التكنولوجيا الخليجية هدفاً.. هل تعيد إيران رسم خرائط الردع؟
استهداف منشآت "أمازون" الرقمية في الخليج ينقل المواجهة مع إيران إلى قلب الاقتصاد التكنولوجي، كاشفاً تحوّل مراكز البيانات وشركات الذكاء الاصطناعي إلى أصول استراتيجية وأهداف محتملة في الحروب الحديثة.
-
مركز بيانات تابع لشركة «مايكروسوفت»
وسط تصاعد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، التي يبدو أنها عادت، في الأيام الأخيرة، إلى المربع الأول من الصراع، لم تعد العمليات تقتصر على استهداف القواعد العسكرية أو المنشآت النفطية، بل باتت تمتد إلى قلب الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي تطور خطير يغيّر قواعد اللعبة، ويعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع في "الشرق الأوسط"، أعلن حرس الثورة الإسلامية في إيران، عبر وسائل إعلام رسمية، استهداف "البنية التحتية المركزية" لشركة "أمازون" الأميركية في البحرين.
ويأتي الهجوم، الذي قال حرس الثورة إنه نُفّذ بصواريخ مجنحة، ضمن موجة جديدة من الردود الإيرانية على الضربات الأميركية الأخيرة. وبينما لم يصدر تأكيد مستقل من السلطات البحرينية أو الشركة بشأن حجم الأضرار، فإن مجرد الإعلان عن استهداف منشأة رقمية بهذا الحجم يكشف انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة، تصبح فيها البنية التحتية للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءاً من معادلات الردع العسكري.
كما يؤكد ذلك تحولاً استراتيجياً طالما حذّر منه خبراء، مفاده إمكان تحوّل الشركات التكنولوجية الغربية إلى أهداف عسكرية، بسبب دورها المفترض في دعم الحروب الإسرائيلية والأميركية في المنطقة.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأنه يأتي بعد أشهر من هجمات ألحقت أضراراً بمراكز بيانات تابعة لخدمات "أمازون ويب سيرفيسز" في الإمارات والبحرين. ففي الأول من آذار/مارس الماضي، تعرض مركزان لبيانات "أمازون" في الإمارات لضربات مباشرة، فيما تضررت منشأة في البحرين من انفجار قريب.
ولم تكن هذه مجرد ضربات عابرة، بل مثّلت حالة غير مسبوقة من تضرر بنية تحتية سحابية عامة خلال نزاع مسلح، ما تسبب بتعطيل خدمات رقمية ومصرفية في المنطقة، وألحق بالشركة خسائر مالية، فيما أشارت "أمازون" إلى أن عمليات الإصلاح قد تستغرق وقتاً طويلاً بسبب طبيعة الأضرار المادية.
وقد اعتبر عدد من الباحثين هذه الهجمات أول حالة معروفة لتضرر بنية تحتية سحابية تجارية بصورة مباشرة خلال نزاع مسلح، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل الأمن الرقمي في مناطق النزاع، ومدى تحوّل مراكز البيانات إلى أصول استراتيجية لا تقل أهمية عن المطارات أو القواعد العسكرية.
ومن منظور الدراسات الاستراتيجية، ينسجم هذا التحول مع نظرية الاعتماد المتبادل المعقد، التي تفترض أن الدول باتت مرتبطة بعضها ببعض تكنولوجياً واقتصادياً، وبالتالي فإن مثل هذا الاستهداف يصيب صميم هذا الاعتماد.
كما ينسجم مع نظرية فرض الكلفة، التي تقوم على نقل الضغوط إلى أكثر القطاعات حساسية لدى الخصم، وليس بالضرورة إلى قواته العسكرية مباشرة. فشركات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي أصبحت تشكل جزءاً من البنية التحتية الوطنية للدول الغربية، نظراً إلى اعتماد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية عليها في الاتصالات، وتحليل البيانات، وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإدارة سلاسل القيادة والسيطرة.
قائمة الأهداف تتسع... من "أمازون" إلى "شيلد أيه آي"
يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية لا تقتصر على شركات الحوسبة السحابية، بل تمتد إلى شركات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالمؤسسات الدفاعية الغربية.
ويعكس ذلك تحولاً في مفهوم "بنك الأهداف"، إذ لم تعد الأولوية تقتصر على المنشآت العسكرية التقليدية، وإنما تشمل أيضاً الشركات التي تطوّر أو تدير تقنيات تُستخدم في دعم العمليات العسكرية.
لذلك، لم تقتصر التهديدات الإيرانية على البنية التحتية لشركة "أمازون". فوفقاً لمصادر عسكرية واستخباراتية، وسّع حرس الثورة "بنك أهدافه" ليشمل عشرات الشركات الغربية العملاقة، وصولاً إلى شركات الذكاء الاصطناعي العاملة في المنطقة.
وتبرز شركة "شيلد أيه آي" الأميركية، التي وسّعت نشاطها وشراكاتها في أبو ظبي، كهدف مستقبلي محتمل. فالشركة، التي تبرم عقوداً مع القوات الأميركية وبولندا لتزويدها بطائرات مسيّرة وتقنيات للقيادة الذاتية ودعم المهمات العسكرية، تجسد، بحسب الرؤية الإيرانية، "التمادي الغربي" في تسليح خصوم طهران.
وبحسب محللين في مراكز دراسات استراتيجية، فإن إيران تنظر إلى هذه المراكز بوصفها "بنية تحتية مزدوجة الاستخدام"، تخدم أغراضاً مدنية وعسكرية، ما يجعل استهدافها، من وجهة نظرها، خطوة استراتيجية لفرض التكاليف على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.
ومن خلال قصف هذه المراكز، تسعى طهران إلى تحقيق أهداف متعددة، أولها إلحاق خسائر مادية بالشركات الأميركية التي تُعد محركات رئيسية للاقتصاد العالمي، وزعزعة سمعة الخليج كملاذ آمن للاستثمارات التكنولوجية، واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي الأميركية والخليجية.
ويُفسّر هذا السلوك من خلال مفهوم البنية التحتية مزدوجة الاستخدام، وهو مفهوم راسخ في الدراسات الأمنية، يشير إلى منشآت تؤدي وظائف مدنية في الظروف الطبيعية، لكنها قد تقدم، في الوقت ذاته، خدمات أو قدرات ذات قيمة عسكرية أثناء النزاعات.
إلا أن هذا التصنيف لا يجعلها تلقائياً أهدافاً عسكرية مشروعة؛ إذ يبقى ذلك خاضعاً لشروط صارمة في القانون الدولي الإنساني، أبرزها وجود مساهمة عسكرية فعالة، واحترام مبادئ الضرورة العسكرية والتمييز والتناسب.
مسؤولية أخلاقية للشركات في زمن الحرب
يثير اتساع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة أسئلة جوهرية متزايدة بشأن مسؤولية الشركات المطوّرة لهذه الأنظمة، ومدى التزام شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بمعايير المسؤولية الأخلاقية.
فقد أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تؤدي أدواراً تتراوح بين تحليل البيانات الاستخباراتية، والتعرّف إلى الأهداف، ودعم اتخاذ القرار، وتشغيل الأنظمة غير المأهولة، ما يجعل الحدود بين التكنولوجيا المدنية والاستخدام العسكري أكثر ضبابية.
وفي الوقت الذي تُتهم فيه جماعات وفصائل مسلحة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في السودان وغزة ولبنان، تبرم شركات تكنولوجية عقوداً لتزويد أطراف عسكرية بأسلحة ذكية وأنظمة لتحليل البيانات، وسط تساؤلات بشأن التداعيات الإنسانية لاستخدام تقنياتها.
ويشير محللون إلى استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تطوّرها شركات دفاعية في دعم عمليات عسكرية، بينها عمليات جيش الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن موقع هذه الشركات في سلسلة القرارات التي تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين.
ومن هذا المنطلق، ترى إيران أن هذه الشركات فقدت حياديتها، وتحولت إلى أجزاء لا تتجزأ من "الآلة الحربية" الأميركية، ما يبرر، وفق رؤيتها، استهداف بنيتها التحتية.
وفي السودان، على سبيل المثال، تشير مصادر عسكرية وإعلامية إلى استخدام قوات "الدعم السريع" طائرات مسيّرة وتقنيات متطورة في عملياتها العسكرية.
وفي سياق متصل، لم تكن الاتهامات بضلوع الإمارات، التي تستضيف عدداً من شركات الذكاء الاصطناعي والدفاع، في دعم قوات "الدعم السريع" وليدة اللحظة؛ إذ سبق لمنظمة العفو الدولية أن تحدثت عن استخدام مركبات مدرعة إماراتية الصنع، مزودة بأنظمة دفاع فرنسية، ومسيّرات في ساحات القتال في السودان.
وبالتالي، فإن الأكثر خطورة هو استخدام قوات "الدعم السريع" طائرات مسيّرة وأسلحة متطورة في عمليات أدت إلى مقتل آلاف المدنيين. وقد صدرت دعوات ومطالبات من جهات سودانية ودولية لتصنيفها منظمة إرهابية، الأمر الذي يجعل أي دعم عسكري محتمل لها قضية أخلاقية وقانونية بالغة الخطورة.
وفي هذا السياق، تؤكد المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان أن مسؤولية الشركات لا تقتصر على الامتثال للقوانين المحلية، بل تشمل أيضاً تقييم مخاطر استخدام منتجاتها في انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان، واتخاذ تدابير للعناية الواجبة في البيئات العالية الخطورة.
ومن ثم، فإن الجدل لا يدور فقط حول مشروعية الاستهداف، بل أيضاً حول حدود المسؤولية الأخلاقية والقانونية للشركات التي تطوّر تقنيات يمكن توظيفها في العمليات القتالية.
الخليج بين مطرقة التصعيد وسندان الاستثمار
تكشف هذه التطورات تحولاً أعمق في طبيعة التنافس الجيوسياسي. فدول الخليج، التي استثمرت مليارات الدولارات في بناء مراكز بيانات وجذب شركات الذكاء الاصطناعي وتعزيز مفهوم "السيادة الرقمية"، تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين الطموح الاقتصادي والمخاطر الأمنية.
وتشكل موجة الاستهدافات الإيرانية الجديدة تحدياً كبيراً لدول الخليج، التي راهنت على التحول إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتجارة العالمية.
فشركات مثل "أمازون" و"مايكروسوفت" ضخت استثمارات ضخمة في المنطقة، مستفيدةً من الطاقة المتاحة والأراضي والاستثمارات الحكومية. لكن هذه الضربات تهدد هذه الرؤية الاقتصادية الطموحة، وتجبر الشركات العالمية على إعادة تقييم وجودها في منطقة باتت تُعد ساحة مواجهة مفتوحة.
وقد نصحت "أمازون" عملاءها بالفعل بنقل أعباء عملهم إلى مناطق أخرى خارج نطاق النزاع، وهو ما يكشف هشاشة فكرة "السيادة السحابية" التي تروّج لها هذه الدول.
وبينما تجهد الحكومات الخليجية لاحتواء الأزمة، يبدو أن الصراع تجاوز حدود الجغرافيا السياسية التقليدية ليصل إلى عصب الاقتصاد الرقمي العالمي، محوّلاً مراكز البيانات من مجرد أصول تجارية إلى أهداف محتملة في حرب لا يلوح السلام في أفقها.
ووفق أدبيات الحرب الهجينة ونظرية الأمننة، لم تعد البنية الرقمية مجرد رافعة للنمو الاقتصادي، بل أصبحت جزءاً من القوة الوطنية الشاملة، وبالتالي هدفاً محتملاً في النزاعات الدولية.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تتحول مراكز البيانات إلى ما كانت تمثله حقول النفط في حروب القرن العشرين: أصول استراتيجية تحدد موازين الردع والنفوذ، وتعيد رسم خرائط الأمن والاقتصاد في "الشرق الأوسط".