الخلاف الداخلي وحدود الاصطفاف عند التهديد الوجودي: الحالة الإيرانية
ليست إيران حالة مثالية، ولا مجتمعًا بلا أزمات. لكنها نموذج لمجتمع يعيد ترتيب خلافاته عند التهديد الوجودي، ويفصل بين الصراع الداخلي المشروع وبين الاصطفاف الدفاعي الضروري.
-
حرب الـ 12 يومًا على إيران والاحتجاجات الأخيرة: اختبار الواقع.
منذ عقود، لم تكن المواجهة مع إيران محصورة في الصراع العسكري أو في العقوبات الاقتصادية، بل ارتكزت في جوهرها على رهان ثابت: تفجير الداخل عبر استثمار الخلافات الاجتماعية والسياسية.
هذا الرهان لم يكن خفيًا، بل تكرّر بأشكال متعدّدة، من الحصار الطويل إلى الحرب النفسية، ومن العقوبات المركّبة إلى محاولات دفع الشارع ليكون أداة كسر من الداخل. غير أنّ التجربة الإيرانية قدّمت، مرارًا، نتيجة مغايرة لهذا الرهان: الخلاف الداخلي موجود، وهو عميق أحيانًا، لكنّه لا ينقلب بسهولة إلى انقسام عند لحظة التهديد الوجودي.
في اللحظات المصيرية، يتقدّم سؤال الكيان على سؤال السلطة، ويُعاد ترتيب الصراعات الداخلية وفق منطق مختلف. عند الخطر، لا تُمحى الخلافات ولا تُحلّ، لكنها تُضبَط، ويُعاد وضعها في مرتبة أدنى من خطر التفكك الشامل. هنا تحديدًا يفشل رهان «الشارع ضد الدولة»، ويظهر نمط متكرّر في الحالة الإيرانية: عودة المجتمع، بكل تناقضاته، إلى اصطفاف واسع يعلّق تصفية الحسابات الداخلية، من دون أن يلغيها، حين يصبح الخارج هو التهديد المباشر.
التهديد الخارجي ورهان تفجير الداخل
في أدبيات الصراع مع إيران، يظهر افتراض متكرّر: أنّ الضغط الاقتصادي، مع تراكم الغضب الاجتماعي، كفيل بإنتاج انفجار داخلي يُنهي قدرة الدولة على الصمود. لذلك، تُصمَّم العقوبات لا لإضعاف القدرات فحسب، بل لإحداث شرخ بين المجتمع والدولة، ودفع الناس إلى اعتبار أن الخلاص لا يكون إلا عبر كسر الداخل من الداخل.
غير أنّ هذا الافتراض يتجاهل فارقًا جوهريًا بين الاحتجاج بوصفه فعلًا داخليًا، والفوضى بوصفها أداة خارجية. فالاحتجاج في إيران، كما في أي مجتمع حيّ، يعكس توتّرات حقيقية ومطالب اقتصادية واجتماعية وسياسية، لكن تحويله إلى مشروع شغب أو انهيار شامل يصطدم بحاجز نفسي–اجتماعي عميق: الخوف من تفكّك الكيان ذاته. هنا تبدأ حدود الرهان الخارجي بالظهور.
من النقد إلى الدفاع: التحوّل السيكولوجي عند الخطر
سايكولوجيًا، يتصرّف الأفراد والجماعات بشكل مختلف جذريًا حين ينتقلون من حالة السلم النسبي إلى الإحساس بالتهديد الوجودي. في الظروف العادية، يسود منطق النقد، والمطالبة، والمحاسبة. أمّا عند الخطر، فيُعاد ترتيب الأولويات: من تقييم الأداء إلى حماية الوجود.
في الحالة الإيرانية، يظهر هذا التحوّل بوضوح. فالمعارض للنظام، أو الناقد الحاد لسياساته، لا يرى في التهديد الخارجي فرصة لتصفية حساب داخلي، بل خطرًا قد يطيح بكل الإطار الذي يسمح أصلًا بوجود هذا الخلاف. هنا يحدث الانتقال من موقع النقد إلى موقع الدفاع، لا حبًّا بالسلطة، بل دفاعًا عن الذات الجمعية. في هذا المعنى، يصبح "الباسيج" ليس تنظيمًا فقط، بل حالة نفسية دفاعية تظهر حين يشعر المجتمع بأنّ كيانه مهدّد.
إيران: كيان مُستهدف لا نظام فقط
لا يمكن فهم هذا السلوك من دون استحضار البعد القومي–التاريخي. فإيران، في وعي شريحة واسعة من مجتمعها، ليست مجرّد نظام سياسي قابل للاستبدال، بل هي كيان تاريخي–حضاري تعرّض مرارًا لمحاولات إخضاع وتفكيك. هذه الذاكرة، المتراكمة عبر قرون من التدخلات والضغوط، تجعل أي تهديد خارجي يُدرَك بوصفه تهديدًا لإيران كدولة ومجتمع، لا كحكومة فقط.
لذلك، تفشل محاولات تصوير الصراع على أنّه نظام ضد شعب. ففي اللحظات المصيرية، يعود السؤال المركزي إلى الواجهة: من يحمي إيران؟ ومن يمنع انزلاقها إلى سيناريو التفكك أو الفوضى؟ هذا السؤال يتقدّم على كل الخلافات السياسية المؤجَّلة.
الدين والأخلاق: من الاعتراض إلى رفض الفتنة
إلى جانب البعد القومي والسياسي، يلعب البعد الديني–الأخلاقي، بالمعنى الواسع غير المذهبي، دورًا أساسيًا في ضبط الخلاف داخل المجتمع الإيراني. فالدين هنا لا يعمل كمنظومة طقسية أو خطاب تعبوي، بل كإطار أخلاقي عام يحدّد حدود السلوك المقبول في لحظات التوتر، ويميّز بين الاعتراض المشروع والانزلاق نحو الفوضى.
في هذا الإطار، تُدرَك مفاهيم مثل العدالة، ورفض الظلم، وحماية المجتمع من الفتنة، بوصفها قيمًا جامعة تتجاوز الانقسامات السياسية اليومية. هذه القيم لا تُلغِي حقّ النقد ولا تُحرّم الاحتجاج، لكنها تضع لهما سقفًا أخلاقيًا يمنع تحوّلهما إلى أدوات تخريب داخلي أو إلى خدمة غير مباشرة لأجندات خارجية. حين يشعر المجتمع أنّ الخلاف الداخلي يُستَثمر لكسر الاستقرار أو تفكيك الكيان، يتقدّم منطق الحماية الأخلاقية على منطق الصراع السياسي.
من هنا، يبرز التمييز الواضح الذي ظهر في الأحداث الأخيرة بين التعبير عن الغضب الاجتماعي، وبين أعمال الشغب التي تُدرَك بوصفها خروجًا عن هذا الإطار الأخلاقي العام. هذا الوعي لا يعني اصطفافًا أعمى ولا إلغاءً للاعتراض، بل رفضًا لتحويل الخلاف إلى فتنة، ورفضًا لاستخدام الألم الاجتماعي كوسيلة لإضعاف المجتمع نفسه. في هذه اللحظة، لا يعمل الدين كهوية مذهبية، بل كمرجعية أخلاقية تضبط السلوك الجمعي وتحمي التماسك الداخلي عند التهديد.
حرب الـ 12 يومًا والاحتجاجات الأخيرة: اختبار الواقع
جاءت المواجهة الأخيرة مع العدو الإسرائيلي، وما سبقها وتلاها من توتّرات داخلية، كاختبار حيّ لقدرة المجتمع الإيراني على التمييز بين الخلاف الداخلي والتهديد الوجودي. خلال حرب الأيام الاثني عشر، سقطت الخلافات مؤقتًا، وتقدّم منطق الاصطفاف الدفاعي، لا بوصفه تعبيرًا عن رضى شامل عن السياسات القائمة، بل نتيجة إدراك جمعي بأنّ لحظة الخطر لا تحتمل ترف الصراع الداخلي ولا تسمح بتحويل النقد إلى عامل إضعاف ذاتي. في هذه اللحظات، يُعاد تعريف الأولوية: حماية الإطار العام الذي يسمح أصلًا بوجود الخلاف.
أهمية هذه اللحظة لا تكمن فقط في الاصطفاف بحدّ ذاته، بل في طبيعته المؤقتة والواعية. فالاصطفاف لم يُلغِ التناقضات، ولم يَعِد بحلّها، بل علّقها ضمن منطق الضرورة. وهذا التعليق ليس ضعفًا في الحياة السياسية، بل آلية بقاء اجتماعي، تُستخدم حين يصبح الخلاف الداخلي أقلّ خطورة من انهيار الإطار الذي يحتويه.
وبعد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في الأيام الماضية، ظهر هذا المنطق بشكل أوضح وأكثر تركيبًا. فقد برز تمايز اجتماعي وسياسي واضح بين الاحتجاج بوصفه تعبيرًا عن مطالب داخلية حقيقية، وبين الشغب حين بدأ يُدرَك كأداة تفكيك تستثمر الغضب بدل أن تعبّر عنه. هذا التمايز لم يُفرَض من أعلى، بل تشكّل تدريجيًا داخل المجتمع نفسه، مع اتساع الإحساس بأنّ مسار الاحتجاج قد يُستدرَج خارج حدوده الطبيعية.
نزول الملايين لاحقًا إلى الشارع لم يكن ردّ فعل آنيًا، ولا تعبيرًا عن ولاء أعمى، بل ممارسة سياسية–اجتماعية تهدف إلى رسم خط فاصل: نعم للخلاف، نعم للاحتجاج، لكن لا لتحويل الشارع إلى ساحة صراع بالوكالة. هذه التظاهرات لم تُلغِ المطالب، ولم تُقفل النقاش الداخلي، لكنها أعادت تثبيت أولوية الحفاظ على تماسك المجتمع في مواجهة محاولات استثمار الاضطراب من الخارج.
في هذا السياق، تصبح هذه الأحداث مثالًا تطبيقيًا على فشل الرهان التقليدي على تفجير الداخل. فالمجتمع، حين شعر بأنّ الخلاف الداخلي قد يُستخدَم لتقويض الكيان، أعاد إنتاج وحدته الدفاعية من دون إنكار تعدّده. وهنا تكمن دلالة الحالة الإيرانية: القدرة على الفصل بين إدارة الصراع الداخلي، وبين الاصطفاف الوجودي عند التهديد، من دون أن يتحوّل أيّ منهما إلى نقيض للآخر.
حدود الخلاف وحدود الانقسام
الخلاصة التي تفرضها الحالة الإيرانية ليست أنّ المجتمع بلا تناقضات، بل أنّه يمتلك آلية داخلية لضبط الخلاف عند التهديد الوجودي. الخلاف مسموح، الاحتجاج قائم، النقد حاضر، لكنه ذو سقف لا يُكسَر حين يصبح الكيان نفسه في دائرة الاستهداف.
هذه الآلية لا تعمل تلقائيًا، بل هي نتاج تراكم تاريخي وثقافي وسياسي جعل المجتمع يميّز بين لحظات المراجعة الداخلية ولحظات الدفاع الوجودي. كما أنّها تعبّر عن وعي جمعي بأنّ انهيار الإطار العام لا يفتح مجالًا لإصلاح داخلي، بل يطيح بإمكانية الإصلاح نفسها.
هذا ما يفسّر لماذا تفشل مشاريع الانفجار من الداخل مرارًا، ولماذا لا تتحوّل الضغوط، مهما بلغت قسوتها، إلى قبول بالهيمنة أو التفكك. المجتمع الإيراني، في لحظات الخطر، يميّز بين تصفية الحسابات الداخلية وبين الدفاع عن الدولة والمجتمع في وجه الخارج.
فالخلاف الداخلي يُعاد وضعه في مرتبة أدنى من خطر التفكك، لا لأنّه غير مهم، بل لأنّ توقيته يصبح مدمّرًا إذا استُخدم كسلاح ضد البنية الجامعة. بهذا المعنى، لا يُلغى الخلاف، بل يُؤجَّل ويُضبَط ضمن منطق يحمي القدرة على الاستمرار.
الصمود كإدارة واعية للخلاف
ليست إيران حالة مثالية، ولا مجتمعًا بلا أزمات. لكنها نموذج لمجتمع يعيد ترتيب خلافاته عند التهديد الوجودي، ويفصل بين الصراع الداخلي المشروع وبين الاصطفاف الدفاعي الضروري. هذا الفصل هو ما يمنحها قدرة على الصمود في الحروب المركّبة، حيث السلاح والاقتصاد والنفس والبعد الاجتماعي في ساحة واحدة.
فالصمود هنا لا يُفهم بوصفه إنكارًا للأزمات، بل كقدرة على منع الأزمات من التحوّل إلى أدوات تفكيك ذاتي. وهو صمود يقوم على الإدارة العقلانية للتوتر، لا على كتمه أو تجاهله.
في النهاية، ما تكشفه الحالة الإيرانية ليس غياب الخلاف، بل وجود حدّ أخلاقي–سياسي يمنع تحوّله إلى انقسام. وعند هذا الحدّ بالضبط، يُهزم رهان الأعداء، وتُحسم معركة الاستمرار.
فالانتصار في هذا المستوى لا يتحقّق بإلغاء التعدّد، بل بالحفاظ عليه داخل إطار جامع قادر على الصمود. ومن هنا، تصبح إدارة الخلاف شرطًا من شروط القوة، لا علامة ضعف أو تراجع.