"أرض الصومال": كعب أخيل للأمن القومي العربي والإسلامي
"أرض الصومال" تتحوّل من ملف سياسي داخلي مهمّش إلى عقدة جيوسياسية مركزية، تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، من الصين والولايات المتحدة إلى الدول العربية وباكستان وتركيا وإيران.
-
"أرض الصومال" تتحول من ملف سياسي داخلي إلى عقدة جيوسياسية.
تتبلور في القرن الأفريقي ملامح أزمة تتجاوز حدود النزاعات المحلية، لتهدد ركائز الأمن الإقليمي على امتداد البحر الأحمر والممرات الحيوية المرتبطة به، والأمر يتعدى ذلك ليخلّ بالأمن القومي لدولٍ وازنة في العالم الإسلامي.
يبرز إقليم "أرض الصومال"، بوصفه نقطة ارتكاز حساسة يمكن أن تتحوّل من كيان غير معترف به دوليًا إلى منصة لإعادة تشكيل التوازنات العالمية. الإقليم أصبح أقرب إلى "عقب أخيل" في معادلة الأمن القومي العربي بتداعيات على الدول الإسلامية عموماً.
سعى ما يعرف بدولة "أرض الصومال" للانفصال منذ 1991 (عن الصومال المنهك بمواجهة الإرهاب التكفيري لعقود) وظل الإقليم الانفصالي حالة سياسية مجمدة، لكن مع حصوله على اعتراف "إسرائيل" يدخل اليوم في حسابات جيوسياسية في غاية التعقيد.
ويبدو أن "دولة" الكيان قايضت الاستفادة من موقع الإقليم مقابل الوعد بالوصول إلى دوائر المال والنفوذ الأميركي. ظهور "أرض الصومال" على سطح الأحداث في خضم الصراع الدائر في غرب آسيا ليس مصادفة، وللاعتراف الإسرائيلي ارتباط بالأدوار المتنامية للإمارات العربية المتحدة - البعض يحصره في أبو ظبي - في الإقليم الانفصالي، التي فتحت باب التعامل معه بتطوير البنية التحتية للموانئ. ولم يعد خافياً أن بعض الفاعلين العرب لا يتحركون فقط لحساب مصالحهم الوطنية، وإنما في سياق أدوار لصالح "إسرائيل" ومن يدعمها في واشنطن وفي شبكات المال المعولم.
الإقليم لم يتأخر في الإعلان عن استعداده للعب دور أمنيّ لمواجهة الحوثيين في اليمن، بالتعاون مع "إسرائيل" والإمارات. هذا التلاقي بين الأمني والاقتصادي يمنح الإقليم الانفصالي وزنًا يتجاوز حجمه الجغرافي، ويضعه في قلب صراع على السيطرة غير المباشرة على خليج عدن وباب المندب. ونحاول أن نرسم تباعاً ملامح تأثير خطوة الاعتراف على التوازنات الجيوسياسية، خاصة لمنطقة غرب آسيا والفاعلين فيها:
أوّلاً- إيران: تهديد "أرض الصومال" للحوثيين، والمجاهرة بالاستعداد للتعاون مع "إسرائيل" والإمارات في احتواء أنصار الله هو بالنتيجة استهداف لإيران. ويشكل هذا خطراً حقيقياً على مرتكزات عقيدتها الدفاعية في الإقليم، القائمة على الدفاع المتقدم بالدعم المتبادل بين الحلفاء. الأمر يُظهر بعد النظر الأميركي- الإسرائيلي في السعي لمحاصرة طهران، وسعيهم للحصول على أوراق للرد على استعمال إيران عناصر ردعها، كمضيق هرمز.
ثانياً- السعودية: تعاني المملكة من ضغط في المنطقة الشرقية، بسبب تبعات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والآن تواجه استفزازاً إسرائيلياً عبر ملف "أرض الصومال"، والرسالة المبطنة: لا بدّ من المشاركة في مواجهة الحوثيين لضمان أمن ينبع وجدة كوحدة متلازمة مع أم الرشراش (إيلات).
هكذا تجد الرياض نفسها أمام اختبار لقدرتها على ترجمة ثقلها إلى فعل استراتيجي مؤثر. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ما يمكن وصفه بـ"لحظة الملك فيصل"، أي لحظة اتخاذ قرارات كبرى تعيد رسم التوازنات، مستفيدة من أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية والثقل الديمغرافي. والسعودية مدعوة إلى التحرك ضمن رؤية متماسكة لتعزيز موقعها مع تجنب الانزلاق إلى مغامرات غير محسوبة. والإنفاق العالي على التسلح في السنوات الأخيرة يجب أن يترجم إلى ردع فعّال، الشيء الذي يسير بالتوازي مع توفر بنية مجتمعية تُؤمِن بخيارات القيادة السياسية، وتدرك جدية التحديات وتقبل تقديم تكلفة الصمود.
ويمكن قراءة الحسم العسكري للمحاولة الانفصالية التي قادتها الإمارات في اليمن كدليل على انتقال السعودية إلى مرحلة رسم الخطوط الحمر بالنار؛ وهو مستوى يعكس الجرأة على التصرف كقوة إقليمية. وليس سراً أن المحاولة الانفصالية اندرجت في إطار مخطط "إسرائيل" لقضم وتفتيت الهواش.
والأمثلة تتالت من اليمن إلى السودان والغرب الليبي ومالي، الذي انفجر مؤخراً إثر التقارب مع المغرب. ومن المرجح بقوة، أن الاحداث التي تواجهها السلطة العسكرية بباماكو لها علاقة بمسار التطبيع المغربي- الإسرائيلي، والتهديد الذي يستهدف الجزائر من وراء هذا المسار.
أمّا مساعدة الرياض لإسلام آباد في تسديد ديونها (قرابة 3،5 مليار دولار) للإمارات، فكانت خطوة ثنائية الأبعاد، أظهرت من خلالها السعودية جدية التزامها باستقرار باكستان خاصة بعد عقد اتفاقية الدفاع المشترك، وسدَّ باب ابتزاز الإمارات لباكستان بسبب التأخر في خلاص الديون. التمشي السعودي تجاه تخفيف عبء الديون الخارجية الباكستانية، يظهر الوعي بأهمية ضمان قدرة الحليف على المناورة جيوسياساً.
ثالثاً- باكستان: أي إعادة تشكيل للنفوذ في القرن الأفريقي، وخاصة في "أرض الصومال"، تمثل مصدر قلق غير مباشر لإسلام آباد، لأنها قد تؤثر على توازن القوى في المجال البحري الذي تعتمد عليه. وهكذا، تجد باكستان نفسها - مثل غيرها من القوى الإقليمية - معنية بما يجري، ليس من باب القرب الجغرافي فحسب، بل من زاوية الترابط الاستراتيجي بين أمن الممرات البحرية واستقرار التوازنات الإقليمية.
إسلام آباد، بوصفها قوة نووية، تسعى منذ سنوات لصوغ رؤية جديدة لمجالها الحيوي ووزنها الاستراتيجي، ولم تعد تتحرك ضمن الأدوار الوظيفية الموروثة عن حقبة مواجهة المد الشيوعي والانحسار في هامش التبعية التقليدية للولايات المتحدة. تحت ضغط التهديد الدائم من الهند وضعف موثوقية الحليف الأميركي، اتجهت باكستان إلى تنويع شراكاتها، خاصة مع الصين وإيران ودول الخليج؛ ما منحها مجالاً أوسع للمناورة والتموضع، بما يتناسب مع ثقلها الديمغرافي وقدراتها التصنيعية.
وقد انعكس هذا التحوّل في سعي باكستان للعب أدوار دبلوماسية في القضايا الكبرى، بما في ذلك محاولة التهدئة أو الوساطة الجارية في الحرب بين إيران والولايات المتحدة. هذا الدور، وإن لم يحقق بعد الاختراق المنشود بحكم تعقيدات الصراع، يعكس طموحًا باكستانيًا للانتقال من موقع الشريك الثانوي إلى موقع المؤثر في التوجهات الدّولية الكبرى. ويصطدم هذا الطموح بواقع جغرافي حساس، إذ يرتبط الأمن القومي الباكستاني ارتباطًا وثيقًا بأمن الممرات البحرية الممتدة من مضيق هرمز إلى قناة السويس، التي تشكل شرايين التجارة والطاقة.
رابعاً- تركيا: لا يمكن إغفال تركيا، التي حاولت في السنوات الأخيرة تثبيت حضورها في الصومال (خاصة اقتصادياً)، لكنها تواجه تحديات في تحويل هذا الحضور إلى نفوذ حاسم، لا سيما في ظل التنافس المتزايد على الممرات البحرية والموانئ. ويكشف ضعف الأداء التركي تبعات وكلفة التباعد السابق بين أنقرة والقاهرة والسودان، حيث أُهدرت فرص بناء مقاربة مشتركة لأمن البحر الأحمر لصالح صراعات سياسية جانبية، ارتبطت بالموقف من الإخوان المسلمين.
خامساً- مصر: تواجه القاهرة ضغوطًا متصاعدة من الجنوب عبر الأزمة في السودان والابتزاز الإثيوبي بالأمن المائي، ومن الغرب بسبب هشاشة الوضع في ليبيا. ويظل شرق مصر - البحر الأحمر- مفتوحًا على احتمالات تراجع استراتيجي، خاصة بعد تنازلها عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية؛ وفقدان السيطرة على مدخل خليج العقبة والتحكم في العبور إلى ميناء أم الرشراش (ايلات)، ما أسقط ورقة قوة في وجه "إسرائيل".
ولا تفوتنا هنا الإشارة، إلى أن مصر، في هذا الإطار الشائك والمفتوح على إمكانية التصادم مع "إسرائيل"، تصرفت منذ السابع من أكتوبر بحكمة وضبط للنفس تجاه أنصار الله في اليمن، مستفيدة من شل ميناء أم الرشراش (ايلات) لضرب مخطط فتح قناة بن غوريون.
سادساً- الصين: الخطورة في تطورات وضع "أرض الصومال" لا تتوقف عند الدول المجاورة، بل تمتد إلى بعدٍ دولي أوسع، حيث يبرز تموضع الإقليم في تقاطعات قد تستفز الصين، وهو عامل إضافي في تعقيد المشهد. فبكين، التي تخوض منافسة استراتيجية مع الولايات المتحدة على امتداد الممرات البحرية من مضيق هرمز إلى ملقا، تنظر إلى القرن الأفريقي كجزء من الشبكة الموسعة لمبادرة "الحزام والطريق"، وكركيزة لحماية خطوط إمدادها بالطاقة وعبور بضائعها إلى أوروبا.
والحضور المتقدم للولايات المتحدة، إلى جانب "إسرائيل" والإمارات، في بربرة يخلق واقعًا جديدًا قد يضع القاعدة الصينية في جيبوتي تحت ضغط جغرافي مزدوج، إذا ثبت ما يُتداول حول تمركز قوات إسرائيلية في إريتريا. بهذه الصورة، يتحوّل القرن الأفريقي إلى مساحة تماس مباشر بين القوى الكبرى، حيث تتواجه خطوط النفوذ وتضيق هوامش التسويات الهادئة.
وتعزيز التأثير الأميركي -الإسرائيلي -الإماراتي في الإقليم الانفصالي يُقرأ ضمن لعبة شد الحبال الكبرى، لا سيما في ظل محاولات واشنطن تضييق الخناق على النفوذ الصيني عبر التحكم بالمضايق البحرية وإجبارها على المرور عبر واشنطن للحصول على الطاقة، وهذا من بين الأهداف غير المعلنة للحملة العسكرية على إيران.
من خلال ما تقدّم، يظهر أنّ "أرض الصومال" تتحول من ملف سياسي داخلي مهمش إلى عقدة جيوسياسية مركزية، تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، من الصين والولايات المتحدة إلى الدول العربية وباكستان وتركيا وإيران. ومن هنا، تنبع خطورة فتح مسار الاعتراف بالإقليم من قبل " إسرائيل"، ليس فقط بما يمثله في حد ذاته كسابقة قانونية يُبنى عليها، بل بما قد تفتحه من مسارات لإعادة تشكيل التوازنات في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. وطموحات إثيوبيا، المدعومة من "إسرائيل"، في لعب دور إقليمي والنفاذ إلى مياه القرن الأفريقي، تعد وقوداً إضافياً قد يسهم في حدة المواجهة، إذا ما اضطرت الأطراف العربية والإسلامية إلى حسم الموضوع بالقوة.
الأمر ما يزال في بداياته، وقد يكون اللجوء إلى القوة لفرض وحدة الصومال وسلامة ترابه الوطني الحل المرجّح، أمام إيران والرباعي السني (مصر والسعودية وباكستان وتركيا) بدعم صيني- روسي، لأن التهاون والتلكؤ سيضيف ملفاً جديداً إلى قائمة "مطروح للحسم"، التي تضم غزة، وسوريا، وسد النهضة، وتوحيد اليمن، والنزاع في السودان. والانقسام في ليبيا بدوره لا يحتمل التأجيل، فقد ينتهي فجأة بإعلان تأسيس كيان في الغرب، تسهم "إسرائيل" في توسيع نفوذه إلى كامل التراب الليبي؛ وهو حلم الجنرال حفتر الذي لا يخفي رغبته في توريث ليبيا موحدة لأبنائه.
في المحصلة، على القوى الإقليمية، خاصة السعودية ومصر وتركيا وباكستان، أن تدرك أن تهديدها وجودي والسعي لاستهدافها حقيقي. إنّ الدوائر التي تحرك خيوط اللعبة الجيوسياسية الدولية تواصل ما بدأه برنارد لويس وبريجنسكي وكيسنجر. وقد لا تعجز "شبكات الحكم العميقة" (ابستين رأس جبل الثلج) في أن تجد لكل حقبة عدوّاً تشيطنه وماكارثية جديدة لمطاردته، وتبريراً لحلف بغداد جديد، ورئيساً جديداً يتم تحويله خطابياً لدكتاتور والتحشيد دبلوماسياً وعسكرياً لعزله، وشعباً جديداً يوعد بالتحرير، وسرديّة تُبرِّر تفعيل آليات عمل "نادي السفاري" أو خلق نظير له.
ومعلوم أنّ الردع وفرض المعادلات الصلبة، يحتاج أكثر من امتلاك جيوش كبيرة أو الدخول في الحروب عبر تمويل حلفاء والاكتفاء بأدوار التخطيط والتوجيه. هنا تحتاج كل الدول التي تسعى للعب أدوار استراتيجية، إلى دراسة الحالة الإيرانية بعمق، لتفهم نقاط قوة المجتمعات العصية على التركيع والتسليم للظلم، إذا ما فرضت عليها المواجهة. ولا بد في هذا الصدد من الإشارة إلى أن نقطة ضعف بعض المجتمعات العربية قد يكون تعودها على الرفاه والاستهلاك، وقناعتها بأن توفر الأمن حتمية مسلم بها، بفضل وجود القواعد الأجنبية أو ضمانات اتفاقات ما يسمى "السلام"، سواء المعلنة أو السرية. وقبل العدوان على إيران ساد انطباع عند الكثيرين بإمكان الاتكال على الأجنبي عند الحاجة، وتبدد الوهم عند رؤية الجنود الأميركيين يسارعون إلى الاختباء في المناطق المدنية.
وختاماً، تهديدُ ترامب بمحو الحضارة الإيرانية يعطي البيّنة على زيف الكثير من سرديات الغرب ووعود الحرية والديمقراطية. والأنظمة في غرب آسيا والإقليم تواجه تحديات كبيرة في الدفاع عن شعوبها، وهي مدعوة إلى الانتباه لمخططات تستهدفها، يحتاج التعامل معها إلى تفكيك طبقاتها المتعددة. والتشكيك في براءة توجهات الغرب ليس مجرد نظرية مؤامرة، ولعل في تجربة العراق، وكذبة كولن باول في مجلس الأمن عن سلاح الدمار الشامل المزعوم، عبرة لمن يعتبر.