الخليج بعد حرب إيران: نهاية الانتشار الأميركي أم إعادة تموضع؟

الحرب مع إيران تكشف هشاشة انتشار القوات الأميركية في الخليج وتحول القواعد العسكرية إلى نقاط ضعف محتملة.

  • الخليج بعد حرب إيران: نهاية الانتشار الأميركي أم إعادة تموضع؟
    الخليج بعد حرب إيران: نهاية الانتشار الأميركي أم إعادة تموضع؟

لعقود طويلة، شكّل الانتشار العسكري الأميركي المباشر في الخليج الركيزة الأساسية لاستراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط، لكن الحرب الأخيرة على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، كشفت عن مشكلة جوهرية في هذه البنية: القواعد التي كانت مصدر قوة وردع، تحولت في آن واحد إلى نقاط تعرّض واستهداف. وفقاً لتقرير حديث لصحيفة "The Washington Post"، يدرس البنتاغون بالفعل خيارات لتقليص الوجود العسكري الأميركي في الخليج، أو إعادة توزيع جزء من القوات والمنشآت إلى مواقع أكثر بُعداً عن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

الاستراتيجية الأميركية في الخليج اعتمدت على فكرة أن الوجود العسكري المباشر يضمن أمان المنطقة، لكن الحرب أظهرت أن الوجود العسكري نفسه قد يصبح نقطة ضعف إذا كانت القواعد داخل مدى صواريخ إيران. قاعدة العديد الجوية في قطر تستضيف حوالي عشرة آلاف جندي أميركي، وتعتبر أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط. قاعدة العديد الجوية تقع على مسافة 170 ميلاً من إيران فقط. قاعدة أريفجان في الكويت هي مقر القوات البرية للمنطقة الوسطى. قاعدة أريفجان تبعد 62 ميلاً من إيران فقط. مقر الأسطول الخامس في البحرين يبعد حوالي 128 ميلاً. كل القواعد تقع داخل مدى سهل للصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية. لهذا اضطر البنتاغون إلى إخلاء هذه القواعد قبل الضربات التي شنّتها واشنطن وتل أبيب على إيران في فبراير الماضي. وحتى الآن، قُتل 19 جندياً أميركياً وأصيب المئات، حسب الادعاءات الأميركية، معظمهم أصيبوا في الضربات التي استهدفت القواعد.

المسألة لم تعد مجرد مسألة أمنية؛ أصبحت الآن مسألة اقتصادية وسياسية. وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أعلن أن تكلفة الحرب وصلت إلى حوالي 37.5 مليار دولار خسائر مباشرة. الرقم أعلى بكثير، هذا والإدارة الأميركية تواجه نقاشاً داخلياً حاداً حول فائدة الاستمرار في الالتزامات العسكرية الخارجية وتكلفتها الباهظة. بعض التقديرات تقول إن التكلفة الإجمالية قد تصل إلى ما بين 80 و100 مليار دولار. الحساب الاقتصادي يتقاطع مع انقسام سياسي داخل الإدارة. معسكر الصقور يفضل زيادة التدخل، ومعسكر الحمائم يرفض التدخل. لذلك، يحاول المسؤولون التوفيق بين الضغوط الاقتصادية والسياسية.

الحديث عن تقليص الوجود الأميركي لا يعني بالضرورة انسحاباً من الشرق الأوسط. لكن يبدو أن الهدف هو إعادة تعريف الوجود الأميركي. واشنطن قد تنتقل من نموذج قواعد كثيرة وانتشار كثيف للقوات داخل الخليج إلى نموذج انتشار أقل كثافة، حيث قد تصبح القوات الأميركية أكثر حركة وتتمركز بعيداً عن المدى الإيراني. الوجود الأميركي قد يعتمد أكثر على القوة البحرية والقوة الجوية والدفاع الصاروخي. الوجود الأميركي قد يرسل بعض القوات إلى الغرب، إلى دول مثل الأردن أو السعودية أو إلى مواقع أخرى. بهذه الطريقة لا يلزم إعادة بناء جميع المنشآت المتضررة. أكد الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، دعمه لهذا التحول. وقال هيغسيث إن البحرية الأميركية تستطيع الاستمرار في عملياتها بالمنطقة لفترة طويلة عبر تدوير السفن. وهذا يعني أن الوجود البحري سيبقى عنصراً أساسياً حتى لو قل الوجود البري.

هنا تبدأ القضية الأهم. من الواضح أن دول الخليج بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الأمنية على فكرة أن المظلة الأميركية ثابتة. إذا قررت واشنطن تقليل وجودها، حتى تدريجياً، ستواجه دول الخليج ضرورة تعديل مفهوم الأمن القومي. قد يدفعها ذلك إلى ثلاث طرق متوازية. الأولى هي تعزيز القدرات الذاتية، أي إنفاق أكثر على الدفاع الجوي والصاروخي، والطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني، والاستخبارات، والقدرات البحرية. الحرب أظهرت أن دول الخليج تستطيع فعلاً اعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. التحدي الأكبر الآن هو الاستدامة. الاعتراض المستمر مكلف ويستنزف مخزون الصواريخ، وهناك اختناقات في سلاسل الإمداد وصعوبة في إعادة تعبئة مخزون الصواريخ المضادة.

المسار الثاني يركز على تنويع الشراكات الدولية، حيث ستسعى الدول الخليجية إلى الابتعاد عن الاعتماد شبه الكامل على واشنطن وتبحث عن توازن في العلاقات الدفاعية. الإمارات وقعت مؤخراً اتفاقية تعاون دفاعي مع فرنسا. قطر وقعت مذكرة تفاهم مع كندا. دول المنطقة تتطلع إلى التعاون مع أوكرانيا في مجال الدفاع ضد المسيّرات الإيرانية التي تستهدف القواعد الأميركية في الخليج.

العنصر الثالث، وربما الأهم، هو أن نعيد النظر في الدبلوماسية كوسيلة للأمن. عندما تصبح القواعد الأميركية أقل قدرة على ضمان الأمن الكامل، يصبح خفض التوتر مع إيران جزءاً من الأمن في الخليج. وهنا تظهر النتيجة الاستراتيجية: كلما قلت قدرة الولايات المتحدة على توفير الأمن الكامل في الخليج، زادت أهمية الاتفاقات الإقليمية.

لا ينبغي أن نعلن عن "نهاية النفوذ الأميركي" قبل أوانه. حتى وإن تحدثنا عن تقليل عدد الجنود، لا تزال الولايات المتحدة تملك قوة بحرية وجوية كبيرة في المنطقة. ما هو أدق من ذلك هو أن نوضح أن أميركا لا تنسحب من الخليج، بل بدأت تعيد حساب تكلفة وجودها العسكري وشكله في الخليج. الحرب مع إيران أظهرت لأميركا أن وجود القوات التي كانت تُعد رادعاً قد يتحول، في ظل صواريخ حديثة، إلى عبء ومخاطرة. وهذه هي الفكرة الأساسية في التحليل الاستراتيجي: الحرب لا تغير فقط موازين القوى. العلاقة الأمنية بين واشنطن وطهران قد تتغير. العلاقة الأمنية بين واشنطن ودول الخليج نفسها قد تتغير أيضاً.

في المحصلة، لم تُسقط الحرب المظلة الأميركية عن ممالك الخليج، لكنها كشفت كلفتها وحدودها، وفرضت إعادة تعريفها. فمع تزايد مخاطر استهداف القواعد، ستتجه دول الخليج إلى تحمل دور أكبر في أمنها وتنويع شراكاتها، فيما ستتحول الدبلوماسية لزاماً مع إيران من خيار سياسي إلى جزء من معادلة الأمن الإقليمي. وهكذا، لا يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد نهاية الوجود الأميركي، بل إعادة صياغة دوره وشروطه.