هندسة التحالفات الكبرى في مواجهة المنعطف الإيراني وتأمين باب المندب
المخاوف المشتركة من بقاء مضيق باب المندب رهينة لسياسات الأمر الواقع التي يفرضها أنصار الله دفعت صناع القرار في القاهرة والرياض وعواصم الخليج الأخرى إلى إعادة تقييم استراتيجيات الدفاع البحري والجوي.
-
المنطقة تقف اليوم بين سيناريوهين أحلاهما مر (أرشيف).
تتخبط المنطقة العربية والإقليمية في هذه المرحلة على وقع إرهاصات متسارعة تنذر بتحولات جذرية كبرى تتقاطع فيها لغة التصعيد العسكري مع تعقيدات الدبلوماسية الدولية لتشكل لوحة مشهد استراتيجي بالغ التعقيد والخطورة.
فمع تلويح الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب بالاقتراب من منعطف حاسم وإمكانية استئناف عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد طهران بالتزامن مع تفاقم أزمة الشلل الاقتصادي والصدامات السياسية الداخلية، تشهد عواصم القرار العربي والخليجي حراكاً استثنائياً واحترارياً غير مسبوق.
هذه التكتلات العربية بقيادة أميركية- إسرائيلية باتت واضحة المعالم، فبالرغم من كل المجازر التي حصلت في لبنان فلسطين لم تتحرك دولة واحدة لنصرتهم، بل بعض هذه الدول كانت مشاركة في الدماء التي سقطت. أما الآن، ولأن الأميركيين والإسرائيليين وشركاءهم العرب باتوا امام مقصلة الواقع التي فرضتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومقاومة اليمن وغيرها فبرزت أنيابهم.
ويحضر ملف اليمن وسيطرة أنصار الله على باب المندب والممرات الحيوية للبحار المحيطة كالعصب الحساس والنزيف الاستراتيجي الأبرز الذي يعطل شرايين التجارة العالمية ويضع أمن الطاقة الدولي على محك الانهيار.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل المشهد اليمني عن شبكة التقاطعات الإقليمية إذ تحولت سيطرة أنصار الله على الساحل الغربي وباب المندب إلى ورقة ضغط استراتيجية كبرى بيد المحور الإيراني تستخدم لفرض معادلات ردع قاسية على عواصم الخليج والغرب على حد سواء مما دفع التحركات الإقليمية والدولية نحو تسريع وتيرة البحث عن مظلات أمنية بديلة وقائية.
وفي هذا السياق المعقد، كشفت التقارير عن انعقاد اجتماع عسكري سري في ألمانيا برعاية القيادة المركزية الأميركية السنتكوم وضم رؤساء أركان "الجيش" الإسرائيلي ومسؤولين عسكريين من دول عربية وازنة تشمل السعودية والإمارات وقطر والكويت ومصر لبحث سيناريوهات حماية الملاحة الدولية ومواجهة التهديدات المشتركة المتأتية من الصواريخ والمسيرات وشبكات النفوذ البحري المرتبطة بطهران وشركائها في المنطقة.
وقال مسؤولان إسرائيليان إن الاجتماع الذي نظمه قائد القيادة المركزية الأميركية سنتكوم براد كوبر ولم تعلن عنه أي من الدول المشاركة رسميًا كان الأول من نوعه منذ أن بدأت الولايات المتحدة و "إسرائيل" الحرب على إيران قبل أكثر من ستة أشهر، رغم عقد لقاءات مشابهة بين قادة عسكريين إسرائيليين وعرب في السابق.
وشارك في الاجتماع إلى جانب زامير وكوبر رؤساء أركان جيوش السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر بما في ذلك دول خليجية لا تقيم علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" ما أتاح فرصة نادرة لقادة عسكريين من "إسرائيل" ودول خليجية لا تقيم علاقات دبلوماسية معها للالتقاء وتبادل الآراء بشأن الحرب.
ولا يمكن فصل هذا الاجتماع الأمني العابر للخطوط التقليدية ولا الأزمة المشتعلة في باب المندب عن حركة الدبلوماسية العليا المكثفة التي تشهدها المنطقة والتي تجلت بوضوح في زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر حيث تكرست مساعي التنسيق المشترك بين القاهرة والرياض لتوحيد الرؤى واحتواء التداعيات الكارثية المحتملة لأي حرب إقليمية شاملة على الأمن القومي العربي، وخصوصاً أمن البحر الأحمر وباب المندب الذي يشكل شرياناً حيوياً لا غنى عنه لاقتصاد البلدين ولحركة التجارة العالمية.
إن الرابط الجوهري والعميق بين هذه الملفات المتباينة ظاهرياً هو السعي الجماعي لإعادة هندسة منظومة الأمن الإقليمي والدولي حيث تحاول الأطراف العربية بناء شبكة ردع واقية تضمن عدم تحول الصدام الأميركي- الإسرائيلي مع إيران والاشتباك المستمر في الجبهة اليمنية إلى محرقة شاملة تستهدف استقرار الإقليم وطاقته وممراته المائية الاستراتيجية.
إن المخاوف المشتركة من بقاء مضيق باب المندب رهينة لسياسات الأمر الواقع التي يفرضها أنصار الله دفعت صناع القرار في القاهرة والرياض وعواصم الخليج الأخرى إلى إعادة تقييم استراتيجيات الدفاع البحري والجوي، وجعلت من التنسيق العسكري المباشر وغير المباشر ضرورة حتمية لتأمين المصالح الحيوية ومنع أي انهيار إضافي في منظومة الأمن البحري الإقليمي التي باتت تتعرض للانهيار بفعل تراكم الأزمات وغياب الحلول المستدامة.
تتمثل النتائج المحتملة لهذه التحركات والاجتماعات الاستثنائية في تكريس واقع استراتيجي جديد عنوانه تقاطع المصالح الأمنية تحت المظلة الأميركية وارتفاع وتيرة تبادل المعلومات الاستخبارية التقنية وأنظمة الإنذار المبكر بين الدول المشاركة للتعامل الفوري مع أي تهديدات بحرية أو صاروخية قادمة من اليمن أو إيران.
كما يتوقع أن تسفر هذه الترتيبات عن تعزيز الدوريات البحرية المشتركة وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فضلاً عن توحيد الخطاب السياسي والعسكري العربي والخليجي والمصري في مواجهة أي تصعيد محتمل ومحاولة هندسة تسوية سياسية في اليمن تضمن تحييد الممرات المائية عن الصراعات العسكرية المسلحة.
أما على صعيد التداعيات، فإن المنطقة تقف اليوم بين سيناريوهين أحلاهما مر فإما أن تنجح هذه الضغوط الدبلوماسية والترتيبات العسكرية المستحدثة في فرض معادلة ردع حقيقية تبقي الصراع تحت السقف وتجبر طهران وشركاءها على التراجع وخفض التصعيد، أو أن تؤدي هذه الاستحضارات العسكرية المكثفة إلى انفجار مواجهة إقليمية مفتوحة ومدمرة تعيد رسم خارطة النفوذ وتوازنات القوى برمتها، وسط مخاض إقليمي بالغ القسوة والتعقيد يهدد بتمزيق ما تبقى من استقرار وهشاشة أمنية في الشرق الأوسط.