من الجمعية العامة إلى مجلس الأمن: لماذا فشلت الأمم المتحدة في منع الحروب

لماذا تستطيع الأمم المتحدة أن تجمع العالم تحت سقف واحد، لكنها تواجه صعوبة أو لنقل فشلاً في جمع إرادته على قرار واحد يمنع اندلاع الحروب أو يوقفها عندما تندلع؟

  •  منبر العالم بلا أدوات تنفيذ كافية (أرشيف).
     منبر العالم بلا أدوات تنفيذ كافية (أرشيف).

مئات القادة يواصلون الاجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الخطب تتوالى، ويطغى عليها نقاش الحروب والأمن الدولي. في الدورة الـ81 للجمعية العامة، وفي أسبوع يُفترض أن تكون فيه المنظمة الدولية منصةً لمعالجة أخطر أزمات العالم مع وجود قادة 193 دولة، يأتي المشهد مفتوحاً على تهديدات باتساع الحروب والأزمات، فيما تتزايد الأسئلة حول قدرة النظام الدولي على تحويل بيانات السلام والقرارات الدولية إلى إجراءات توقف القتال.

اختارت الأمم المتحدة لدورتها هذا العام عنوان "استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق للجميع"، واختار الأمين العام أنطونيو غوتيريتش أن يحذر من اتساع خطوط الانقسام في العالم، داعيًا إلى عالم قائم على الترابط والتعاون، لكن السؤال الذي بقى يطرح نفسه هو: لماذا تستطيع الأمم المتحدة أن تجمع العالم تحت سقف واحد، لكنها تواجه صعوبة أو لنقل فشلاً في جمع إرادته على قرار واحد يمنع اندلاع الحروب أو يوقفها عندما تندلع؟

 منبر العالم بلا أدوات تنفيذ كافية 

خلال العقود الماضية، عانت البشرية ولا تزال تعاني من ويلات حروب أكثر تعقيدًا وتنوعًا، لم تعد دائمًا تجري وفق القواعد التي يُفترض أن تحكم النزاعات في إطار القانون الدولي، ومع اتساع هذه الحروب وتعدد أطرافها، تراجع دور المنظمات الدولية كمرجع أساسي لاحتواء النزاعات وفضّها، رغم أنها أُنشئت عقب الحرب العالمية الثانية لتكون إطارًا جامعا لحفظ السلم والأمن الدوليين.

وتُعدّ الجمعية العامة من أهم أجهزة الأمم المتحدة، كونها تضم جميع الدول الأعضاء، ولكل دولة صوت واحد، ما يجعلها المنبر الأوسع لطرح القضايا الدولية ومناقشتها. وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، تملك الجمعية صلاحية مناقشة المسائل الواقعة ضمن نطاق الميثاق، بما فيها قضايا السلم والأمن الدوليين، وتوجيه التوصيات إلى الدول الأعضاء أو إلى مجلس الأمن، إلا أن قراراتها في المسائل السياسية الدولية تكون، كقاعدة عامة، توصيات ليست ملزمة قانونيًا للدول الأعضاء، بخلاف بعض قرارات مجلس الأمن التي قد تكون ملزمة في إطار الميثاق.

في هذا السياق، تقدّم قضية المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة مثالًا حيًا على الفجوة بين القرارات التي تحظى بتأييد واسع داخل الجمعية العامة وبين القدرة على تنفيذها على الأرض. ففي الـ 6 من كانون الأول/ديسمبر 2016، اعتمدت الجمعية العامة القرار 71/97 بأغلبية 165 دولة مقابل 6، مع امتناع 7 دول، مؤكدة عدم قانونية المستوطنات، ومطالبة بالوقف الفوري والكامل لجميع أنشطة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل.

ولم يتوقف الأمر عند هذا القرار، إذ عادت الجمعية العامة في عام 2025 إلى تجديد المطلب نفسه في القرار 80/81، داعية إلى الوقف الفوري والكامل لجميع الأنشطة الإستيطانية. ويكشف تكرار هذه القرارات على مدى سنوات عن فجوة واضحة بين الموقف الذي تعبّر عنه الجمعية العامة بأغلبية واسعة وبين قدرتها على ضمان تنفيذ ما تدعو إليه على أرض الواقع.

وهكذا، تكشف الجمعية العامة عن مفارقة أساسية في عمل الأمم المتحدة: تمثيل دولي واسع، في مقابل قدرة محدودة على فرض ما يصدر عنها من توصيات، لكن حين يتعلق الأمر بالقرارات التي يمكن أن تترتب عليها إجراءات فعلية، ينتقل مركز الثقل إلى مجلس الأمن، حيث تختلف قواعد اتخاذ القرار وتظهر بوضوح أكبر موازين القوة داخل النظام الدولي.

 مجلس الأمن: بين الدبلوماسية والفيتو 

هل يمكن لدولة ما أن تفرض عقوبات على دولة أخرى بدوافع سياسية أو لتحقيق مصالح خاصة، وتحظى في ذلك بدعم أو غطاء من دول أخرى، من دون أن تلتزم بالقدر نفسه بالقواعد التي يُفترض أن تحكم العلاقات الدولية؟ وهل تصبح هذه الإجراءات مشروعة لمجرد أنها تحظى بتأييد قوى مؤثرة في النظام الدولي؟

تظهر هذه المفارقة بوضوح داخل مجلس الأمن، الذي يُفترض أن يكون أحد أهم أطر حفظ السلم والأمن الدوليين، لكنه يمنح خمس دول دائمة العضوية حق النقض "الفيتو"، بما يتيح لأي منها تعطيل قرار في القضايا الجوهرية. وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحًا، كيف يمكن لنظام دولي أن يتحدث عن قواعد مشتركة، بينما تملك خمس دول قدرة استثنائية على تعطيل قراراته؟

ومن هذه الزاوية، يشكل الملف النووي الإيراني حالة لافتة يمكن من خلالها قراءة هذه المعادلة، بعدما تحول إلى أحد أبرز الملفات التي اختبر فيها مجلس الأمن قدرته على استخدام أدواته في مواجهة أزمة دولية معقدة من دون الضغط عليه من قبل الدول الكبرى. ففي العام 2006 صدر القرار 1696 والذي طالب فيه مجلس الأمن بالضغط من قبل الولايات المتحدة بتعليق جميع الأنشطة الإيرانية المرتبطة بتخصيب اليورانيوم وإعادة المعالجة، ولوّح باتخاذ إجراءات اقتصادية ودبلوماسية في حال عدم الامتثال.

وتظهر قوة الفيتو بصورة أكثر وضوحًا عندما ننتقل من القاعدة إلى الممارسة، فخلال السنوات الأخيرة، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن لعرقلة عدد من مشاريع القرارات المتعلقة بالحرب في غزة، رغم حصول بعضها على تأييد واسع من أعضاء المجلس. ففي الـ 8 من كانون الأول/ديسمبر 2023، أُجهض مشروع قرار طالب بوقف إنساني فوري لإطلاق النار بعدما صوّتت 13 دولة لصالحه مقابل فيتو أميركي واحد، وتكرّر المشهد في شباط/فبراير 2024، ثم في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، عندما حصل مشروع قرار بشأن وقف إطلاق النار في غزة على تأييد الأعضاء الأربعة عشر الآخرين، من دون أن يُعتمد بسبب الفيتو الأميركي.

وبينما يكشف مسار القرارات والمشاريع التي تعثرت داخل مجلس الأمن عن حدود التوافق الدولي، فإن الإشكالية الأوسع لا تتعلق فقط بما إذا كان القرار سيصدر، بل بما يحدث عندما تعجز الدول عن الاتفاق على موقف مشترك تجاه أزمة تهدد السلم والأمن الدوليين. عندها تتحول قاعة المجلس من مساحة لصناعة القرار إلى مساحة تعكس حجم الانقسام الدولي نفسه.

عالم متعدد الأقطاب ومنظمة صُممت لعالم آخر 

لم يتغيّر العالم منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 في موازين قواه وطبيعة صراعاته فحسب، بل تغيّر أيضاً في عدد دوله. ففي عام 1945، تأسست المنظمة بمشاركة 51 دولة، بينما تضم اليوم 193 دولة عضواً، في اتساع يعكس التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الثمانية الماضية.

وفي اللحظة التي وُلدت فيها المنظمة، كان هاجس العالم الأساسي هو منع تكرار حرب عالمية تقوم على جيوش تتواجه على الأرض وفي البحر والجو، وعلى دول تتصارع على الحدود والنفوذ والأراضي والجغرافيا المحددة.

أما في عام 2026، فقد أصبحت الصراعات أكثر اتساعاً وتداخلاً، فإلى جانب الحروب العسكرية، دخلت إلى ميدان التنافس الدولي أدوات أخرى: العقوبات الاقتصادية، الحروب التجارية، السيطرة على التكنولوجيا، الأمن السيبراني، المعلومات، الطاقة، سلاسل الإمداد، والقدرة على التأثير في القرار السياسي والاقتصادي للدول. ولم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الجيوش والقدرة على خوض الحرب، بل باتت تمتد إلى القدرة على التأثير والضغط والإخضاع من دون اللجوء المباشر إلى القوة العسكرية.

بين أروقة الأمم المتحدة، من الجمعية العامة حيث تُطرح المواقف والتوصيات، إلى مجلس الأمن حيث تصدر القرارات التي قد تعيقها إرادة الفيتو، وصولاً إلى ما هو تحت الفصل السادس من تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وما يندرج تحت الفصل السابع من إجراءات ملزمة، تضيق مساحة الحركة أمام المنظمة بين نصوص الميثاق ومصالح الدول الكبرى.

وبين حق الدول في التعبير عن نفسها، وامتلاك الدول الكبرى أدوات التأثير والتعطيل، والدول الأصغر التي غالباً ما تجد نفسها في مواجهة إرادة الأقوى، ضاعت تدريجياً قدرة الأمم المتحدة على أداء الدور الذي أُنشئت من أجله: منع الحروب وحفظ السلم والأمن الدوليين.

نعود إلى السؤال الأول: هل تستطيع الدورة الحالية للأمم المتحدة أن تفتح مساراً مختلفاً، وتنتج ما يتجاوز بيانات المواقف والتوصيات، أم أنها ستنتهي كسابقاتها، شاهدةً جديدة على عجز المنظمة عن تحويل قراراتها إلى خطوات قادرة على منع الحروب؟