذا الإطار، لا يمكن استبعاد أن يكون خطر توجيه ضربة لإيران حاضرًا بوصفه أحد السيناريوهات المطروحة، لا كخيار فوري للحرب، بل كأداة ضغط قصوى في معادلة الإقناع السياسي. فالتلويح بضربة ضد إيران يرفع سقف التهديد لإقفال أي نقاش أميركي جدي حول العودة إلى مسارات تفاوضية أو تهدئة شاملة، ويعيد ترتيب أولويات المنطقة عبر وضع "الخطر الإيراني" في صدارة المشهد، بما يسمح بتبرير أي تصعيد لاحق في الساحات المرتبطة به، من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن. الضربة المحتملة، إن طُرحت، لا تُقدَّم بوصفها حربًا شاملة، بل كعملية "جراحية" محدودة تستهدف قدرات نوعية أو رسائل ردع، غير أن خطورتها تكمن في قابلية هذا السيناريو للتدحرج خارج السيطرة بفعل تشابك الساحات وطبيعة الردود المتبادلة، ما يجعل التلويح بإيران جزءًا من هندسة الضغط السياسي على واشنطن أكثر منه قرارًا عسكريًا نهائيًا، مع بقاء تداعياته مفتوحة على احتمالات عالية الخطورة.

على ضوء هذه المعادلات، يحتل لبنان موقعًا حساسًا في مرحلة ما بعد الاجتماع. فالجبهة اللبنانية، بما تمثله من توازن دقيق، تُعدّ الساحة الأكثر قابلية للتوظيف في استراتيجية "التصعيد دون الانفجار".

احتمالات التصعيد لا تنطلق من قرار بحرب شاملة، بل من رغبة إسرائيلية في إعادة ضبط قواعد الاشتباك ورفع مستوى الضغط السياسي والأمني، مستفيدة من الهشاشة الداخلية والفراغات القائمة. ويتراوح المشهد بين توسيع دائرة الاغتيالات والضربات الموضعية تحت سقف عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وبين استنزاف طويل الأمد عبر ضربات متقطعة وتصعيد إعلامي وضغط دولي متزايد، بما يحوّل لبنان إلى ساحة ضغط سياسي أكثر منه ساحة حسم عسكري، مع بقاء خطر الانفلات غير المقصود قائمًا بفعل كثافة العمليات وتداخل الساحات.

ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن لحظة إعادة تشكيل القرار الأميركي في الشرق الأوسط، حيث تُستخدم الأحداث الأمنية أدوات ضغط تفاوضي لا غايات بحد ذاتها. فاجتماع نتنياهو–ترامب لا يُنتظر منه قرار حرب فوري، بل إطار سياسي يسمح بتوسيع هامش المجازفة الإسرائيلية وإعادة تعريف مفهوم “الضبط” في الإقليم. الحرب هنا ليست خيارًا واحدًا، بل طيفًا من الأدوات يبدأ بالتصعيد المحدود ولا ينتهي بالضرورة عند حدود المواجهة الشاملة.

ومع اقتراب المهلة الزمنية لاستحقاقات نهاية العام، وما تحمله من ضغوط سياسية وأمنية ومالية متراكمة، لم يعد الترف السياسي ممكنًا، ولم تعد المقاربات الرمادية صالحة لإدارة الأخطار الداهمة. فالمسؤولية الوطنية تفرض على اللبنانيين، وخصوصًا على المستوى الرسمي، الانتقال من منطق إدارة الانقسام إلى منطق إدارة الخطر، عبر موقف وطني واضح وموحّد يستند إلى الحد الأدنى من التفاهم السياسي والمؤسساتي، ويعيد الاعتبار لدور الدولة بوصفها إطار حماية لا ساحة تصفية حسابات.

انطلاقًا من هذه الوقائع، يصبح التنسيق الوطني الشامل ضرورة لا خيارًا، على أن يتم برعاية وضمانة الثنائي الوطني، بما يمثّله من ثقل سياسي وشعبي وقدرة على ضبط الإيقاع في مرحلة شديدة الحساسية. ويجب أن يشكّل هذا التنسيق مظلة لإدارة المواجهة ومنع الانزلاق إلى الفوضى، لا اصطفافًا ولا إلغاءً للاختلافات، إذ إن ترك الساحة مفتوحة للاجتهادات المتناقضة لا يؤدي إلا إلى توسيع هامش الاستهداف الخارجي وتحويل لبنان إلى الحلقة الأضعف في صراع أكبر منه، فيما يشكّل الحد الأدنى من التماسك السياسي والمؤسساتي عنصر ردع أساسيًا يمنح البلاد فرصة عبور المرحلة المقبلة بأقل الخسائر الممكنة، في لحظة إقليمية لا ترحم الضعفاء ولا تنتظر المترددين.