التدمير كأداة حرب على الإدراك والإرادة
محاولة العدوّ تكريس مفاهيم جديدة لطبيعة الصراع مع المقاومة وبيئتها الشعبية، تتصل بصراع الإرادات، واستخدام حق القوة لإضعاف قوة الحق، وتالياً سلب أهل الأرض إرادتهم على المواجهة والصمود.
-
الاحتلال الإسرائيلي يحاول نسف أي فكرة لإمكانية العودة (أرشيف).
يشكل التدمير الممنهج للقرى والبلدات في جنوب لبنان، إحدى الأدوات الرئيسية التي يلجأ إليها العدو الإسرائيلي، لا كأفعال عدوانية تكتيكية تتصل بسير العمليات في الميدان فحسب، بل لأغراض تتصل بالحرب على الذاكرة والوعي الجمعي، وإعادة تشكيل الإدراك المجتمعي. هذه المعركة التي لم تتوقف منذ نشأة الكيان الإسرائيلي، هي معركة مستمرة بمعزل عن الهدن بين الجولات والحروب، التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي بين فترة وأخرى.
منذ تحرير الجنوب اللبناني في العام ألفين، والعدو الإسرائيلي يعمل على إيجاد الفرص المؤاتية لمحو العار الذي لحق به، جرّاء هزيمته أمام المقاومة في لبنان، وانسحاب جيشه من الأراضي اللبنانية التي احتلها قرابة العقدين من الزمن. هذا الانسحاب المُهين، والذي أتى تحت وطأة ضربات المقاومة، أدى إلى هزيمة غير مسبوقة في تاريخه، أجبرته على الانسحاب من أراضٍ عربية تحت النار، لأول مرة في تاريخه ومن دون قيد أو شرط.
وعليه، ومنذ حرب العام 2006 وحتى يومنا هذا، يعمل العدوّ الإسرائيلي على تحقيق الإنجاز العسكري، الذي يعود به ومن خلاله إلى جمهوره بصورة نصر واضحة على المقاومة وبيئتها، يستعيد من خلالها صورة "جيشه الذي لا يُقهر" المزعومة، ويمحو من ذاكرة الجنوبيين وحاضنة المقاومة، صور الانتصارات التي حفرت في وعيهم عميقاً.
ما تقدّم لا يأتي في سياق السرد التاريخي للوقائع فحسب، بل يشكّل أساساً لتفسير ما يجرى اليوم في جنوب لبنان، ويتمثّل بمحاولة إعادة تشكيل الإدراك المجتمعي، وكيّ الوعي من خلال جملة من الاعتداءات التي يقوم بها العدوّ، أبرزها:
• إنشاء منطقة عازلة (تطال 55 بلدة وقرية جنوبية)، وتجريف البيوت والقرى والأماكن الأثرية والدينية والتاريخية، لتزوير التاريخ والهوية من خلال العبث بالجغرافيا والتلاعب بالهوية الديمغرافية، وهذا ما يشكّل تهديداً وجودياً للكيان اللبناني وأبناء الأرض.
• بث صور دعائية معادية - مستفيداً من إمكاناته الهائلة في الإعلام التقليدي والفضاء الرقمي- لممارسة الحرب الإعلامية والنفسية، بهدف نشر اليأس والإحباط بين المقيمين والنازحين للضغط على المقاومة لإرباكها.
• تدمير المؤسسات الاقتصادية، والقضاء على مقومات الصمود في أماكن الإقامة أو النزوح، بهدف زيادة حالة الوضع المادي والاجتماعي المتردي نتيجة العدوان على لبنان.
في الموازاة، يشكّل ما يجري انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، والذي يركّز على حماية المدنيين أثناء الحروب، ويجرّم ما تقوم به "إسرائيل"، وذلك وفق نصوص اتفاقية جنيف الرابعة التي تعتبر الأعمال التالية جريمة حرب:
• تدمير قرى أو منازل من دون سبب عسكري
• أو بشكل واسع النطاق وعشوائي
• أو كعقاب جماعي للسكان
وعليه، فإنّ صمت المؤسسات الدولية ذات الصلة، والتي تلوذ بالصمت إزاء ما يحصل، يفتح شهية العدوّ على المزيد من الأعمال العدائية، ويُشرّع باب الأسئلة عن جدوى هذه المؤسسات وفاعليتها، بعد أن فقدت دورها، وأظهرت عجزاً غير مبرر تجاه قضايا قامت من أجلها، ولا سيّما حماية الإنسان والهوية للكيانات والدول التي هي أعضاء فيها.
وفي هذا الإطار، يُمكن فهم ما يجري أنه حرب على الإرادة والوعي، لمحو الذاكرة المليئة بمشاهد الانتصار وعودة أبناء الأرض إلى قراهم وبلداتهم، ولا سيّما بعد تحرير عام 2000 وحرب عام 2006، والعودة غير الكاملة في العام 2024.
وعليه، يمكن ربط جرائم حرب العدو الإسرائيلي من خلال نسف البيوت والبلدات، بمحاولة نسف أي فكرة لإمكانية العودة، وهذا ما لم تعد تخفيه قيادة العدو. وفي هذا السياق، أتى تصريح وزير الحرب يسرائيل كاتس، الذي قال "لن يُسمح بعودة نحو 600 ألف من سكان جنوب لبنان الذين تم إجلاؤهم حتى نضمن أمن سكان شمال إسرائيل".
يتضح مما تقدّم، محاولة العدوّ تكريس مفاهيم جديدة لطبيعة الصراع مع المقاومة وبيئتها الشعبية، تتصل بصراع الإرادات، واستخدام حق القوة لإضعاف قوة الحق، وتالياً سلب أهل الأرض إرادتهم على المواجهة والصمود.
في المقابل، أثبتت التجارب والوقائع السابقة، فشل محاولات العدو المتكررة لسلب المقاومة وبيئتها، إرادة المواجهة والقدرة على الصمود، لأنها – أي المقاومة - ترتكز على أسس مرتبطة بالإيمان والإرادة، كما ذكر ذلك الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم مراراً وتكراراً. هذه العناصر باتت حاسمة في صراع وجودي، أدواته خشنة وصلبة، مرتكزاته معرفية وإدراكية، ونتائجه لا تقبل أنصاف الحلول.