أربعون دقيقة ألم تعادل ثروة روكفلر

زيارة الأسرى الفلسطينيين تحوّلت من لقاء إنساني محدود إلى منظومة متصاعدة من العزل والإذلال، انتهت بمنعها الكامل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

  • أربعون دقيقة ألم تعادل ثروة روكفلر
    أربعون دقيقة ألم تعادل ثروة روكفلر

"كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، مقولة صوفية نستخدمها كثيراً ونتذكرها أكثر، ذلك أن التسارع الكبير في مساحة ما نراه، والتغيرات المتسارعة، والمعاناة المتراكمة، تعجزنا وتغيّر أولويات تعبيرنا عما يجري.

فالفلسطيني الذي اعتاد أن يكون زائراً لقريب من الدرجة الأولى أو الثانية في سجون الاحتلال الصهيوني، هو شاهد على تغييرات تدل على مدى العبث والتضييق اللذين يمارسهما الاحتلال على الأسير وأهله، عبر إجراءات مهينة ومذلة.

مفردات العبث والتضييق والمذلة والمهانة والمعاناة تؤكد كلها ضيق العبارة حين نحاول أن نصف الواقع كما هو.

فنحن في زمن يغتصب فيه السجانون الأسير والأسيرة، ويعذبونهما "على الطالع والنازل"، مستغلين غياب من يراهم أو يسمعهم سوى الأسرى أنفسهم.

بالأمس، كاد المحامي الفلسطيني خالد محاجنة يبكي، وربما بكى، وهو يتحدث عن زيارته لأسيرات سجن "الدامون" الصهيوني، ناقلاً شهادة عن تناوب سجانين على اغتصاب أسيرة أربع مرات في أسبوع واحد.

ليس عن هذا أتحدث، وليس الحديث هنا عن التضييقات ومعاناة الأسير وأهله قبل الزيارة، عندما كانت هناك زيارات، وقبل أن تُمنع كلياً منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وليس الحديث عن التحكم في التصاريح، التي يُسمح بموجبها لأقارب الدرجة الأولى فقط بالزيارة، إذا لم يكونوا ممنوعين أصلاً، بدعوى أن هذا القريب "ممنوع أمنياً"، أو لأسباب صحية قد تمنعه من الحركة.

وكم من أب أو أم مُنعا ولم يحصلا على التصاريح، بحجة عدم وجود صلة قرابة بينهما وبين ابنهما، أو بأي حجة يلفقها الاحتلال.

وليس الحديث أيضاً عن الطريق الالتفافية الإجبارية، التي تضاعف المسافة، ليتضاعف معها حجم الإذلال والمهانة الواقعين على الأسير وعائلته، ولا عن قائمة الممنوعات التي تطول يوماً بعد يوم.

عن أربعين دقيقة في غرفة الزيارة فقط أتحدث، عشتها وخبرتها منذ أكثر من خمسة عقود.

من العناق إلى شبك الأسلاك
في عامي 1970 و1971، كانت الزيارة في سجن رام الله تتيح للأسير وأهله أن يعانق بعضهم بعضاً، ثم يجلسون متقابلين، تفصل بينهم، أي بين الأسير وعائلته أو زائريه، طاولة يُمنع تجاوزها من أي من الاتجاهين.

كانوا يتحدثون عبرها في شتى الأمور التي يتوق الأسير إلى معرفتها، من أخبار الأهل والبلد. ومع انتهاء المهلة، التي يعلن الشرطي المناوب نهايتها، يتعانق الأسير وأهله، ثم يعود كل منهم أدراجه، ممتلئاً بصورة أحبابه وقوتاً لقادم الأيام، أو للشهر الذي يفصلهم عن الزيارة التالية.

في عام 1972، انتصب بين الأسير وأهله جدار من الأسلاك المشبكة على شكل مربعات، يبلغ قياس كل منها نحو 4 سنتيمترات في 4 سنتيمترات، ويكفي لإدخال إصبعين أو ثلاثة.

فكانت الأصابع هي المجال الوحيد للتلامس بين الأسير وأهله. وكان مسموحاً أيضاً بزيارة الأصدقاء أو المعارف من غير الأقارب، بحيث لا يتجاوز عدد الزائرين أربعة أشخاص من الكبار والصغار، وكان في إمكانهم رؤية قامات بعضهم كاملة عبر الشبك.

في منتصف عام 1974، التقينا في غرفة الزيارة في سجن الرملة، في الداخل المحتل، وجلسنا متقابلين إلى جوار إحدى الطاولات، لكن على حافة الطاولة جلس ضابط صهيوني كان يتدخل في مجريات حديث الأسير وعائلته.

ثم أصبحت الزيارة تجري عبر نافذة تبلغ مساحتها نحو 70 سنتيمتراً في 70 سنتيمتراً، تكفي لتلامس أطراف الأصابع فقط.

وهذا ما خبرته في سجني رام الله والخليل حين كنت طالبة في المرحلة الثانوية، واستمر هذا الحال إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي.

وعلى مدار سبعينيات القرن الماضي، كنت أتنقل لزيارة والدي من سجن إلى آخر، وسبق كل ذلك ثمانية أعوام أخرى كان والدي خلالها في سجن الجفر الصحراوي الأردني، بين عامي 1957 و1965، وهذا وحده حكاية أخرى.

طبقتان من الشبك وسماعات هاتف
أما منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى أوائل تسعينياته، فكانت زيارات الزوج، الذي قضى عشرة أعوام في سجون رام الله وعسقلان وبئر السبع وجنيد.

وأصبحت الزيارات تجري من وراء نافذة مغطاة بطبقتين غير متطابقتين من الشبك، بحيث لا يسمح المربع بإدخال أطراف الأصابع، وبالكاد يتسع لسيجارة واحدة.

نحن الآن اجتزنا ربع القرن الأول من القرن الحادي والعشرين، ودخلنا ربعه الثاني، وكلما اجتزنا عاماً جديداً، بل شهراً أو يوماً جديداً، وجدنا أن الإنسانية تتردى وتنعدم في سجون الاحتلال، وأن سعار السجانين يزداد.

وعوداً إلى الأربعين دقيقة، وهي مدة الزيارة، فقد أصبحت الزيارات تجري عبر نافذة مغلقة بالكامل بزجاج سميك، لا تمر من جانبه نسمة هواء، ويجري الحديث بين الأسير وأهله عبر سماعة الهاتف.

ولا يوفرون سوى سماعتين للأهل، في وقت قد يبلغ عدد الزائرين أربعة أشخاص، ثم تحولت الزيارة إلى حق محصور بأقارب الدرجة الأولى الذين يملكون التصاريح.

وقد يصادف، بل صادف كثيراً، أن تمر الأيام والسنوات من دون زيارة. ففي بعض الحالات، مثلاً، تكون الأسرة النووية صغيرة، ويكون جميع أفرادها، الأم والأب والأخ، أسرى سابقين، وبالتالي يُحرمون من الزيارة مدة عام كامل، ما يعني أن الأسير لا يزوره أحد.

وتردى الوضع إلى أن أصبحت الزيارة ممنوعة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتحولت إلى حلم مع وقف التنفيذ للأسير الذي يُضرب ويُشتم ويُجوّع ويُغتصب، ولأهله الذين يعانون الأمرّين ولا يرون أحباءهم إلا في أحلام يقظتهم ومنامهم.

الزيارات بين الجائحة والمنع الكامل
وقبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، مر أكثر من عام من دون زيارات بحجة جائحة كورونا، ما اضطر أشخاصاً لم يؤمنوا بكورونا ولم يصدقوا جدوى اللقاحات إلى تلقي الجرعة الأولى والثانية وحتى الثالثة.

نحمد الله على نعمة الحلم والخيال، التي لم يصل إليها بطش إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وبنيامين نتنياهو، وغيرهم من نسل بني صهيون.

أربعون دقيقة يرى فيها الأسير الفلسطيني وعائلته العجب العجاب، ويرى الويل والثبور، لكنه لا يبيعها بثروة روكفلر ولا بمال قارون.

ملاحظة: ليس ما سبق كل شيء عن الزيارات، بل هو ما عرفته وخبرته كاتبة المقال شخصياً، عبر زياراتها لوالدها الأسير، ثم زوجها، ثم ابنها الأصغر قسام. أما ابنها الأكبر كرمل، فقد أمضى سبعة أشهر من دون زيارة، بحجة كورونا وكون الأم أسيرة سابقة.