من فرملة "تسيّد إسرائيل".. إلى "حروب بديلة"
في قلب الشرق الأوسط يتردد منذ عقود مصطلح "مشروع إسرائيل الكبرى"، وهو تصور أيديولوجي وسياسي إسرائيلي يسعى إلى توسيع النفوذ والحدود الجغرافية لتشمل مساحات شاسعة في المنطقة.
-
لا تزال هناك مساع أميركية إسرائيلية مستمرة لإضعاف إيران ولبنان واليمن (أرشيف).
مشروع "إسرائيل الكبرى" ليس خططاً سرية، فقد خرج الحديث عنه إلى العلن في تصريحات قادة "إسرائيل"، وآخر التصريحات العلنية جاء من نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، وخصوصاً عام 2025 وفي بداية الحرب الأخيرة على لبنان، مع الإشارة إلى أن الحركات الصهيونية التي عملت تاريخياً على تنفيذ خطة "إسرائيل الكبرى" انضوت لاحقاً تحت لواء حزب الليكود الحاكم في الكيان الإسرائيلي.
وبالنظر إلى التطورات التاريخية التي شهدتها المنطقة منذ ما بعد 7 أكتوبر 2023 من مواجهات وحروب شرسة ثم تعرّض إيران لعدوان أميركي- إسرائيلي غير مسبوق، نتأكد أن هذا المشروع كان قد وضع على سكة التنفيذ، منذ بدء العدوان على غزة، مستغلاً الدعم الأميركي غير المسبوق، إضافة إلى حاجة الحكم في الكيان، ولا سيما حاجة نتنياهو الشخصية والسياسية إلى تكرار الأوضاع الحربية، لكن نتائج الأحداث -رغم أنها شهدت تضحيات كبرى تكبدها محور المقاومة- أظهرت إنجازات كبرى في الوقت نفسه لم تكن لمصلحة هذا المشروع بل لفرملته.
وقد يثار نقاش حول مآل الأمور في لبنان من احتلال لجزء كبير من الجنوب واستمرار الاعتداءات والتفجيرات، أو نقاش حول اغتيال القيادات التاريخية في لبنان وإيران، لإظهار أن المحور تلقى خسائر أو ضربات غير سهلة، ولكن النظرة الواقعية والموضوعية وغير العاطفية تثبت العديد من الإنجازات التي لا تقف عند منع مشروع "إسرائيل الكبرى"، بل تتخطاه إلى معادلات نشأت في المنطقة، وأن هذا المشروع واجه في المعركة التاريخية الأخيرة جداراً صلباً أثبت أن الدول والجغرافيا لا تنجح دوماً القوة المفرطة والوحشية في إخضاعها.
وترددت معطيات وتصريحات تشير إلى أن "إسرائيل" كانت تسعى بعد فتح الحرب على إيران في شباط 2026 لفتحها على لبنان، في إطار مسعى شامل يبدأ بالعدوان على إيران لكسرها أو قلب النظام فيها أو على الأقل إضعافها ثم شن هجمة كبرى على حلفائها في المنطقة، لإفساح الطريق أمام المشاريع التوسعية الإسرائيلية وتوسيع النفوذ بشكل غير مسبوق في الشرق الأوسط لكي تتسيّده إسرائيل.
وقبل العدوان، كان هناك مسعى أميركي إسرائيلي لإثارة الفتن في إيران والفوضى في ما شهدته إيران من أحداث أواخر العام 2025، لكنه سقط.. أما في المواجهة العسكرية فقد أتى صمود إيران في الحرب، ثم صمود المقاومين في لبنان، وما تعرضت له "إسرائيل" من ردود عسكرية كبرى والصمود في الميدان البري في جنوب لبنان الذي لولاه لكان مجال الاحتلال أوسع بكثير، ولا يقف عند حدود، ليثبت أن ما حصل هو كسر الأهداف الكبرى للعدوان في لبنان وإيران والمنطقة، حتى إن ما يثار حالياً حول نزع سلاح حزب الله بعد أن أعلن القادة الإسرائيليون أن هدف الحرب على لبنان تدمير قدرات حزب الله يثبت أن الهدف فشل عسكرياً، فلو نجحت "إسرائيل" في تدمير حزب الله وقدراته لما كان هناك حاجة للمطالبة اليوم بنزع سلاح حزب الله ضمن إطار المفاوضات.
عوامل لمصلحة محور المقاومة
لقد جاءت المواجهة الأخيرة لتضع حداً عملياً لهذه التطلعات التوسعية، حيث تضافرت عدة عوامل ميدانية وسياسية لإفشال هذا المخطط:
· صمود الأرض والميدان: أثبتت القوى المقاومة غير متوقعة على تحمل الصدمات العسكرية العنيفة، وتحويل خطوط الدفاع إلى نقاط استنزاف مستمر، ما منع أي تقدم جغرافي اضافي.
· معادلات عسكرية: فرضت المواجهة الأخيرة معادلة القصف بالقصف والعمق بالعمق بالصواريخ الدقيقة والمسيرات وتخطي الدفاعات الإسرائيلية والأميركية، سواء من لبنان أو إيران أو قوى المنطقة في العراق واليمن، ما جعل تكلفة التوسع البشري والاقتصادي والسياسي باهظة جداً، ولا يمكن لإسرائيل تحملها على المدى الطويل.
· الوعي الشعبي: تلاشت الرهانات على ضرب بيئة المقاومة عبر تكرار القتل والتهجير، بل أثبتت الجبهة الداخلية اللبنانية صموداً منقطع النظير. كما أثبت الوعي الشعبي الإيراني والتفاقه ضد العدوان وقوفه حجر عثرة بوجه محاولة تفكيك إيران من الداخل.
· وحدة الساحات وتكامل الجبهات: نجحت إيران ومحور المقاومة في تفعيل جبهات متعددة ومترابطة في آن واحد (من غزة ولبنان إلى اليمن والعراق)، ما أدى إلى تشتيت القدرات الدفاعية والهجومية للعدو وإشعال جبهات استنزاف طويلة الأمد، بل إن إيران نفذت معادلات غير مسبوقة لفرملة الاعتداءات في لبنان عبر ضرب الداخل في الكيان المحتل وحققت مذكرة التفاهم وقف الحرب في لبنان.
· إغلاق الممرات البحرية واستهداف الشرايين الاقتصادية: نجحت إيران في استغلال مضيق هرمز كنقطة قوة كبرى، كما كرست معادلات لا تزال مستمرة بوجه محاولة السيطرة الأميركية على مضيق هرمز، كما قامت جبهة اليمن في فرض حصار بحري فعال في البحر الأحمر وباب المندب.
· الأوضاع الدولية: بدأت الساحة الدولية تشهد تململاً من الصراعات المفتوحة التي تهدد مصالح الطاقة وممرات التجارة العالمية.
"حروب بديلة"
فيما لا تزال الاعتداءات مستمرة في قطاع غزة وجزء من الجنوب اللبناني عبر خرق وقف إطلاق النار، مع تهديد الضفة بتصعيد شامل، في فترة ما بعد توقف الحروب الشاملة في غزة ولبنان وإيران، تبرز في هذه الآونة الخطط البديلة الأميركية والإسرائيلية التي يمكن تسميتها بالحروب غير العسكرية، لإضعاف الدول والقوى المناوئة في الشرق الأوسط.
ففي الواقع الراهن لا بد من الإشارة إلى أنه لا تزال هناك مساع أميركية إسرائيلية مستمرة لإضعاف إيران ولبنان واليمن من الداخل لتحقيق أهداف استراتيجية، حيث لجأت الولايات المتحدة إلى توسيع مدى العقوبات وتعميق الحصار على إيران، الذي لا تزال تعيشه منذ عقود، والذي استعملته واشنطن مجدداً بعيد الحرب، ويأتي تعميق الحصار وتوسيع تشعباته في محاولة لإثارة تململ داخلي على المدى الأبعد، سعياً لكسر الموقف الإيراني وإثارة قلاقل داخلية، مع استمرار الضربات العسكرية المتباعدة ضد إيران، وتكرار التهديد الإسرائيلي ضدها، كما ورد على لسان نتنياهو منذ أيام، وتفعيل الحصار على اليمن والضغوط على العراق، والسعي إلى إثارة الفتن في لبنان والصراع الداخلي والسياسي حول موضوع السلاح وبقاء الاحتلال، والضغوط الاقتصادية على لبنان التي يمكن وصفها فعليا بالحصار.