السابع من أكتوبر وإعادة رسم موازين القوى: من يعزل من؟
بين محاولات واشنطن عزل إيران وتنامي عزلة "إسرائيل"، تكشف المواجهة حدود القوّة العسكرية والدبلوماسية، وتفتح المنطقة على معادلات جديدة للصراع والنفوذ.
-
السابع من أكتوبر وإعادة رسم موازين القوى: من يعزل من؟
بعد مرور ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر 2023، تقف المنطقة أمام مرحلة مفصلية في إعادة رسم حدود النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي وغيرها من مجالات النفوذ، على خلفية احتدام الصراع بين طرفَي المواجهة: الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران وحلفائها من جهة أخرى. وهنا تبرز الأسئلة الأكثر إلحاحاً: من يعزل من؟ ومن يحدّ من نفوذ من؟ وما آفاق المواجهة القائمة حالياً؟
تأتي هذه الأسئلة في سياق طبيعي للتطوّرات والمآلات التي أفرزتها أحداث السابع من أكتوبر، بوصفها إحدى المحطّات التاريخية المفصلية على الساحتين الإقليمية والدولية منذ انتهاء الحرب الباردة، والتي من شأنها أن تسهم في إحداث تغييرات جوهرية في موازين القوى في المنطقة والعالم، بناءً على المعادلات التي ستفرزها هذه المواجهات والحروب.
وعليه، يعمل كلّ من طرفَي المواجهة على تثبيت نفوذه وبناء معادلات تشكّل محدّدات للمشهد السياسي على مستوى المنطقة والعالم لسنوات وعقود مقبلة. ومن هنا، يسعى كلّ طرف إلى الحدّ من نفوذ الطرف الآخر وإضعاف تأثيره في المنطقة والعالم، عبر تقويضه وعزله اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً.
وفي هذا الإطار، أطلق وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عملية "المنبوذ الاقتصادي" في الرابع والعشرين من آب/أغسطس الماضي، بتوجيه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مستهدفاً إيران والجهات الداعمة لها. وجاء هذا الإعلان لتشديد الحصار الاقتصادي المفروض على إيران منذ ما يقارب أربعة عقود، بوصفه إحدى الأدوات البديلة لتضييق الخناق على النظام والشعب في إيران، تمهيداً لإخضاعهما، وذلك بعد انتهاء الجولة الماضية من الحرب التي شنّتها أميركا و"إسرائيل" في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، من دون تحقيق أهدافها.
سارعت بعض الدول إلى رفض العقوبات الأميركية ومعارضتها، وفي مقدّمتها الصين وروسيا، لاعتبارات سياسية وسيادية بالدرجة الأولى. في المقابل، اتّخذت دول أخرى، كالهند وباكستان، مواقف معارضة جزئياً، لاعتبارات اقتصادية ولعدم قدرتها على قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران، إلى جانب دول أخرى لم تلتزم بالقرار الأميركي بدرجات متفاوتة، كالعراق وتركيا وغيرهما.
وبينما كانت أميركا تهدف إلى عزل النظام في إيران وخنقه اقتصادياً، كان العالم يشهد إحدى المحطّات البارزة التي عكست جانباً من عزلة الكيان الإسرائيلي، على خلفية حرب الإبادة في غزة، والحروب والاعتداءات التي شنّتها "إسرائيل" بعد السابع من أكتوبر 2023 ضدّ دول وشعوب في المنطقة.
ففي الرابع والعشرين من أيلول/سبتمبر الماضي، أي بعد شهر واحد من القرار الأميركي، وقبل أسبوعين من ذكرى أحداث السابع من أكتوبر 2023، شاهد العالم انسحاباً جماعياً لوفود أكثر من سبعين دولة من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لحظة توجّه رئيس حكومة العدو لإلقاء كلمته أمام الجمعية. وقد شكّل ذلك إعلاناً واضحاً وصريحاً عن رفض سياسة العدو الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية عموماً والاعتراض عليها، وتجاه ما ارتكبه رئيس الحكومة نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرّفة من جرائم إبادة ووحشية في غزة خصوصاً، ما دفع نتنياهو نفسه إلى وصف المغادرين بالجبناء أخلاقياً.
وعليه، لم يكن ما حصل حدثاً سياسياً عابراً أو منفصلاً عمّا سبقه، بل شكّل انعكاساً لوقائع السنوات الثلاث الأخيرة وأحداثها التي تلت السابع من أكتوبر 2023. فقد مثّل خروج الوفود أحد أبرز أشكال التعبير عن عزلة "إسرائيل" دولياً، على خلفية حرب الإبادة في غزة، والحروب التي شنّها رئيس حكومة العدو نتنياهو في المنطقة، والأزمة الاقتصادية التي وصل إليها العالم نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
إضافة إلى ذلك، شكّل خروج الوفود تعبيراً إضافياً عن ردود الفعل الدولية على ما آلت إليه القضية الفلسطينية، نتيجة تجاهل العدو الإسرائيلي القوانين الدولية والاتفاقات الثنائية ذات الصلة، وضربه بها عرض الحائط برعاية وغطاء أميركيين، وفي مقدّمتها قرارات الأمم المتحدة 181 و194 و242.
والجدير بالذكر في هذا الصدد أنّ غالبية الذين غادروا القاعة يمثّلون دول "الجنوب العالمي"، التي ترفض ازدواجية المعايير والاستعمار بأشكاله القديمة والجديدة. ومرّة جديدة، تُظهر مواقف دول نامية من أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا أنّها تتطلّع إلى التحرّر من هيمنة الدول العظمى على اقتصاداتها، وترفض استباحة سيادتها واستغلال ثرواتها الوطنية لمصلحة دول أخرى على أساس القوّة والنفوذ.
أرادت أميركا توظيف أحداث السابع من أكتوبر لصياغة خريطة جديدة للشرق الأوسط، ورسم خريطة النفوذ الإقليمية استناداً إلى موازين القوى، من خلال تكريس "إسرائيل" قوّة مهيمنة عسكرياً واستراتيجياً في المنطقة من جهة، والقضاء على حلفاء إيران وعزلها، تمهيداً لتغيير النظام، كما حصل في أفغانستان والعراق بعد أحداث 11 سبتمبر من عام 2001، من جهة أخرى.
في المقابل، واجهت إيران وحلفاؤها المشروع الأميركي الإسرائيلي في مختلف الساحات، ورفضوا منطق حقّ القوّة بوصفه مبرّراً لتكريس النفوذ بمعزل عن قوّة الحقّ، وكانت الأثمان باهظة على مستوى القيادات والقدرات. وأصبحت "إسرائيل" ترزح تحت وطأة عزلة دولية تحاصرها يوماً بعد يوم، وتتجلّى في استمرار خروج مئات المناصرين للقضية الفلسطينية وآلافهم إلى الشوارع في مختلف دول العالم، مندّدين بالعدو الإسرائيلي ووحشيته، وداعين إلى وقف الدعم المادي والعسكري له، ومطالبين بمحاكمة مجرمي حرب الإبادة في غزة أمام المحاكم المختصّة.
بناءً على ما تقدّم، وبعد سلسلة من الحروب الخشنة والناعمة التي ارتبطت بأحداث السابع من أكتوبر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كشفت الوقائع حدود قدرة القوّة العسكرية على فرض نظام إقليمي ودولي جديد، كما أظهرت محدودية قدرة الدبلوماسية، حتى الآن، على تغيير موازين القوى وإنتاج تحوّل استراتيجي حاسم.
وفي ظلّ استمرار المواجهة وتعدّد مساراتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، تترقّب المنطقة مآلات الصراع ونتائجه، وسط تداعيات تتجاوز أطرافه المباشرين لتطال دول المنطقة وشعوبها والعالم. وهنا يبقى السؤال المحوري: هل ينجح أحد طرفَي المواجهة في الحدّ من نفوذ الآخر، أم تُفضي المواجهة المفتوحة الحالية إلى معادلات جديدة تحول دون قدرة أيّ طرف على حسم الصراع؟