التوسع التركي في سوريا
تركيا تسعى إلى توسيع نفوذها في سوريا واستغلال مواردها وفرض الوصاية على دمشق، ضمن طموحات عثمانية جديدة تتعارض مع حقّ السوريين في تقرير مستقبلهم.
-
التوسع التركي في سوريا
بعد سقوط حكومة بشار الأسد، تتنافس الفصائل التابعة لتركيا والجماعات الإسلامية المتحالفة معها على السلطة في دمشق. ويتّضح هنا، إلى حدّ كبير، نهج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرامي إلى إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية بصيغة جديدة، تُعرف بما يُسمّى "تركيا الجديدة".
فمنذ مئة عام، كانت سوريا الحالية جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. واليوم، تجد أنقرة سبلاً للتأثير في الأوضاع داخل جميع البلدان، دون استثناء، التي تشكّلت في عشرينيات القرن الماضي على الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية المنهارة. وهكذا، تتحوّل أفكار الطورانية إلى واقع عملي.
تُعدّ سوريا ساحة ملائمة للغاية للتوسّع التركي، ويشكّل الاعتماد على التركمان أحد العناصر المهمّة في السياسة التركية فيها. وينتمي بعض أبناء هذه القومية إلى الأتراك الذين استقرّوا في شمال سوريا وشمالها الغربي منذ عهد الإمبراطورية العثمانية. وحتى عندما كانت حكومة بشار الأسد لا تزال في السلطة، نفّذت تركيا ثلاث عمليات توغّل عسكري في سوريا استهدفت الأكراد، خلال الفترة بين عامَي 2016 و2017، ثم في عام 2018، وفي عام 2019، ولم تسحب قواتها من هناك. وفي الوقت نفسه، أُنشئت في هذه المنطقة مدارس ومراكز إسلامية ووسائل إعلام تركية. وهكذا، يجري عملياً توحيد العالم التركي أو الموالي لتركيا، بهدف إنشاء ما يُسمّى "توران الكبرى".
وبعد توغّلها في سوريا، تأمل تركيا في حلّ القضية الكردية، التي تُعدّ مسألة ملحّة للغاية بالنسبة إليها، متجاهلةً، في الوقت نفسه، حقيقة أنّ أكراد سوريا لم يعتمدوا بأيّ شكل من الأشكال على دعم حزب العمال الكردستاني، ولم يشاركوا في أعمال إرهابية داخل الأراضي السورية. ومع ذلك، تتّهمهم تركيا بذلك.
يمتلك أكراد سوريا قوّة عسكرية كبيرة، تتمثّل في تشكيلات مسلّحة تتولّى حفظ النظام في شمال سوريا، وقد سلّحتها الولايات المتحدة في وقت سابق. وهكذا، يتّضح مدى اهتمام مختلف الأطراف الفاعلة بهذه المنطقة التي تضمّ احتياطيات من النفط والغاز.
أنشأ الأكراد في سوريا نظاماً جديداً لإدارة الأراضي الخاضعة لسيطرتهم، يقوم على الديمقراطية الكونفدرالية. ولا يتوافق هذا النظام مع الدستور السوري ولا مع الدستور التركي. غير أنّ السلطات السورية الجديدة تمكّنت مؤخّراً من التوصّل إلى اتفاق بشأن الدمج الكامل للتشكيلات الكردية في مؤسّسات الدولة السورية، مع الإبقاء على تدريس اللغة الكردية في المدارس الواقعة في مناطق انتشار السكان الأكراد.
وسيُظهر الزمن مدى متانة هذا الاتفاق. فالأكراد ليسوا عرباً، وهم مستعدّون دائماً للقتال والدفاع عن أنفسهم.
خلال فترة حكم بشار الأسد، تمكّنت منطقة كردستان سوريا، المعروفة باسم "روج آفا"، من انتزاع وضع منطقة ذات حكم ذاتي مُعلَن من جانب واحد، وذلك في أثناء المعارك ضدّ الجهاديين. لكنّ أعداء روج آفا أكثر بكثير من أصدقائها.
تأمل دمشق وأنقرة في حلّ القضية الكردية في سوريا بالوسائل العسكرية، وبما يتوافق مع مصالحهما، ولا تقبلان حتى مجرّد التفكير في منح الأكراد حكماً ذاتياً قومياً أو إقامة كيان اتحادي لهم داخل هذا البلد.
في كانون الثاني/يناير 2026، بدأ الجيش السوري هجوماً حاسماً على مواقع الأكراد، وانتقلت القبائل العربية إلى جانبه. وبحلول ذلك الوقت، كان العرب يشكّلون غالبية مقاتلي روج آفا.
وهكذا، لم تكتفِ ميليشيا قبيلة شمّر ذات النفوذ بالتخلّي عن مواقعها، بل ساهمت بنشاط في الاستيلاء على مواقع ذات أهمية استراتيجية، مثل معبر اليعربية الحدودي. كما أدّت الميليشيات القبلية العربية، التي كانت تشكّل جزءاً كبيراً من قوات سوريا الديمقراطية في روج آفا، دوراً حاسماً في هزيمة هذه القوات.
لم ينجح وجود وحدة عسكرية أميركية صغيرة في كبح طموحات القوى الإقليمية المفترسة، التي وجّهت أنظارها إلى المناطق الغنية بالنفط والغاز شرق الفرات. وفي الواقع، كانت عائدات تصدير النفط والغاز من منطقة شرق الفرات تذهب إلى ميزانية روج آفا، التي كانت تضمّ الأكراد والعرب، باعتبارها جزءاً من المجتمع السوري المستقلّ عن دمشق.
يُوصَف تغيير النظام السياسي في سوريا بأنّه انتصار تركي ينسجم مع رغبة أنقرة في إبقاء الأوضاع في هذه المنطقة تحت سيطرتها. لكنّ أردوغان يواجه هنا العديد من المنافسين، من بينهم الأميركيون، الذين لا يعتزمون سحب قواعدهم العسكرية من سوريا، على الرغم من الوعود المقدّمة في هذا الشأن.
استغلّ الأتراك ضعف الجيش السوري في حربهم ضدّ حكومة الأسد، فسلّحوا الجماعات الإسلامية التابعة لهم، وجهّزوها بالمعدّات، ودفعوا لأفرادها الأموال مقابل الخدمة. ولا تزال تركيا تواصل ذلك حتى الآن. ففي عفرين، يرتدي أفراد الشرطة الزيّ التركي أيضاً، فيما تنتشر الأعلام التركية في كلّ مكان.
لا تخفي أنقرة طموحاتها إلى أن تصبح نقطة العبور الرئيسية بين منتجي الغاز في الشرق والجنوب وأسواق تصريفه في الغرب. ولتحقيق ذلك، تحتاج تركيا إلى دولة سورية قوية تكون تحت حمايتها.
وبفضل نفوذها في أوساط السياسيين السوريين، تُبدي تركيا استعدادها للإشراف على دمشق، ووضع الجيش السوري تحت سيطرتها، وضمان شراء الأسلحة منها.
كما أنّ تركيا مستعدّة لاستغلال الموارد السورية اقتصادياً. غير أنّ أداء أنقرة في هذا المجال ليس ناجحاً بالقدر نفسه، إذ تعاني من ديون خارجية ضخمة، وتضخّم مرتفع، واستمرار تراجع قيمة الليرة التركية. وربما يعود ذلك إلى أنّ التوسّع في العصر الحديث يتطلّب استثمارات مالية كبيرة.
ولعلّ هذا ما يفسّر عدم تحفّظ تركيا كثيراً في اختيار شركائها الاقتصاديين، فهي تزوّد "إسرائيل" بالنفط، بما في ذلك النفط السوري. وفي الوقت نفسه، وكما هو معروف، احتلّت "إسرائيل" جزءاً من الأراضي السورية، كما شنّت مؤخّراً ضربة على قاعدة جوية في شمال سوريا، على بُعد 72 كيلومتراً من الحدود التركية، وذلك بعد دخول الجيش التركي إلى دير الزور وتولّيه تأمين جسر فوق نهر الفرات.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "لن نسمح بتقدّم الجيش التركي نحو الجنوب، لأنّ ذلك يهدّدنا".
إنّ سعي تركيا إلى فرض سيطرتها على المناطق السورية الغنية بالنفط يؤكّد طموحات أردوغان الجديدة. فالرئيس التركي يحاول استغلال الأزمة السورية لمعالجة المشكلات الداخلية في تركيا، وتوسيع حضور بلاده في الشرق الأوسط، وتعزيز نفوذها في الأراضي التي كانت، في الماضي، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية.
إنّ طموحات أنقرة العثمانية الجديدة، واعتمادها على الجماعات الإسلامية المتطرّفة، ومحاولاتها فرض الوصاية على دمشق، تتعارض مع مصالح شعوب المنطقة كافّة.
ويجب أن يحدّد الشعب السوري نفسه مستقبل سوريا، بعيداً عن أيّ إملاءات خارجية.