إن لم يكن إيماناً، فمن باب المصلحة
لا يمكن لشيء أن يدغدع مشاعر الملايين كالنصّ المقدّس الذي لم تستطع كلّ الأيديولوجيات والفلسفات الدخيلة مسحه من الوجدان المجتمعي.
-
لا يمكن لشيء أن يدغدع مشاعر الملايين كالنصّ المقدّس (أرشيف).
عندما يتذمّر المثقّفون والأكاديميون جهاراً من واقع قراءاتهم المستحدثة التي أثبتت انعدام قدرتهم على جذب الشباب والتأثير فيهم خارج الحرم الجامعي، ويعترفون علناً بإعراض الجيل الجامعي عن القضية الأساسية الأمّ، فهذا إنذار متكرّر، وإقرار بانتهاء صلاحية أدواتهم وعدة تنويرهم منذ زمن، وصار لزاماً عليهم التخلّي عن أحد أهمّ وجوه الثقافة السابقة والكشف عن إنسانها الجديد.
لقد شخَص المشاركون وأشاروا في المؤتمر السادس للجمعية العربية للعلوم السياسية الذي اختتم أعماله أمس في بيروت تحت عنوان حركات التحرير والاستقلال في العالم العربي إلى خطورة الهوة بين الشباب وهويتهم الحقيقية، أي بين ما هم عليه وما يحاك لهم في أروقة النظام العالمي فلا يشاركون بالأنشطة الفكرية كما يجب. بل حال الشباب أشبه بالانقطاع والهجران الكلّي مما يثير الرعب ويدقّ ناموس الخطر، من نسيان الهوية على سبيل المثال في ظلّ حضور التكنولوجيا ووسائل التواصل وتغلّبها على الوصل الحقيقي بين الطلاب والنخب المثقّفة...
وإذ نقدّر هذه الأبحاث والنتائج ونشيد بها وبضرورة الانكباب على معالجتها، لكننا نجد أنّ ماهية سرّ هذه الفجوة يكمن في مكان آخر لم يتمّ التنبّه إليه باكراً، في حين استفاد منه العدو ومراكز الفكر والسيطرة في العالم واستثمروا فيه إلى أبعد الحدود.
ويتجلّى هذا السرّ بالنصّ المقدّس الذي يتحكّم بالفضاء العمومي للمجتمعات الإسلامية ولسكان الشرق الأوسط، وهو ما يحكم حركة الملايين من الشعوب شاء من شاء وأبى من أبى مسيحيين أم مسلمين.
وهو مفتاح يفكّ الشفرة المطلوبة التي استولى عليها العدو بعد أن أشار إليها أنطون سعادة باكراً .إلا أننا لم نستثمر فيه لسباتنا، فاستثمر العدو بسلاحنا الذي ننفرد في امتلاكه عن باقي الشعوب وأنتج منا "داعش" وأخواتها من المنظّمات الإرهابية وزرعها بين ظهرانينا، واستطاعت أن تستقطب ببراقعها الدينية المزيّفة قلوب الآلاف من الشباب الذين غرّر بهم وهذا المشهد ليس بالزمن البعيد.
فلا يمكن لشيء أن يدغدع مشاعر الملايين كالنصّ المقدّس الذي لم تستطع كلّ الأيديولوجيات والفلسفات الدخيلة مسحه من الوجدان المجتمعي. فرغم هول الإنجازات التكنولوجية والمنهجية التي ذكرها المحلّلون في المؤتمر، والتي تقف عائقاً بين المثقّف والشباب؛ أهمّها وسائل التواصل التي تغزو الفكر والثقافة والقيم الأسرية وتنخر المجتمعات فتهوي متهالكة متشرذمة، رغم كلّ ذلك لا يزال العدو يدرك بعمق، أنّ القوة الجامعة التي تمتلكها الشعوب في الشرق الأوسط لم تكسرها العناوين البرّاقة للدولة الحديثة لعقود خلت، رغم تنوّع العناوين والشعارات، من العراق الى مصر، ومن تونس إلى سوريا مروراً بليبيا..
لقد سقطت كلّها ولم تصمد أمام وجدان الأمّة وروحها المستترة والحاضرة عند كلّ منعطف،المتجذّرة في أرض الرسالات، وكأنّ مهبط الأنبياء تحوّل إلى لعنة على كلّ عدو للسماء فلا ينبت فيها دخيل إلا لفظته. فالأرض بمسيحيّيها كما مسلموها لا يزال يحكمها النصّ المقدّس، وشاهدنا ليس بالزمن البعيد. فما تحتاجه هذه الشعوب لا يتجاوز عبارتين من الإنجيل المقدّس وستكون كافية ليصطفّ آلاف المسيحيين في شوارع لبنان استقبالاً للحبر الأعظم، فضلاً عن الشباب المسلم من أنصار المقاومة وبيئتها ومن المراحل العمرية كافة، الذين اصطفّوا على الأرصفة وتحت المطر لاستقبال قداسة البابا في مشهد راقٍ، وإشارة قوية، لاستدعاء شخصية مغيّبة لرسول الله محمد بشعار" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
لقد تجسّدت شخصيّة الرسول الأخلاقية سابقاً بالشاب المقاوم والمدافع عن الوطن والأمة في ساحة الوغى. وتجسّدت في المقاوم الحامي للجار المسيحي في معلولة، كما تبلورت بدفاعه بكلّ ما يملك من أرض ومال وأنفس عن أطفال ونساء الأمة في غزة وفلسطين، مستحضراً رسول الرحمة كقائد أمّة بالمعنى القديم الجديد، والحقيقي للإيمان، بعيداً عن التطرّف والانعزال ومحطّماً لما تمّ استدعاؤه منذ أعوام خلت لشخصيّة محمد كشخصيّة أداتية إرهابية مشوّهة، تسبّبت بخسارة أخلاقية كبيرة أسقطت من رصيد تاريخنا الإنساني الخاصّ بمنطقتنا لصالح الداعشية وباسم الإسلام.
أما الشخصيّة المتمّمة للأخلاق، والتي استدعتها الحالة الإيمانية المقاومة والمتجدّدة في لبنان، فقد حملت جوانب إيجابية متعدّدة الأوجه؛ أهمّها أنها أخرجت المؤمنين من مأزقهم الإيماني متعدّد الأقنعة، وكشفت عن عمق البصمة التي أسس لها قائدها منذ أكثر من أربعين عاماً، وأثرها الذي يتجلّى يوما بعد يوم، ويشكّل هوية أمة متجدّدة تحمل شفرة "أجيال السيد".
فهو القائد الذي استشرف المخطّط الصهيوني لابتلاع الخرائط والحدود، فكانت المقاومة متهيّئة ومستعدّة لوثبة واعية تخرج عبرها من تحت الرماد محلّقة كطائر الفينيق. ونوجّهها دعوة من أهل التجربة في لبنان لأخذ هذه الظاهرة التي تجب ما قبلها من مظاهر ومراحل بعين الجدّ، كتجربة جديرة بالدراسة، وإن لم يكن إيماناً فمن باب المصلحة.